alsharq

د. علي محمد الصلابي - الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

عدد المقالات 125

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 10 سبتمبر 2026
حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

الظلم وأثره في خراب المجتمعات وهلاك الأمم

04 مارس 2026 , 11:16م

الظلم من أخطر الآفات الأخلاقية والاجتماعية التي تهدد حقوق الأفراد واستقرار المجتمعات واستمرارية الأمم والحضارات، لما يترتب عليه من ضياع الحقوق وانتشار العدوان وتفكك العلاقات الإنسانية. وقد حذر الإسلام بشدة من الظلم بكافة صوره، وبيّن آثاره وعواقبه، فجاء القرآن الكريم والسنة النبوية زاخرين بالنصوص التي تندد به وتبين عواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة. فالظلم ليس مجرد تجاوز لحقوق الآخرين، بل هو انحراف عن ميزان العدل الذي قامت عليه الشريعة الإلهية.
والظلم في اللغة: هو مجاوزة الحد، ووضع الشيء في غير موضعه، والظليمة: ما أخذ ظلماً بغير وجه حق. والظلم في المنظور الإسلامي هو نقيض العدل، فهو وضع الشيء في غير موضعه المناسب شرعاً، وهو عدوان على الآخر بسبب أو من دونه؛ ولذلك كان الظلم صفة ذميمة ترفضها كل بصيرة واعية، بحيث لا يختلف عاقلان على قبح وقوعه عليهما، وقد يختلفان إذا وقع على غيرهما بحسب حظهما من الإنصاف وحب العدل (الهرامة، 2007).
ولا تكاد تجد صفة كرّر الله ذمها في القرآن الكريم، وأوعد المتصفين بها بأقسى العقوبات وأشدها إيلاماً أكثر من صفة الظلم والعدوان، ولعل الأصل في العدوان كونه من الغرائز الحيوانية التي يحمي بها الحيوان نفسه من الآخر ليرهبه ويخافه، ويحقق بها بعض حاجاته الأولية كيفما اتفق، ولكنها تعقدت عند الإنسان لكثرة حاجاته الأولية والثانوية، وظنه أن هذه الطبيعة العدوانية تحقق له الكثير من تلك الحاجات، ولما كان الإنسان أكثر المخلوقات حيلة بما اكتسب من صفات العقل والنطق والخيال وحرية الإرادة وغيرها من النعم التي ائتمنه الله عليها، فقد كانت صفة الظلم والعدوان فيه أقوى وأنكى من غيره، ولعل هذا ما يفسر صيغة المبالغة في قوله تعالى: {إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}[إبراهيم: 34].
واقتضت الحكمة الإلهية أن يعقل الإنسان بالدين جماح نفسه، وأن يتحمل أمانة العدل والإنصاف بالتمييز والرشد والإرادة والعزيمة، قال تعالى:{إنا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} [الأحزاب 72].
فهذه الصفات هي مصدر تكليفه ومناط حسابه وعقابه بعد بعث الرسل، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}[ الإسراء: 15]. وعليه فقد حظيت صفة الظلم باهتمام خاص في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعرفنا من خلالهما مظاهرها وأنواعها وعقابها، وظهرت بشاعتها التي صورها القرآن الكريم والسنة المطهرة حتى كادت أن تكون مقاومتها مفتاح الرسالة الإسلامية، واستحقت بها هذه العقيدة الخاتمة أن تتصف بكونها «عقيدة ضد الظلم»، بل إن الصراع ضد الظلم هو علة بعث الرسالة؛ ولذلك كانت إزالة الظلم أساس التربية الدينية القويمة. وهو عنوان أخلاق الأنبياء التي بُعث النبي صلى الله عليه وسلم متمماً لها حتى قال: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وكان التذكير بمصير الظالمين عنواناً بارزاً في أدبيات الثقافة العربية الإسلامية التي تعد مقاومة الظلم من الفرائض وليس من مجرد الفضائل. قال الإمام الشافعي: بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد (الهرامة، 2007: 28).
وخصص عبد الرحمن بن خلدون فقرة في مقدمته الشهيرة بعنوان: «في أن الظلم مؤذن بخراب العمران» والظلم أنواع متعددة ومتفاوتة الضرر والعقوبة، فمنها ظلم الإنسان لربه، وظلمه لأخيه الإنسان، وظلمه للحيوان، وظلمه للطبيعة، وظلمه لنفسه، ومن الظلم ما هو بدني كالقتل، وما هو مالي كالسرقة والغصب والاحتيال والربا والاستغلال والإسراف والبخل والتقتير والاحتكار وبخس الناس أشياءهم والغش والخديعة والتطفيف والوزن بمكيالين.
ومن الظلم ما هو معنوي كالغيبة والنميمة والإهانة والكذب، وأشده البهتان والافتراء على الله والنفاق، ومنه اللمز والهمز والحسد والإرهاب والترويع والطغيان والشتم والغواية وانتهاك العرض والخيانة.
وللتعبير عن أشدّ أنواع الظلم تكررّت في القرآن الكريم صيغة (أفعل) التفضيلية في سياق استفهامي في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ}.
وهذه الأنواع الشديدة ستة، خمسة منها وُضِعت في سياق (أفعل التفضيل) المذكور، وهي: الافتراء على الله وتكذيب رسله، ثم كتمان الشهادة ومنع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه، والسعي في خرابها، والإعراض عن آيات الله بعد التذكير بها، على أن الظلم الأشد يبقى هو الشرك بالله سبحانه (الهرامة، 2007: 28).
وللظلم أخطارٌ عظيمة، فبه يحدث ضياع الحقوق، وقتل النفوس أو إيذاؤها، وإهانة الإنسان وقهره، وانتهاك الحُرمات، أو ما يعرف في العصر الحديث بانتهاك حقوق الإنسان، ويدخل في انتهاكها استضعاف الناس وحرمانهم واضطهادهم بحجة قوية أو ضعيفة أو دون حجة أصلاً.
والظلم منبوذ في النفوس فطرةً، ولكن النفوس المريضة تجد فيه لذة الانتصار والتشفي، فالسلوك العدواني ينشأ مكتسباً في الإنسان وليس جبلة في خلقه، فقد يعود إلى أساليب تربوية خاطئة، أو حوادث معينة في حياته أدت إلى تشوه نفسي في شخصيته، على خلاف ما ذهب إليه المتنبي حين قال:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
 وإذا كان ما ذهب إليه الشاعر شائعاً في بعض الأوساط التي عاش فيها صحبة الحكام، حيث التنافس بين الحاشية على أشده؛ فإن ذلك ليس طابع الحياة العام، ولعله قد لمس الحقيقة حين استثنى العلة التي تحول دون قبول الظلم، وهو الإيمان بالله والاستجابة لرسالته المنافية للعدوان والتشفي، أما النفوس السليمة فتستعيذ بالله من الظلم لقبحه ومعارضته لشيمها وأخلاقها.
وقد يحدث نتيجة الظلم ظلمٌ مضاد أقوى في ردة فعله من الظلم الأول، وربما أدى إلى دمار الظالم ومن يتصل به مصداقاً لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [ سورة الأنفال: 25]، وقد تحدث مضاعفات للمظلوم غير متوقعة حين يصاب بمرض نفسي أو جسدي خطير، فقد ثبت أن عدداً من الأمراض النفسية والعقلية عائد إلى ضغوط ناتجة عن ظلم شديد من طرف أقوى.
ومن الآثار القاسية نتيجة الظلم ما يسببه من الحروب والثارات الجماعية والفردية والعدوان بمختلف أشكاله المادية والمعنوية، وما ينتج عن كل ذلك من إراقة للدماء وهتك للأعراض، وإكراه للنفوس وسلب للأموال، واغتصاب للأرض والعرض، وفي أدنى ذلك ما يثير غضب الله، وغضب الضمائر الحية في الناس، قال تعالى: {وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [سورة المائدة: 107]. وإن أسوأ ما يقع من ذلك على النفس البشرية من فقدان الأمن والشعور بالخوف والقلق، وهو ما يسبب مشاعر الإحباط وضعف الأمل والإذلال والإقصاء، وما يترتب عليه من قلة الغطاء المادي والمعنوي، وضالة الإبداع الذي يتطلب الاستقرار النفسي والأمن التام من جميع أنواع الخوف؛ ولذا فقد امتن الله على قريش بالأمن باعتباره أحد أهم الحاجات الضرورية للإنسان، فقال سبحانه: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوفٍ} [قريش: 3 ـ 4] (الهرامة، 2007: 36).
ويتضح من قراءة بعض آيات القرآن الكريم أن خطر الظلم ليس مقتصراً على المظلومين، بل هو على الظالمين أكثر قسوة وأعظم خطراً؛ لأنه يقودهم إلى جهنم حتى لكأنها لم تخلق لغيرهم نظراً لسعة الظلم وشدة خطره.

تأملات في إعجاز القرآن

قبل سنوات قليلة لم يكن الناس يعرفون شيئاً عما يجري في الآماد البعيدة من السماء، فقد كانت أدوات الرصد عندهم محدودة المدى، تدرك وجود الكواكب، وتدرك وجود المجرات في السماء، وتقدر أنها تبلغ الملايين عداً،...

من التحرر إلى الرسالة الخاتمة.. اكتمال المشروع الحضاري في دعوة الأنبياء

تمضي دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) في القرآن الكريم مسيرة واحدة، تتجدد فيها حقيقة التوحيد، وتتسع معها ميادين الإصلاح؛ فمن بناء الإنسان والأسرة تنتقل إلى تحرير الشعوب، وإقامة العدل، وضبط السلطة، وإدارة القوة، حتى تكتمل...

من تحرير العقل إلى بناء الأمة.. دعوة إبراهيم عليه السلام وذريته

إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية...

من أمانة الاستخلاف في الأرض إلى سنن السقوط.. الحضارة الإنسانية في دعوة الأنبياء والمرسلين

الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «4-4».. شهادة شخصية عن علاقة الشيخ حمد بالعلم والعلماء وأهل الفكر

لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «3-4».. السياسة الخارجية القَطرية بين الوساطة.. ودعم قضايا الشعوب

مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «2-4».. اهتمام فقيد الوطن الكبير بتاريخ الأمة العربية والإسلامية وسير القادة والمصلحين

لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «1-4».. دراسة سيرة القادة.. قراءة في تجارب الأوطان

حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...

دعوة إبراهيم عليه السلام إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...

الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلح

يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (6-6).. الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله).. صفاته ومرضه ورحيله

تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (5-6).. الشيخ مصطفى السباعي وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...