


عدد المقالات 198
كان الشاب «محمد..» في العقد الثالث من عمره، يعمل مدرسا بكلية التجارة جامعة الإسكندرية، عاد حديثا من الولايات المتحدة الأميركية وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعاتها، ومن خلال علاقاته بأسرة عصمت السادات شقيق الرئيس المصري الراحل أنور السادات، انخرط في صفوف الحزب الوطني وانتخب نائبا في البرلمان، وتولى منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب، وكان السادات لا يرتاح إلى تفكيره، ويعتقد أنه «مش فاهم حاجة في أي حاجة»، لكنه يحتفظ به كما جاء في مذكرات الدكتور أنور جامع الطبيب الخاص للسادات، باعتباره «سد خانة» حسبما قال، وأنه لا يزال صغيرا في السن وسوف يتعلم السياسة مع الأيام. ذات مرة، وبعد مرور عامين على وجوده في منصبه، ذهب «محمد..» مع وفد من البرلمانيين المصريين إلى استراحة القناطر ليلتقوا بالرئيس السادات، وبعد انصراف الوفد، طلب الرئيس من «محمد..» أن يبقى ولا ينصرف، وسأله عن رأيه في موقف الرئيس العراقي صدام حسين بقطع العلاقات مع مصر وتزعم ما يعرف في ذلك الوقت بجبهة الصمود والتصدي احتجاجا على زيارة السادات للقدس وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني وبدء مرحلة المفاوضات التي انتهت بتوقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية في العام 1979، وانبري «محمد..» ذو الوجه الأحمر والشعر الكستنائي والصدر العريض ليستعرض مخاوفه من تلك الخطوة، وأوصى باتخاذ إجراءات تصعيدية من جانب مصر لمواجهة القيادة العراقية ومعها بقية دول تلك الجبهة. أثناء حديث «محمد..» المطول، كان السادات ينظر إليه بوجه جامد الملامح، يسحب نفسا تلو الآخر من غليونه الشهير وينفخه في مواجهته. استرسال «محمد..» في الحديث كان نتيجة لفشله في معرفة التوجه الذي يعتزم السادات أن يتخذه، بل إن السادات كان بين الفينة والأخرى يومئ برأسه موافقا ليعطي له الانطباع بأن يستمر في الكلام حتى فرغ من حديثه الطويل، وهنا بادره السادات بالقول: أنت قلت لي إنك خدت الدكتوراه من أميركا، فأشار «محمد..» برأسه موافقا وقبل أن يهم بأن يقول له اسم الجامعة التي حصل منها على الدكتوراه، قال له السادات:» شوف يا محمد يا ابني.. أنت لسه صغير ولسه ما تعرفش كتير عن دهاليز السياسة، أنا لن أرد على تلك المهاترات، والتحليل اللي قلته سطحي للغاية، لو بصيت بعمق للموضوع هتعرف إن صدام هيلف يلف ويرجع لمصر تاني!». كانت رؤية السادات صحيحة بنسبة مئة بالمئة في أن الرد على المهاترات يعقد الأمور في السياسة، رغم أن الصحافة المصرية في ذلك الوقت كانت تعج بـ «المهاترات» ضد القذافي لا صدام حسين!! ويذكر جيلنا جيدا أن رسام الكاريكاتير الشهير مصطفى حسين في أخبار اليوم كان يرسم القذافي بشكل شبه يومي جالسا على حمام بلدي خالعا سرواله ويطلق تصريحات صحافية ضد مصر-السادات. المهم أن الفكرة التي أود أن أصل إليها هي أن هناك دولا عربية خليجية وقفت ضد ثورات الربيع العربي بل وضخت المليارات لمساعدة الثورات المضادة لهذا الربيع خصوصا في مصر، وساعدت على قتل طموحات الشعوب العربية الثائرة في الحرية والكرامة والرفاهية اللائقة بها، والتحليل السطحي -مثل تحليلات «محمد..» للسادات- يمكن أن تقول إن هذه الخطوات سوف تعطل ثورات الشعوب العربية، لكن التحليل الأعمق يفيد بأن تلك الدول أطلقت رصاصة على قدمها أو طعنت نفسها بسكين، سواء بوعي أو بدون وعي!! والثابت لدينا أن تلك الدول سوف تعود بعد أن تلف دورة كاملة حول نفسها وبعد أن ترى تربص الأعداء بها وتشجيع الحليف الأميركي والصديق المخلص للمد الفارسي الإيراني، أقول إن تلك الدول لن تجد سوى الشعوب الحرة الثائرة لتكون رصيدها الاستراتيجي وعمقها العربي والإسلامي بعد أن يغدر بها الأصدقاء قبل الأعداء. الشعوب التي تم وأد ثوراتها بأموال بعض الأشقاء، ورغم ما حدث لها فإنها في نهاية المطاف سوف تدافع عن المقدسات وسوف تبذل النفيس قبل الرخيص للدفاع عن هويتها ودينها وبلدان الأمة جميعا عندما تتعرض للعدوان، وسوف تكتشف تلك النظم أنها أخطأت خطأ جسيما في حق نفسها وشعوبها قبل أن تخطئ في حق الأشقاء من شعوب الربيع العربي وتساهم بأموالها في قتلهم على يد لصوص سفاحين قتلة يديرون دولا كما يديرون عصابة أو منظمة من المجرمين. شعوب المنطقة سوف تنتصر في نهاية المطاف، والبعض سوف يلف ويدور حول نفسه، ويهدر وقتا ثمينا قبل أن تذهب السكرة وتأتي الفكرة بوصول الأعداء إلى أبواب بلدان ظنت أنها ستكون بمنأى عن أية تقلبات سياسية إذا وأدت الربيع العربي وقمعت تطلعات شعوب شقيقة في العيش الكريم والحرية والكرامة الإنسانية. رحم الله الرئيس الراحل أنور السادات، لأنه رغم كل الأخطاء التي ارتكبها إلا أنه في نهاية الأمر كان «رجل دولة» وسياسيا من الطراز الأول دخل معترك العمل السياسي منذ صغره واكتسب خبرة كبيرة، على عكس ذلك الغر المدعو عبدالفتاح السيسي الذي يقود دولة كبيرة بحجم مصر بسياسات أقل ما توصف به أنها سياسات لا يمكن أن ينتهجها سوى زعماء العصابات ورجال المافيا في أكثر بقاع العالم إجراما. ومن أسف أن المجتمع الدولي يتغاضى عن تلك السياسات ويشجع استمرار النظام العسكري الفاشي الدموي بدعوى محاربته للإرهاب في المنطقة، وهو يعلم تماما أن سياساته سوف تفضي في نهاية الأمر إلى انفجار دموي كبير في دولة كبيرة بحجم مصر، وربما كانت مساعدة الغرب من البداية للانقلاب على الحكم المدني وتأسيس فاشية عسكرية في مصر تقترب باطراد نحو نموذج يشبه كوريا الشمالية.. فهل من عقلاء في المنطقة يتدخلون لوقف هذه المهزلة التي ستعصف بالمنطقة إذا وصلت الأمور إلى ما لا يحمد عقباه؟!! • Sharkawi.ahmed@gmail.com
اليوم نستكمل معكم بقية الحكاية التي بدأناها في خاتمة المقال السابق عن أطماع اليهود في سيناء منذ قرون طويلة، فهي بالنسبة لهم في قلب العقيدة الصهيونية، لدرجة أن تيودور هرتزل -مؤسِّس الصهيونية العالمية- أطلق عليها...
يبدو من المرجح حالياً أن أزمة سد النهضة لن تجد حلاً، وأن السد سيتم تشغيله، وأن ملء بحيرة السد سيحجب كمية كبيرة من حصة مصر في مياه النيل، لكن ماذا عن شبه جزيرة سيناء؟! يلاحظ...
السؤال الذي يتردد بكثافة في أوساط الأميركيين، وربما في أنحاء العالم في الوقت الحالي هو: هل يفوز الرئيس الجمهوري دونالد ترمب بقترة رئاسية ثانية تمتد حتى 2024؟ أم يتمكن غريمه الديمقراطي جو بايدن من هزيمته...
رغم مرور 4 أعوام ونصف العام على وفاة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الغامضة بالقاهرة، لا تزال ملابسات وظروف الوفاة غير معروفة، ويبدو أن صبر الحكومة الإيطالية نفد، وبدأت تطالب القاهرة بردود حاسمة وتوضيحات مقبولة، فقد...
من منّا لا يعرف قصة سندريلا والأقزام السبعة، كلّنا تربّينا عليها، وتعاطفنا مع السندريلا التي كان عليها أن تتقبّل قهر وظلم زوجة أبيها وبناتها المتعجرفات، حتى تأخذنا القصة للنهاية الجميلة حين تلتقي السندريلا بالأمير، فيقع...
أحد أصدقائي أوشك على الانتهاء من كتابة رواية طويلة عن أحوال المعارضة المصرية في الخارج منذ 2013م، وقد اقترحت عليه اسماً للبطل الرئيسي لروايته، وهو معارض ليبرالي يسحق الجميع من أجل مصالحه الشخصية الضيّقة. اقترحت...
عندما تغيب المنافسة العادلة أو تكون محدودة، هل يمكن أن تعرف الصحافي الجيد أو الكاتب الأكثر براعة أو الأجزل في العبارة، أو الأغزر إنتاجاً، أو الأعمق فكراً، أو الأفضل أسلوباً؟! كيف ستعرفه إذا لم تتوافر...
في جامعة القاهرة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كنت مندفعاً في دراسة العلوم السياسية، وكنت قرأت كتاب «البرنس» لميكافيللي قبل دخول الجامعة، ولم يعجبني! دخلت في مناقشات جادة وأحياناً حادة مع أساتذة درسوا في الجامعات...
بعد المعركة الصحافية الشهيرة التي خاضتها صحيفة «بوسطن جلوب» خلال عامي 2001 و2002، والتي انتهت باستقالة الكاردينال لاو رأس الكنيسة الكاثوليكية في عموم أميركا، ترسخ اعتقاد لدى مواطني مدينة بوسطن من الكاثوليك، أن الصحيفة الأكبر...
ليالي زمن «كورونا» تمرّ بطيئة وطويلة، لكنها ليست كذلك لمن يقرأون طوال الوقت حتى يستطيعوا الكتابة الأديب المصري الفذّ مصطفى لطفي المنفلوطي، كتب في بداية القرن العشرين أن الكاتب يشبه «عربة الرشّ» وهي عربة كانت...
لا أخفي عليكم، أن الكتابة وفق مواعيد محددة مسألة مرهقة، في بعض الأحيان لا توجد فكرة واضحة للمقال، أو يصاب الكاتب بالحيرة في الاختيار بين أكثر من فكرة، وفي أحيان أخرى يقترب موعد تسليم المقال،...
الصحف الأميركية هي قلاع حقيقية تصون الحريات العامة فى البلاد، هذه حقيقة يفتخر بها الأميركيون على بقية أمم الأرض. في عالمنا العربي تختفي تلك القلاع، فيحدث أن تتجرأ النظم المستبدة على تلك الحريات، وتعصف بها...