


عدد المقالات 283
سألتُ صاحبي الصامت وسط كل هذا الضجيج التونسي، عن أصل «الأزمة التونسية» العامة بين الحاكم والمحكوم، حيث لم يعد للأول سلطة على الثاني، ولا للثاني أمل في الأول، وإن كان مربط الفرس سياسياً أم اقتصادياً أم أمنياً أم سواه؟ فاجأني الصاحب بأن لا هذا ولا ذلك ولا ذاك، فأمر الأزمة يتلخص في ضياع الصورة وتشتتها، بما يخلق في كل النفوس -بلا استثناء- ضيقاً، كما الضيق الذي يصيب البحار عندما تتعطل بوصلته، وينسد أمام بصره الأفق. والواقع أن صاحبي لم يكن يشطح بالخيال، لأن أصل الحكاية في تونس بدا من صورة «الربيع»، التي استعارها العرب والعجم والإفرنج للتهليل بما حدث في 14 يناير 2011، وصورة الربيع في مخيال هؤلاء شبه معدومة، حتى تحولت لدى البعض إلى صناعة صورة مرغوبة، ولدى المتلقين تطلع إلى صورة بديعة ذات رواج واسع، أي إلى فانتازيا تشحذ الفأل الحسن وتدوّر الزوايا الحادة لحياة الناس في تونس، وعلى بعد آلاف الكيلومترات منها. تماماً كما فعلت صورة «ربيع براغ» في سنة 1968 حتى حدوث «الثورة المخملية» وانهيار النظام التشيكي في 1989، ومن «الربيع» إلى «المخمل» اجتاحت الصورتان الناعمتان المخيال الثقافي العالمي، وتجلى الاجتياح في حركة مايو 1968، والحركة الطلابية البولندية، وأعمال الأديب «ميلان كونديرا»، ثم ظل العالم لاهثاً وراء صورة زاهية جديدة، حتى جاء «الربيع العربي» من تونس، وبث كل ألوانه التي نراها اليوم رأي العين. حتى تكون الصورة حية في النص الأدبي أو في الفعل السياسي، لها ما لها من مفعول وتأثير، لا بد لها من خيال يخرجها من النمطية والتقرير والمباشرة، يحلِّق بالمتلقي -قارئاً أو محكوماً- في الآفاق الرحبة، ويخلق له دنيا جديدة، إذ نجد ذلك مع رسم الصورة البطولية في الأسطورة الشعبية، بإسباغ هالات من القدسية، والسمات الخارقة على بطل الأسطورة، سواء في اليونان «الإلياذة والأوديسة»، أو في الملاحم الشعبية العربية التي تصور البطل وكأنه ملاك سماوي لا يُهزم ولا يخطئ، منذ أبوزيد الهلالي وسيف بن ذي يزن، أو في سيرة أسطورة بطل الستينيات «تشي جيفارا»، وهي صور ما زال يعيش عليها التونسيون إلى اليوم، لكنهم لا يجدونها، فيستنجدون بصورة زعيمهم الحبيب بورقيبة، حتى هرعوا للبحث عنها عندما ادلهمت السماء سنة 2014، في شخص الباجي قائد السبسي لمجرد أنه كان قد عمل معه! التونسيون ورثوا في جيناتهم الثقافية رمزية صورة الحاكم «ولي الأمر»، التي منها يستمدون القوة في ردهات ضعفهم، وذلك بالتحديد ما دفع النائب في البرلمان علي بنور هذا الأسبوع، لصدم الجميع بتدخله تحت قبة البرلمان، قائلاً بالحرف: «أتمنى سماع البيان رقم واحد في تونس»، وهو ليس الوحيد الذي يتمنى ذلك في الجهر أو في السر! قد يكون النائب علي بنور -وقد كان ممثلاً مسرحياً عادياً- وغيره من الذين يتمنون انقلاباً عسكرياً في تونس ينهي حالة «الجدب السياسي»، يتناسون أنهم وصلوا إلى مواقعهم تلك بسبب الحرية والديمقراطية وليس بـ «فرمان» عسكري، لكنهم على أي حال، يعبّرون -وهم في حالة تداعٍ حر- عن ظمأ تونسي شديد لصورة رجل الدولة الذي يفرض القانون والنظام، وهي نفس صورة «العادل المستبد» التي دعا إليها جمال الدين الأفغاني في قديم الزمان، لكن الأصح منها -بالتأكيد- ما جاء في الحديث الشريف: «كيفما تكونوا يولى عليكم»، فتلك هي صورة المرآة التي لا تظلم أبداً من يقف أمامها!
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...