الثلاثاء 16 ربيع الثاني / 01 ديسمبر 2020
 / 
01:40 ص بتوقيت الدوحة

هل بدأ انحسار النفوذ الأميركي؟!!

د. سعيد حارب
عندما سقط الاتحاد السوفيتي السابق في بداية التسعينيات من القرن الماضي، بشر البعض بسقوط أميركا «القريب»، لكن عقدين من الزمن قد مرا ولم تسقط أميركا، فلم يكن ذلك «التبشير» إلا نوعاً من التحليل الرغائبي القائم على الرغبة أكثر مما هو قائم على أسس تحليلية علمية، فأميركا ما زالت دولة قوية، والفارق بينها وبين السقوط السريع للاتحاد السوفيتي أن أميركا دولة مؤسسات وليست قائمة على الحزب الواحد القائد، كما أن لديها مرونة كبيرة في اتخاذ قراراتها وتعديل مساراتها وتجديد دمائها السياسية بين فترة وأخرى، من خلال نظام أثبت حتى الآن نجاحه في إدارة هذه الدولة الكبرى، لكن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى أن النفوذ الأميركي قد تراجع أو يمكن وصفه ببداية الانحسار، خاصة مع إدارة الرئيس أوباما التي وجدت نفسها أمام جبل ضخم من المشكلات الداخلية والخارجية خلفته إدارة بوش السابقة، ولا أدل على ذلك من أزمة الديون الأخيرة التي مرت بها الولايات المتحدة الأميركية، حيث بلغت ديونها 14 ترليون دولار!! ولم يقتصر الأمر على الديون بل امتد إلى الصراع السياسي الذي صاحب تلك الأزمة، وهو ما انعكس على الموقف الأميركي الخارجي، إذ لا يمكن للمحلل أن يخطئ تراجع النفوذ الأميركي في كثير من المواقع والمواقف، ففي الحرب الأخيرة التي دارت بين الثوار ونظام القذافي في ليبيا كان لحلف الناتو دور مهم في هذه الحرب على المستوى العسكري والسياسي، لكن الملاحظ -على غير العادة- أن أميركا كانت في المقاعد الخلفية لهذا الدور حيث تصدرت فرنسا المشهد تتلوها بريطانيا، ولذا كان رئيس الوزراء البريطاني «ديفيد كاميرون» حريصا على أن تظهر صورته إلى جانب الرئيس الفرنسي أكثر من حرص رئيس الوزراء السابق «توني بلير» على ذلك مع «جورج بوش» كما كان يحدث في السابق، مما يؤشر إلى أن الموقف في القارة العجوز «أوروبا» قد تبدل، وأن الدور الأميركي هو أحد الأدوار وليس الدور «القائد»، وقد بدا ذلك واضحا في المشاركة «المتواضعة» للقوات الأميركية في تلك الحرب، كما بدا في موقفها المتردد من الاعتراف بالمجلس الانتقالي الليبي، وذلك لا يعبر فقط عن موقف أميركي بإسناد الدور لحلفائها في الحلف الأطلسي بمقدار ما يعبر عن حالة جديدة، وإذا كانت الحالة الليبية تمثل نموذجا لتراجع الموقف الأميركي، فإن حالة أفغانستان تمثل صورة أخرى، فبعد أكثر من عشر سنوات من الحرب هناك، ما زالت أميركا عاجزة عن القضاء على حركة طالبان ذات الإمكانيات العسكرية والسياسية المحدودة مما يعيد المشهد عشرين عاما إلى الوراء حين عجز الاتحاد السوفيتي السابق عن القضاء على حركة المجاهدين الأفغان وآثر الانسحاب من أفغانستان مؤثرا «السلامة»، تاركا الأفغان يديرون صراعهم بأنفسهم، فهل يتكرر المشهد مرة أخرى مع أميركا التي بدأت تفاوض طالبان من خلف حكومة كرزاي الذي شعر بالطعن من الخلف وأبدى غضبه وانزعاجه ذلك، ولا يختلف الموقف مع القاعدة حليفة طالبان، فالسنوات العشر من المواجهة معها قلمت أضفارها، لكنها لم تقتلع شجرتها، بل أصبحت تغير أساليبها ومواقعها رغم الضربات التي أصابتها بما فيها قتل زعيمها، فهل ستلجأ أميركا إلى ما لجأت إليه مع طالبان، وهي التي وعدت بالقضاء على ما سمته الإرهاب ودعته العالم للتعاون معها في ذلك، وإذا اتجهنا غربا فإن حالة العراق ما زالت هي الأخرى تشير إلى تراجع أميركا، فالديمقراطية التي « بشرت بها في العراق وأعلنت أنها ستجعل منها نموذجا يحتذى به لـ «دمقرطة» الشرق الأوسط الكبير، وإذ بها تقدم أسوأ نموذج يمكن أن يتم تطبيقه للديمقراطية القائمة على العصبيات والمحاصصة الطائفية والعرقية والدينية في مناقضة صريحة للأسس الديمقراطية التي تقوم على المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، وها هي تتهيأ للخروج من العراق تاركة العراق «للعراقيين» الذين لا يكن كثير منهم ودا لأميركا وسياستها في بلادهم، وهي التي ساعدتهم على التخلص من نظام صدام حسين، لكنهم يلقون باللائمة عليها في الحالة الراهنة لبلادهم، هذا إلى جانب الدور الإيراني الذي استغل الوجود الأميركي للولوج إلى أروقة الحياة العراقية وجعل من كثير من ساسة العراق «سيوفهم مع أميركا وقلوبهم مع إيران»!! وقريبا من العراق فإن النفوذ الأميركي في لبنان تراجع مع وجود الحكومة الجديدة التي لا يميل كثير من أعضائها لأميركا وساستها في المنطقة، فالسياسة الأميركية المساندة لإسرائيل جعلت منها سياسة غير مرحب بها حتى من بعض حلفائها في المنطقة خاصة لبنان، إذ لا يستطيع أن يعلن أحد قبوله بهذه السياسة حتى ولو كان يضمر ذلك سرا، ورغم أن الصراع الداخلي اللبناني يمكن أن يقلب الصفحة في أي لحظة فإن السياسة الأميركية في بلد مهم لها كلبنان بحكم جواره لإسرائيل ولتركيبته المضطربة لم تعد كما كانت عليه مع الحكومة السابقة، أما عن الثورات العربية فهي بلا شك لا تعادي أميركا، لكنها بالمقابل ليست مستعدة للسير مع سياستها كما كان عليه الأمر قبل هذه الثورات التي تحمل أميركا جريرة هيمنة أنظمة دكتاتورية بوليسية، كما تحملها «ذنب» مساندة أنظمة غير ديمقراطية، ولذا فهي ليست مستعدة لتصديق فكرة «تصدير» الديمقراطية التي تنادي بها أميركا، ولذا سلكت هذه الثورات طريقها الخاص الذي قد يلتقي مع السياسة الأميركية وقد يختلف عنها، يبقى بعد ذلك الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية وهي «بيضة القبان» في العلاقة بين هذه الثورات وأميركا وهي لا تميل في كل الأحوال لصالح أميركا!!

اقرأ ايضا