alsharq

عبد العزيز الحيص

عدد المقالات 81

حكاية المواطن الرابع

05 أكتوبر 2015 , 01:00ص

الأسبوع الماضي، انضم شاب إلى عالم تويتر، وبلغ عدد متابعيه ما يقارب المليون متابع خلال أربع وعشرين ساعة. من عرفوه تابعوه، بينما آخرون سألوا من هو سنودن هذا؟ برأيي أفضل من يلخص حكاية هذا الشاب، هو فيلم «المواطن الرابع»، الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي هذا العام. أخرجت الفيلم لورا بويتراس، التي استجوبتها الحكومة الأميركية عدة مرات لأعمالها الوثائقية السابقة، فيلم عن حرب العراق، وآخر عن جوانتنامو والحرب على الإرهاب. على وزن السلطة الرابعة (الصحافة)، كان سنودن يسمّي نفسه بالمواطن الرابع حين بدأ بمراسلة لورا لتلتقيه، معلنا أنه يمتلك معلومات هامة. استجابت لورا، وسافرت لتلتقيه في فندق في هونج كونج، والتحق بهما صحافي الجارديان الاستقصائي جلين جرينولد، ولاحقا التحق بهما أوين ماكاسكيل، صحافي آخر من الجارديان. بدأ لقاء الجميع في الثالث من يونيو 2013، واستمر في غرفته الصغيرة في الفندق لثمانية أيام. في الفيلم، عرّف نفسه ببساطة: اسمي إدوارد سنودن، عمري 29 عاما، وأعمل محلل بيانات في شركة «بوز ألين هاميلتون»، ومعار للعمل في وزارة الدفاع الأميركية في هاواي. كشف سنودن بصفته مديراً لنظم المعلومات في وكالة الأمن القومي، وممتلكا لصلاحيات واسعة للاطلاع، عن برامج ضخمة سرية تابعة لهذه الوكالة، تستخدمها حكومة الولايات المتحدة للتجسس على مواطنيها وعلى بقية العالم، عبر الاتصالات، وخوادم وشركات الإنترنت، دون إذن قضائي. مليارات المعلومات الاستخبارية تم تمريرها، وهذا ما سربه سنودن عبر الوثائق إلى صحيفتي «الجارديان» البريطانية، و «واشنطن بوست» الأميركية. منذ اليوم الثالث لاجتماعهم، بدأت التقارير التي تتحدث عن هذه الفضائح تخرج تباعا. استمرار النشر أكد وجود مصدر محدد من الداخل يقوم بنشرها، وهنا بدأ الصحافي جرينوالد بالكشف تدريجيا عن شخصية المصدر، لأن سنودن منذ البداية لم يكن ينوي الاختباء. كان يريد الخروج وإعلان نفسه، فمسألة كشفه كانت مسألة وقت. ولكن مع ذلك أكد سنودن في براعة أنه لا يريد أن يتم التركيز عليه، بل على القضية نفسها، فهي قضية رأي عام بالغة الأهمية. كان سنودن مؤمناً أن تضحيته لن تذهب سدى، فهي فكرة مقاومة ستنتقل للآخرين، وسيأتي من يليه، ليواجهوا جنوح السلطة بطرق متعددة. بعد أيام، في العاشر من يونيو تم الكشف عن شخصية سنودن أمام الإعلام. سأله جرينولد، لماذا فعلت ما فعلت؟ أجاب سنودن: بالنسبة لي كل شيء يتعلق بقوة الحكومة أمام قوة الشعب، وقوة هؤلاء على المعارضة الجدية لتلك القوة. قبل فترة بسيطة كنت أجلس هناك، لأتقاضى راتبي من أجل تضخيم تلك القوة للحكومة! أنا مستعد لأن أخاطر بالذهاب للسجن نتيجة ما فعلت، على أن يتم تضييق نطاق حريتي الفكرية. كنت أتذكر الإنترنت قبل أن يكون مراقباً، كان شيئا لا مثيل له في تاريخ البشرية، الآن الناس تراقب نفسها، خشية أن توضع على قوائم ما. هذا يحد من فكرهم وحريتهم. المحادثات التي تمت بين جرينولد وسنودن في منتصف الفيلم، كانت مُلهمة، وتركز وتُعنى بمسألة المواجهة، وتجسيد المبادئ بشجاعة أمام حكومات تتجاوز صلاحياتها الدستورية، وتتطور في مسار كبت الحريات. حاول الرفيقان ألا يجعلا هذه المغامرة تتم بطريقة تقليدية، يتم فيها إخفاء المصدر، والحديث عن معلومات محدودة قد لا تثير الكثير من الجدل. لاحقاً، بعد أيام، ذهب سنودن لمفوضية اللاجئين في هونج كونج للحصول على الحماية، تقدم بطلب اللجوء، ثم اختفى عن الأنظار. لورا انتظرت عدة أيام، اكتشفت أنها ملاحقة ثم عادت إلى برلين. في الواحد والعشرين من نفس الشهر وجهت الولايات المتحدة ثلاث تهم جنائية لسنودن، اثنتان منها تحت قانون التجسس، وطالبت هونج كونج بتسليمه. بعد يومين قامت «ويكيليكس» بترتيب رحيله من هونج كونج للمطالبة باللجوء السياسي. اتجه إلى موسكو، وقامت الولايات المتحدة فوراً بإلغاء جواز سفره، لذا بقي عالقا في المطار، ولم يستطع الدخول رسميا إلى موسكو. حاولت ويكيليكس تدبر طائرة خاصة تأخذه من موسكو إلى الإكوادور أو فنزويلا أو أي بلد يكون فيه آمناً، لكن لم تفلح المحاولات. أمضى سنودن أربعين يوماً في منطقة عبور مطار «شيرميتيفو» في موسكو، حصل بعدها على لجوء سياسي في روسيا لمدة عام. امتدت إقامته هناك حتى اليوم. لاحقاً بعد هذه الأحداث، في مؤتمر في البرازيل، مقر إقامته، أكد جرينولد، أن تجسس أميركا على الدول الأخرى ليس له علاقة بالإرهاب وقضايا الأمن القومي، بل يتعلق بالشركات الصناعية والخلافات الاقتصادية والمالية، وتستغلها أميركا لمصالحها، وهذا ما يكشف خطورة الأمر على الأمم الأخرى. وفي أوروبا، وفي يوليو 2013 بدأت جلسات استماع للتحقيق في مراقبة الـ»أن أس أي» لمواطني وشركات الاتحاد الأوروبي. فضيحة التجسس على هاتف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كان فضيحة شهيرة سمع بها العالم كله. في الأسبوع المقبل سيتحدث المقال عن البرامج التجسسية التي كشفها سنودن ومدى تنوع وضخامة هذه البرامج. والمقال الذي يليه، سيكون عن كتاب «لا مكان للاختباء»، الذي كتبه جلين جرينولد وتحدث فيه عن مغامرته مع سنودن بتفاصيل أدق. إنه من الكتب اللافتة التي تستحق القراءة والتدبر. • Azizf303@gmail.com

وداعاً «في العمق»

قبل أيام تم بث الحلقة الأخيرة من برنامج «في العمق» على قناة الجزيرة، بعد إطلالة البرنامج الأسبوعية منذ العام 2009، وعلى مدى سبع سنوات. حين قدمت إلى العمل في البرنامج قبل سنوات، كان الأمر صعبا،...

الفرد ومشاكله المالية

أجدادنا في السابق كان الكثير منهم مبادرين في تدبر وكسب قوتهم، في أمر مشابه لمن يسمون اليوم بالأنتروبنورز، أو رواد المشاريع والمعتمدين بشكل جدي على ذواتهم. تدبر المعاش والرزق كان مهمة يومية جادة. وبعد تشكل...

السعودية وقانون جاستا

لأول مرة يُسقط الكونجرس الأميركي فيتو لأوباما، وذلك في تصويت مجلس الكونجرس الأميركي حول قانون «العدالة مع رعاة الإرهاب» المسمّى جاستا JASTA. تمرير هذا القانون بلا شك سيعمل على زعزعة علاقة متينة بين البلدين استمرت...

جيجك واللاجئون

السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك...

خوف في الشبكات الاجتماعية

الشبكات الاجتماعية حقول متنوعة، ساعدت الناس على الانطلاق، ونشر الرأي والمعلومة، ودعمت ظهور الأفكار وحرية التعبير عنها. لكن يبقى بعد كل هذا المدح الذي تم سبكه لأجل الشبكات الاجتماعية، أن نتدارك الأمر قليلا، ونعرف أن...

تركة العدناني

بعد مقتل استراتيجي تنظيم الدولة والمتحدث باسمها، أبي محمد العدناني، الأسبوع الماضي، يستمر مسلسل خسارات تنظيم الدولة، فبجانب خسارة الأراضي والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد عليه، قُتل أكثر من عشرة قياديين بارزين للتنظيم في مجلس الشورى...

ذاكرة الكراهية

ذاكرة البشر محدودة وقصيرة، وإن كانت هذه الذاكرة مشغولة بالكراهية فماذا سيبقى منها لصنع حاضر أفضل؟ حضور الكراهية الدائم في الذهن يعني إعادة إنتاج الواقع وفق تصور هذه الذاكرة، وهذا يصعب الأمر خصوصا على المجتمعات...

مجتمع النظام الأبوي

مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب...

القبيلة

الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها...

أميركا بين الديمقراطية والانقلاب

تصدير الديمقراطية سلعة أميركية، والانقلاب عليها أيضا سلعة أميركية بامتياز. في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الملف الأميركي واضحاً في دعم الانقلابات حول العالم، ويعدد ويليام بلوم في كتابه «قتل الأمل»، ما يقارب أربعين...

وحش النقد

في العادة، لا يذهب الناس عميقا في نقاشاتهم الجماعية أو الثنائية، لأنهم يخشون النقد ويتجنبونه. حضور النقد قد يأخذ الحديث إلى منحى آخر، وإلى هجوم متبادل وصراع. وفي عالم الإنترنت اليوم، كثرت الأحاديث وصراعات الرأي...

الانقلاب والديمقراطية

لا تكمن ميزة الديمقراطية في أنها فقط قد تحقق للمرء ما يريد، بل أيضاً أنها تعوّد المرء على قبول ما لا يريد. في عام 2008 حين قدم أوباما للسلطة في الولايات المتحدة، أذكر أن طالبا...