alsharq

د. سعيد العلام

عدد المقالات 18

تداعيات «كورونا»: ما بعد العولمة أم نهاية الليبرالية والتاريخ الجديد؟

05 أبريل 2020 , 01:34ص

إن هذه الأزمة ستشهد تحولاً جيو - سياسياً عميقاً، سيعيدنا إلى أطروحة سبينغلر «Oswald Spengler» المبشرة بأزمة المركزية الأوروبية وأفول الحضارة الغربية، ليس كقوة تَهْدِيديّة عسكرياً أو اقتصادياً، بل كصورة تسويقية للقيم الإنسانية، قيم الحداثة، والديمقراطية، وحقوق الإنسان. لقد عرّت الأزمة عورة هذه الأيديولوجية، وأبانت عن حقيقتها التي عبّر عنها «باسكال بروكنر» ببؤس الرفاهية وديانة السوق، التي قد تحدد معنى الإنسانية والإنسان فيما قد يصلح كقوة احتياطية، ولا تتوانى عن التضحية بالكائنات غير المنتجة. إن ما أثارني شخصياً وحطم كل صور التبشير الأنواري الذي حط من شأن الحضارة الغربية، ليس التَهْدِيديَّة التي تمارسها الرأسمالية العالمية للعالم ضمن ما أسماه «أولريش بيك» بمجتمع المخاطر، ولا ثورات الجينوم والحرب البيولوجية التي ترسم ملامح حروب المستقبل؛ إن ما آلمني حقاً هو أفول الإنسانية على حد تعبير «كوت بينتوس»، وهْم القيم الكونية، وتحطّم تمثال الحرية. أن تصبح الإنسانية مختزلة في صورة مناعة القطيع، كما عبّرت عنها المستشارة الألمانية، وأن تتم التضحية بالشيوخ والعجزة كقربان لسياسات الموازنات العامة والحوكمة. كل هذا يعيدنا إلى تفاهة الشر الذي وصفت به «حنى أرندت»(Hannah Arendt) محاكمات النازية، فهذا الشر الذي أبانت عنه الأيديولوجية النيولبيرالية أكثر فتكاً؛ لأنه لا يستهدف مجرد البشر، إنه شر ضد كل شيء ومن أجل لا شيء، جَازَ لي أن أقول عكس «أرندت» إنه شر مطلق، متعيّن في نمط الإنسانية المأزومة. إننا في حاجة إلى أن تتعافي البشرية والطبيعة من هذا الشر، بمناعة من كل العقائد الفاسدة، وكل الأيديولوجيات الشمولية مهما ادعت من براءة وإنسانية. إن الدعوة إلى استبدال قيادة العالم من الهيمنة الغربية إلى الهيمنة الصينية، هو استبدال شر معلوم بشر مجهول ليس إلا. لسنا بحاجة إلى هيمنة أي قوة، ما نحن بحاجة إليه كشعوب، هو بناء كونية إيتيقية «Éthique»، بدل الكونية الأيديولوجية التي أعلنت نهاية التاريخ بانتصار الليبرالية. إن الأزمة الحالية تعلن عن نهاية الليبرالية وبداية تاريخ جديد، بقيم سلام عالمي تتجسد فيه إرادة الشعوب حقيقة، من خلال نبذ التعارض بين الكونية والخصوصية؛ لأن هذا التعارض مجرد وهم أيديولوجي بين راديكاليين يخضعون معادلة العلاقة بين الكونية والخصوصية للحتمية «الهيجيلية» (عبد /سيد)، إن الكونية مجرد أفق للخصوصية، حيث بداية جديدة لتاريخ إنسان الهوية المركبة. بتجاوز العولمة كأيديولوجية للكونية، مبنية على مفهوم الهيمنة، من أجل كونية «إيتيقية» مبنية على مبدأ كلية الإنسان ووجوده النوعي. يبدو لي أنه لم تعد هناك حاجة للهيمنة في كل أشكالها وتلويناتها، إننا لسنا في حاجة إلى الكونية الأيديولوجية (العولمة) التي تُسَيِّد العقل الأداتي (المصلحة)، من أجل فرض هيمنة على جميع الأصعدة قانونية، واقتصادية، وثقافية، وسياسية، وأخلاقية؛ وتقدم نفسها كمنظومة قيم متعالية تنبئ بأزمة تواصل وتبشر بالصدام، مما يقحمنا ضمن معادلة حضارية: «بقدر ما تشتد أساليب الهيمنة بقدر ما تشتد مقاومة الخصوصيات ومبررات انغلاقها»، وهذا ما يبرر حتمية الصدام بين الأصوليات كما بشر به «صامويل هانتنغتن». إن الكونية الأيديولوجية (الكوسموبوليتانية) تبحث عن التناقضات بدل البحث عن التجانس، أي بالبحث عن أوجه الاختلاف وما يفرق بين الثقافات، بدل البحث عن أوجه الالتقاء والبحث في إمكانية التواصل والتعارف، تحقيقاً لقوله عز وجل: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا».

آيا صوفيا مسجدا: ملامح صدام حضاري

هل يستحق قرار تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد كل هذا اللغط؟ قد يكون الأمر أبسط من ذلك حينما نتناوله في سياقه القانوني والسياسي، لكنه أكثر تعقيدا حينما يمتزج بصيرورة التاريخ ودلالته الرمزية. إن توقيت...

مستقبل الإسلام ما بعد جائحة «كورونا»: صدام البرابرة

إن أهم ما يسم العالم ما بعد «كورونا» هو وضوح الصراع الحضاري وانكشاف خلفياته، فضلاً عن تجلّي المبرّرات الأيديولوجية التي تحكم دعاة صدام الحضارات. إذا كانت الخلفية الفلسفية للصدام تؤطرها الفلسفة الهيجيلية التي تدّعي الضرورة...

الربيع الأميركي: مصير إسرائيل

إن أكثر الدول قلقاً ممّا يحدث في أميركا هي الكيان الصهيوني، باعتبار أن أي تغيير في مصير أميركا سيجعل لا محالة مصير هذا الكيان مجهولاً، لا أعتقد أن هناك شيئاً اسمه إسرائيل خارج نطاق النبوءات...

الربيع الأميركي: النبوءة والسياسة

من الأسباب الجوهرية التي تعلن عن بداية نهاية أميركا، هيمنة العقائد الدينية على السياسة الأميركية، إن استقصاء بسيطاً لبعض هذه النبوءات، سيفسّر العديد من الألغاز والأحداث التي تعتمل الآن، وتبدو غير منطقية في السياسات الأميركية...

الربيع الأميركي: اختلال العقل الأخلاقي العام

إن من أسباب سقوط الإمبراطوريات العظمى، ما أسمّيه اختلال العقل الأخلاقي العام، وهي فرضية لا تخرج عن نطاق الحتميات التاريخية التي هيمنت على بعض فلاسفة التاريخ، وتستند إلى منطقين أخلاقيين: الأول هو الحتمية الهيجيلية التي...

تفاهة الشمولية: الأمن الحيوي وعولمة الخوف

إن صناعة الخوف من أكثر مظاهر الشمولية شيوعاً، لأنها تنفذ إلى أعماق الطبيعة الإنسانية المفعمة بغريزة حب البقاء والرغبة في تفادي الموت، لقد تفنّن الفكر الشمولي في سعيه لتبرير الاستبداد في إبداع قواعد ذهبية لصناعة...

تفاهة الشمولية: أفول عصر الحرية

إذا كان عصر الحرية المُستلهَم من روح الأنوار وفلسفات الحق الحداثية، التي اختزلها «ستيوارت ميل» في عبارة: «إن للفرد سلطاناً مطلقاً على نفسه وجسمه وفكره»، والتي ظلّت شعاراً لعصر الحرية المفرط في فردانيته؛ كما أن...

تفاهة الشمولية: من عصر الاستهلاك إلى عصر الرقابة

إن من أكثر أوجه الشمولية بشاعة هو التَحكُّم في رقاب العباد عن طريق ابتكار أساليب رقابة شاملة، كلما كانت مبتكرة وكاسحة كلما ازدادت سطوتها. إن الحقيقة غير المُعْلَنة لهذه الرقابة الشاملة ذات امتداد ميثولوجي ،...

تفاهة الشمولية: خبث العقل الكلي

لقد استعرنا عبارة «هيجل»: «خبث العقل الكلي» كمفهوم مرتبط بالوعي التاريخي؛ حيث يستعين الروح المطلق في سعيه إلى الاكتمال بشخصيات مؤثّرة في حركة التاريخ؛ حيث تتكامل المصالح الجزئية لهذه الشخصيات مع إرادة الروح الكلية. إن...

العولمة وضد العولمة.. وجهان لهيمنة واحدة

إن أطروحة الحتمية الكونية التي بشرّتنا بها العولمة كصيرورة حضارية، تبرير نظري لمشروع هيمنة السيد العقلاني على الإنسان الشرقي الغارق في الضلالات والتعصب؛ ولعلّ كتاب ليفي بريل «العقل البدائي» إنجيل كل التصورات المدافعة عن عولمة...

تداعيات جائحة «كورونا»: مناعة القطيع أم مناعة الضمير؟

كل الدول تسارع في البحث عن سياسات صحية مناسبة لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي غمرة البحث هذه يُطرَح سؤال حيوي: هل نحن بحاجة فقط إلى مناعة حيوية (بروتوكول علاجي) أم مناعة ضمير (بروتوكول أخلاقي/ وقائي)؟ الأمر...

تداعيات جائحة كورونا: سلام الشعوب بدلاً من سلام الدول

إذا كان تهديد الحروب النووية جعل من الدولة العالمية أمراً ضرورياً يفرضه المنطق، فإن الحروب البيولوجية -أو ما أسماه زيجموند باومان بـ "الخوف السائل" الناتج عن الانفتاح الفاسد للمجتمعات بفعل العولمة السلبية (أسواق بلا حدود)...