alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 109

فضل القيام في شهر الصيام

05 مارس 2026 , 11:29م

قيامُ الليل في شهرِ رمضانَ المبارك عبادةٌ جليلة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق والخشوع والأنس بالله تعالى، وإذا كان قيام الليل مشروعًا في سائر العام، فإن له في رمضان خصوصيةً أعظم، إذ يجتمع فيه شرف الزمان مع شرف العبادة، وتتنزّل فيه الرحمات، وتُضاعف الحسنات، وتُفتح أبواب الجنان. لقد أثنى الله تعالى على أهل قيام الليل في كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (سورة الذاريات: 17-18). فهؤلاء قومٌ قلَّ نومهم في الليل طمعًا في رضا الله تعالى، يحيون ساعات السحر بالاستغفار والدعاء، فاستحقوا ثناء الله ومدحه. وقال تعالى أيضًا في وصف عباده الصالحين: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (سورة السجدة، 16). أي ترتفع جنوبهم عن فرشهم، فيتركون لذة النوم، ويقفون بين يدي ربهم خاشعين، يجمعون بين الخوف من عقابه والطمع في رحمته. أما في رمضان، فإن قيام الليل يتجلى في صلاة التراويح والتهجد، وهو سنةٌ سنّها رسول الله ﷺ لأمته. قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (البخاري، رقم 37. ومسلم، رقم 759). فقوله «إيمانًا» أي تصديقًا بوعد الله، و»احتسابًا» أي طلبًا للأجر لا رياءً ولا سمعة، وجزاؤه مغفرة الذنوب، وهو أعظم ما يتطلع إليه المؤمن. ومن فضائل قيام الليل في رمضان أنه سببٌ لاغتنام ليلة القدر، تلك الليلة الفضيلة والمباركة التي تعدل ألف شهر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (سورة القدر، الآيات 1-3). وقد كان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهده في غيرها، كما في حديث عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» (البخاري، رقم 2024. ومسلم، رقم 1174). فإحياء الليل هنا يشمل الصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن. وقيام الليل دليلٌ على صدق المحبة لله، فإن المحبَّ يأنس بمناجاة محبوبه، ويجد في السجود راحةً لقلبه. وقد قال النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» (مسلم، رقم 1163). فإذا كان قيام الليل أفضل النوافل مطلقًا، فكيف إذا كان في رمضان، شهر القرآن، وشهر الصيام، وشهر العتق من النيران؟ ولقيام الليل أثرٌ عظيم في تزكية النفس، وتليين القلب، وتربية الروح على الصبر والمجاهدة، فحين يقف العبد في ظلمة الليل، وقد نام الناس وسكنت الأصوات، يشعر بقربه من الله، ويستحضر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (سورة الإسراء، الآية 79)، فكيف إذا اجتمع قيام هذا الليل مع صيام نهاره في شهر رمضان المبارك، شهر مضاعفة الأجر والثواب!؟ أي رحمات وبركات وأي تزكية يمكن أن ينالها العبد في هذا الشهر المبارك!؟ إن قيام الليل طريقٌ إلى رفعة الدرجات، وعلو المنزلة عند الله. وفي رمضان، هناك فرصة متكررة لقيام الليل في جماعة مع المسلمين، وذلك في صلاة التراويح التي تعدل قيام الليل، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الرَّجلَ إذا صلَّى معَ الإمامِ حتَّى ينصرفَ حسبَ لَه قيامُ ليلةٍ» (الترمذي، رقم 806. النسائي، رقم 1364)، حيث تجتمع القلوب في المساجد لأداء صلاة التراويح، فتتوحد الصفوف، وتعلو الأصوات بتلاوة القرآن، وتخشع القلوب بذكر الله، إنه مشهدٌ إيمانيٌّ عظيم، يطهر القلوب ويزكّي النفوس، وهو بابٌ عظيم لعتق رقاب العابدين الصائمين القائمين من النار. فيا من أدركت رمضان، لا تحرم نفسك لذة القيام، ولو بركعاتٍ يسيرات، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، واجعل لك نصيبًا من الليل، تناجي فيه ربك، وتبث إليه همومك، وتسأله من فضله، فلعلّ ركعةً في جوف الليل تكون سببًا في مغفرة ذنب، أو تفريج كرب، أو رفع درجة. نسأل الله أن يجعلنا من القائمين في رمضان إيمانًا واحتسابًا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يبلغنا ليلة القدر، ويجعل لنا فيها نصيبًا من رحمته ومغفرته ورضوانه.

فقه التوكل في سورة يوسف.. قراءة تفسيرية في وصية يعقوب عليه السلام لأبنائه

تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...

غزوة تبوك .. مدرسة في الإعداد النفسي والتربية القيادية

تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...

غزوة حنين .. درسٌ رباني في أسباب النصر وسننه

تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...

«ملّة إبراهيم».. طريق التوحيد الخالص وأساس دعوة الأنبياء

ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...

تأملات تفسيرية في سورة البقرة.. الرسالات السماوية ووحدة المصدر والعقيدة

يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...

سبيل الرشاد في دعوة مؤمن آل فرعون لقومه

عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...

معالم تربية الفرد والمجتمع المسلم في خطبة حجّة الوداع

وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...

التكبر عن الحق وأثره في حجب القلوب عن الهداية

يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...

الانطلاق الحضاري بعد الطوفان.. الأسس الإيمانية والمرتكزات الإنسانية

يمثل مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض. وقد تجلى هذا المشهد في قوله...

من سمات التجربة الشورية في عهد الصديق رضي الله عنه

كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...

فضائل الاستغفار في دعوة نوح عليه السلام لقومه

الاستغفار من أعظم أبواب الرحمة والبركة التي دلّ عليها القرآن الكريم، وقد جعله الله سببًا لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وتبرز دعوة نوح عليه السلام لقومه نموذجًا واضحًا لارتباط التوبة بنزول الغيث، وزيادة...

الظلم وأثره في خراب المجتمعات وهلاك الأمم

الظلم من أخطر الآفات الأخلاقية والاجتماعية التي تهدد حقوق الأفراد واستقرار المجتمعات واستمرارية الأمم والحضارات، لما يترتب عليه من ضياع الحقوق وانتشار العدوان وتفكك العلاقات الإنسانية. وقد حذر الإسلام بشدة من الظلم بكافة صوره، وبيّن...