


عدد المقالات 283
في بلد يطاول المليون عاطل عن العمل، ويصارع نسبة نمو اقتصادي تلهث لتجاوز الصفر، وفي بلد الديمقراطية الزاهرة وحرية التعبير المترعة، هناك من يجد مزاجا لأن يعرض على البرلمان «مبادرة تشريعية» لسن قانون يقضي بالمساواة بين الجنسين في الميراث! وفي تلك البلاد نفسها يمضي الناس وقتا طويلا في مناقشة المثلية الجنسية، وما إذا كانت موجبة لإلقاء أصحابها من علو شاهق -كما يفعل «داعش»- أم أن الأجدر بالمجتمع المتنور أن يترفق بهم كما يفعل بالقوارير! يحدث ذلك في تونس اليوم، وبدون تزيد على الواقع فإن ما يدور هناك «جدل بيزنطي» تماما كما حدث في تاريخ قسطنطينة التي كانت أيضا تسمى بالإمبراطورية البيزنطية.. وهاكم قصتها: «في القرن الخامس عشر الميلادي، وعندما حاصر السلطان العثماني محمد الثاني (محمد الفاتح) القسطنطينية، وبينما كان مصير الإمبراطورية بأكملها على المحك، كان مجلس شيوخ المدينة مشغولا بمناقشة أمور فقهية ولاهوتية لا طائل ورائها، وبينما كان الجدل محتدما في قاعة مجلس الشيوخ -رغم محاولات الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر لصرفهم عن الجدل العقيم من أجل مواجهة الغزاة- كان القتال يدور في شوارع بيزنطة بعد أن تمكن جنود محمد الثاني من اقتحام أسوارها، وأخيرا استطاع العثمانيون احتلال المدينة، وقضى الإمبراطور نحبه على أسوارها، ولقب السلطان العثماني بـ «الفاتح».. أكاد أرى ذلك بتفاصيله يحدث في تونس اليوم، حيث شارك في «واقعة المثليين» إعلاميون لامعون، وأكاديميون مرموقون، وأئمة أجلاء، وحتى وزير الشؤون الدينية بجلالة قدره أدلى بدلوه في الموضوع مناكفا.. وحدّث ولا حرج عن نواب الشعب المحترمين الذين ما إن فتر الحديث عن المثلية الجنسية حتى ابتدع أحدهم «بدعة» المساواة في الإرث بين الجنسين.. وكأن مشاكل التونسيين جميعها قد وجدت طريقها إلى الحل، وأصبح الناس ينعمون بما ينعم به السويديون مثلا لكي يستغرقوا في نقاشات تشبه ما فعله «شيوخ» القسطنطينية قبل ستة قرون من الآن. والحقيقة أن قضية المثلية أو المساواة في الإرث لم تكن فقط من إنتاج شخص أو مجموعة «فاضين شغل»، فهي «مناورة سياسية» لإلهاء العامة عما تضمره الخاصة.. لكن لا أحد إلى اليوم صرح بما تضمره الخاصة للعامة في بلد أصبح جميع سكانه من خاصة الخاصة وبلا عامة! لكن الأمر على قربه الشديد من التفاهة فقد حق فيه قول «رب ضارة نافعة»؛ لأن الجميع علم على الأقل بأن «اليسار الاستئصالي» غير موافق على طرح تلك المبادرة التشريعية في مجلس نواب الشعب، فحدث لأول مرة أن التقى ذلك «اليسار الاستئصالي» بـ «اليمين المتعفن».. وهي مفردات مستعارة من قاموس «النضال الجامعي» عندما كانوا جميعا عشرينيون.. أما اليوم وهم خمسينيون وستينيون ولا يزالون بنفس التوقد اللفظي العشريني، فلا يحق لأحد أن يسأل بعد الآن لماذا يحكم التسعينيون في البلاد! نسيت في المقدمة أن أزيد على نسبة النمو التي تضارع صفر% وعلى المليون عاطل عن العمل أن عدد أيام العمل الضائعة في الإضرابات لسنة 2015 مثلا هو 270 ألف يوم -بحسب أرقام وزير الشؤون الاجتماعية حينئذ- وأن الحكومة وقعت على زيادات في الأجور لنحو 800 ألف موظف في القطاع العام، كلفت خزينة الدولة أكثر من 500 مليون دينار (حوالي 250 مليون دولار)، بحيث ليس هناك مهرب من استذكار القول المأثور للشيخ الفقيه عبدالرحمن الأوزاعي: «إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم باب الجدل، وسد عنهم باب العلم والعمل»!
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...