في كل عام يوم للخبز والورود
05 مارس 2012 , 12:00ص
وقفت بمفردها بعد منتصف الليل على الرصيف الطويل الخالي من البشر تنتظره. وكان القادم قد تأخر عن موعده. وبعد ساعتين وصل محملا بالكثير. كان القادم هو القطار. قطار سافر من مدن القناة إلى القاهرة محملا بآلاف البشر. وقفت تستقبل النازحين الهاربين من مدن القناة. ومن نيران الحرب والرعب الذي انفجر. كان الصيف قد هلَّ وتراجعت نسمات الهواء مع مطلع شهر يونيو عام 1967. أيام قليلة مرت وإذا بطائرات غريبة يسطع بجانبها نجمة داوود تقطع السماء المصرية لتعلن الإذاعة عن هجوم إسرائيلي على قواعد سلاح الجو المصري في سيناء. توجهت «صنع الله» بوفدها الكبير الخارج من محطة القطار إلى موقف أتوبيسات مدينة الزقازيق. وهناك عقدت اتفاقها مع كبير السائقين. فتح الرجل أبواب كل حافلاته. تحرك الجمع متجها نحو قرية والد «صنع الله». وهناك يخرج عمدة القرية وأهلها يلقون الضيوف بأحضان وأبواب مفتوحة. لتعود «صنع الله» سريعا وتعيد الكرة متجهة إلى قرية أخرى تحكي لعمدتها القصة وتُفتح الأبواب. حين جاء الصباح كانت كل الأسر قد سكنت وأغلق الصغار أعينهم آمنين في أحضان ذويهم. نبَهها السائق النبيل أنها بلغت مكان منزلها. خرجت من الحافلة غير مدركة أنها أنقذت الآلاف من الموت وأنها بمفردها استقبلت قطارا مليئا بالبشر وأمنت لهم الطعام والغطاء والمنزل الآمن.
وفي العام الماضي وعندما اشتعلت سوريا خرجت «زينب الحصني» لجلب طعام لأسرتها. وقبل أن تصل إلى وجهتها كانت أن أُختطفت من أحد شوارع حمص التي انتقل إليها الجحيم واستقر. وبينما كان خاطفوها يقتادونها إلى الغرفة المظلمة لتعترف بمكان أخيها. كانت «رانيا فؤاد» الطبيبة المصرية تخرج من غرفة مظلمة أخرى بقلب القاهرة لتجلب العلاج لمصابين على شفا الموت. فيصادفها وابل من القنابل الغازية تنهال على رئتيها بلا رحمة. «صنع الله» و «رانيا» و «زينب» أفراد فقط من آلاف من النساء غمرن أوطانهن بالعطاء وقدمن أعمارهن وأرواحهن بسلاسة من يهدي زهرة. هن نساء عربيات انشغلن بصناعة التغيير وقبلهن قدمت أمهاتنا الكثير لنخرج من ظلمة الجهل والتهميش لنشارك في بناء أوطاننا.
لكن قصة النساء مع التغيير تتسع لتشمل كل نساء العالم. فأمهات روسيات خرجن في صباح يوم بارد في مسيرة نسائية هادرة وكن آنذاك عاملات وزوجات جنود وأرامل، للمطالبة بـ «الخبز لأولادنا» و «العودة لأزواجنا وبإنهاء الحرب» كان التاريخ هو عام 1917 والحرب العالمية الأولى في أوجها، وكان الرجال يموتون بردا وجوعا على الحدود، في حرب لم تخدم مصالحهم بل مصالح القيصر وأصحاب رؤوس الأموال. وفي الجبهة الداخلية كانت أسعار المواد الغذائية ترتفع كل يوم، مما اضطر مئات الآلاف من النساء للخروج إلى العمل بأجور تافهة استغلالا لكونهن نساء. مع الوقت تراكم الإحساس بالغضب فعمت الشوارع مظاهرات نسائية غاضبة عجزت الشرطة عن ردها. وظلت المظاهرات النسائية مستمرة لأربعة أيام انتهت بسقوط القيصر «نيقولاي الثاني» وانهيار نظامه الاستبدادي. وحين جاءت الحكومة المؤقتة، منحت النساء حق الاقتراع وقد كن محرومات منه في هذا الحين. فتحت تلك الثورة النسائية الباب واسعا لثورة العمال الأولى في التاريخ. ثورة أكتوبر 1917 التي شكلت الاتحاد السوفيتي. غيرت نساء روسيا مجرى التاريخ. وفي كل عام يحتفلن بذكرى انتصارهن على الحرب وعلى القيصر وعلى تهميش النساء سياسيا.
وقبل ثورة نساء روسيا ثارت الأميركيات على الفقر وعلى شروط العمل المجحفة. فخرج في الثامن من مارس عام 1908 ما يقارب الـ15 ألف عاملة بمسيرة في نيويورك تطالب بخفض ساعات العمل ورفع الأجور، ووقف تشغيل الأطفال وتمكين النساء من حق الاقتراع. وكان شعار المظاهرات «خبز وورود». وفي عام 1909 أعلنت ما يقرب من ثلاثين ألف عاملة نسيج الإضراب العام مطالبات بتحسين ظروف عملهن، واعتبر هذا أكبر إضراب نسائي في تلك الفترة. وفي عام 1911 اندلع حريق في مصنع نسيج في نيويورك راح ضحيته أكثر من 140 عاملا وعاملة، وكان السبب عدم وجود وسائل وقاية للعمال. أدت الحادثة إلى تغيير قوانين العمل واقترح إحياء ذكرى هذا اليوم كل عام بعد إقراره موعدا لليوم العالمي للنساء.
ومع اندلاع ثورة 1919 في مصر خرجت النساء المصريات في شهر مارس أيضاً في السادس عشر منه ممسكات بأعلام خضراء في أول مظاهرة نسائية للإعراب عن تأييدهن للثورة واحتجاجهن على نفي زعماء الأمة وعلى رأسهم سعد زغلول. وتصدى الجنود الإنجليز للمتظاهرات موجهين بنادقهم وحرابهم إلى السيدات وحاصروهن.
واستمر الحصار ساعتين ثم تقدمت واحدة منهن واقتربت من الجنود وقالت بالإنجليزية (نحن لا نهاب الموت.. أطلق بندقيتك في صدري لتجعلوا مني »مس كافن» الثانية، في إشارة إلى مس كافن الممرضة الإنجليزية التي أسرها الألمان وأعدموها في الحرب العظمى وأثار إعدامها ردود فعل عالمية كبيرة. وفي نهاية اليوم كان قد سقطت مجموعة من الشهيدات المصريات هن: نعيمة عبدالحميد، حميدة خليل، فاطمة محمود، نعمات محمد، حميدة سليمان، يمنى صبيح.
إنها قصة النساء في كل الأزمان والأوطان. في روسيا وأميركا وفي أوروبا وإفريقيا وفي الدول العربية نساء يندفعن في حب الوطن، يتجاهلن الأوهام التي تصب في رؤوس الفتيات لتقنعهن بأنهن ضعيفات، مكسورات، عاجزات عن الفعل من دون سند.
مثل هؤلاء كثيرات من النساء يقدمن في كل مجال، في المنزل وخارجه، يدفعن التاريخ للأمام رغم ما ينتقصهن من حقوق ما زلن يجتهدن لنيلها. نساء حاولت الأمم المتحدة أن تكرمهن فرصدت لهن يوما كل عام يطل في يوم الثامن من مارس. يذكرنا بعطاء النساء على كل المستويات العامة والخاصة. ويطالبنا بالعمل على تمهيد التربة للأجيال القادمة من النساء والرجال ليشبوا بقامة واحدة متساوية من دون تمييز بينهم لأي سبب كان. فالأصل قبل كل شيء أن كليهما إنسان، ولأن بعد غد هو يوم المرأة العالمي. فيمكن أن تستمتع بابتسامة ولفتة امتنان إذا ما قدمت فقط كلمة اعتراف أو وردة أو لفتة حانية للإنسان الذي بجوارك الذي هو امرأة.