


عدد المقالات 18
إن صناعة الخوف من أكثر مظاهر الشمولية شيوعاً، لأنها تنفذ إلى أعماق الطبيعة الإنسانية المفعمة بغريزة حب البقاء والرغبة في تفادي الموت، لقد تفنّن الفكر الشمولي في سعيه لتبرير الاستبداد في إبداع قواعد ذهبية لصناعة الخوف: قاعدة هوبز: «الأمن مقابل الحرية»، وقاعدة ميكافيللي: «الغاية تبرر الوسيلة»، وقاعدة كارل شميت: «السياسة قدرة على تحديد الصديق من العدو»، فهل نحن مقبلون على قاعدة أخرى من قواعد الشمولية الجديدة: «الحياة مقابل الحرية»؟ وهل نشهد اقتحام مفهوم جديد لقائمة الأمن والسلم العالمي «الأمن الحيوي»، على غرار الأمن الغذائي، الأمن القومي...؟ إذا كان الخوف من الموت مُسوّغاً كافياً لشرعنة الشمولية وتبرير السلطوية والتحكم، فلماذا لا يتأهب العالم لمنع اندلاع الحروب؟ ويحرص على تفادي موت الملايين بالدرجة نفسها التي يتأهب فيها لمواجهة وباء أو جائحة؟ إن درجة الخوف من الموت نسبية، تختلف باختلاف محتوى التأويل الذي نتمثل فيه الموت، فالخوف من المجهول واللا مرئي «الحرب البيولوجية» أكثر إرهاباً من الخوف المعلوم أو المرئي «الحرب التقليدية»، كما أن إدراك جوهر الخوف القائم في الحاضر أقل إرهاباً وترويعاً من الخوف الآتي من المستقبل، إن الطبيعة الإنسانية مشدودة دائماً إلى الخوف من المجهول ومن اللا مرئي، وهذا ما يفسّر حجم الترهيب الذي أحدثه كائن لا مرئي «فيروس»، وكيف تمّ توظيفه لإرهاب الشعوب وإذلالها، لذا فالحرية مشروطة بالتخلّص من لعنة الخوف «اللا مرئي»، والتخلص من رُهاب المستقبل «عنف المجهول»، إن صورة عداد الموت الذي لا يتوقف في واجهات الإعلام وتطبيقات الهواتف الذكية، استراتيجية تضليل ممنهجة تركّز على سرعة الانتشار التي تبدو أكثر ترويعاً من قدرة الفيروس على الفتك، مقارنة بأمراض كثيرة تحصد الملايين من الأموات سنوياً، إنها عملية تحويل عنف الموت من حالة الكيف «قوة الفتك»، إلى حالة الكمّ «سرعة الانتشار»، تضخيماً لحجم الخوف كمّياً، لأن لغة الأرقام أكثر تضليلاً وقدرة على صناعة الوهم. إن الإرادة الكونية لعولمة الخوف تعرف تواطؤ السلطة والحقيقة كحدين لهيمنة أكثر تهديداً وفتكاً، حيث يقود هذا التواطؤ إلى حركة تبرير شاملة لعودة الشمولية، فقد اعتبر ميشال فوكو أن الوباء هو النموذج الأمثل الذي تحلم به السلطة لتوسيع هيمنتها، أي إعادة إنتاج الخوف من خلال السياسات الحيوية، بترويج مبررات تأمين الحياة من الموت، وهذا ما يجعل استراتيجية صناعة الخوف التي تقودها قوى الشمولية العالمية ومنظماتها، تسعى إلى تحويل الصراع السياسي بين قوى السلب «الاستعباد والاستبداد»، وقوى الإيجاب «التحرير و التحرّر»، إلى صراع جوهري وجودي بين طبقة سياسية مفعمة بروح التحكم والسيطرة، وجموع الخانعين المهدَّدين على الدوام بسطوة الجوع والخوف، فصناعة الخوف وسيلة لاحتواء غضب الشعوب وتدجين إرادتها، كما أنها وسيلة لتحويل الدول والحكومات إلى حرّاس سجن عالمي مرتهن بحالة حرب دائمة، تقود إلى شرعنة التحكّم في أرواح ومصائر البشر، في حين تصبح السياسة خطابات عدمية فوضوية، ونظرة قاتمة للكائنات الجديدة الغارقة في العدمية والمجهول. إن «الأمن الحيوي» أكبر أيديولوجيا مضللة سيعرفها التاريخ، وأكثر الأفكار الشمولية استحواذاً على الوعي الإنساني، لأنها توجّه العالم نحو تعميم المجهول ورسم صور قاتمة للمستقبل، كي تعيد مفهمة القيم الإنسانية، برسم الحدود من جديد بين الخير والشر، الحق والباطل، الحرية والقهر «القائمة طويلة»، كما أنها تسعى إلى خلق حقيقة جديدة حول ماهية الإنسان تختزل الوجود الإنساني إلى صراع ضيّق بين الحياة والموت، في طمس مطلق لكل أنواع الصراع الممكنة «ضد الإمبريالية، الاستبداد، اللا مساواة، استنزاف البيئة...». إن صناعة الخوف الممنهج الذي تحاول قوى الشمولية العالمية تعميمه على الإنسانية كوسيلة لإرهاب الشعوب، مستندة على القاعدة الذهبية «الحياة مقابل الحرية»، ينبغي أن يواجه بقاعدة ذهبية ممانعة تسند قوى التحرّر العالمي هي: «الموت خيار أفضل من الاستبداد»، هذه القاعدة ستؤسّس لثقافة جديدة لمواجهة الشمولية، وتخلق نوعاً من توازن الرعب بين إرادتي السلب والإيجاب، وربما قد ترجّح كفة الشعوب التوّاقة إلى الحرية على «البهيموت/Behemoth» صورة الشرّ المرعب لكل ثورة.
هل يستحق قرار تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد كل هذا اللغط؟ قد يكون الأمر أبسط من ذلك حينما نتناوله في سياقه القانوني والسياسي، لكنه أكثر تعقيدا حينما يمتزج بصيرورة التاريخ ودلالته الرمزية. إن توقيت...
إن أهم ما يسم العالم ما بعد «كورونا» هو وضوح الصراع الحضاري وانكشاف خلفياته، فضلاً عن تجلّي المبرّرات الأيديولوجية التي تحكم دعاة صدام الحضارات. إذا كانت الخلفية الفلسفية للصدام تؤطرها الفلسفة الهيجيلية التي تدّعي الضرورة...
إن أكثر الدول قلقاً ممّا يحدث في أميركا هي الكيان الصهيوني، باعتبار أن أي تغيير في مصير أميركا سيجعل لا محالة مصير هذا الكيان مجهولاً، لا أعتقد أن هناك شيئاً اسمه إسرائيل خارج نطاق النبوءات...
من الأسباب الجوهرية التي تعلن عن بداية نهاية أميركا، هيمنة العقائد الدينية على السياسة الأميركية، إن استقصاء بسيطاً لبعض هذه النبوءات، سيفسّر العديد من الألغاز والأحداث التي تعتمل الآن، وتبدو غير منطقية في السياسات الأميركية...
إن من أسباب سقوط الإمبراطوريات العظمى، ما أسمّيه اختلال العقل الأخلاقي العام، وهي فرضية لا تخرج عن نطاق الحتميات التاريخية التي هيمنت على بعض فلاسفة التاريخ، وتستند إلى منطقين أخلاقيين: الأول هو الحتمية الهيجيلية التي...
إذا كان عصر الحرية المُستلهَم من روح الأنوار وفلسفات الحق الحداثية، التي اختزلها «ستيوارت ميل» في عبارة: «إن للفرد سلطاناً مطلقاً على نفسه وجسمه وفكره»، والتي ظلّت شعاراً لعصر الحرية المفرط في فردانيته؛ كما أن...
إن من أكثر أوجه الشمولية بشاعة هو التَحكُّم في رقاب العباد عن طريق ابتكار أساليب رقابة شاملة، كلما كانت مبتكرة وكاسحة كلما ازدادت سطوتها. إن الحقيقة غير المُعْلَنة لهذه الرقابة الشاملة ذات امتداد ميثولوجي ،...
لقد استعرنا عبارة «هيجل»: «خبث العقل الكلي» كمفهوم مرتبط بالوعي التاريخي؛ حيث يستعين الروح المطلق في سعيه إلى الاكتمال بشخصيات مؤثّرة في حركة التاريخ؛ حيث تتكامل المصالح الجزئية لهذه الشخصيات مع إرادة الروح الكلية. إن...
إن أطروحة الحتمية الكونية التي بشرّتنا بها العولمة كصيرورة حضارية، تبرير نظري لمشروع هيمنة السيد العقلاني على الإنسان الشرقي الغارق في الضلالات والتعصب؛ ولعلّ كتاب ليفي بريل «العقل البدائي» إنجيل كل التصورات المدافعة عن عولمة...
كل الدول تسارع في البحث عن سياسات صحية مناسبة لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي غمرة البحث هذه يُطرَح سؤال حيوي: هل نحن بحاجة فقط إلى مناعة حيوية (بروتوكول علاجي) أم مناعة ضمير (بروتوكول أخلاقي/ وقائي)؟ الأمر...
إذا كان تهديد الحروب النووية جعل من الدولة العالمية أمراً ضرورياً يفرضه المنطق، فإن الحروب البيولوجية -أو ما أسماه زيجموند باومان بـ "الخوف السائل" الناتج عن الانفتاح الفاسد للمجتمعات بفعل العولمة السلبية (أسواق بلا حدود)...
خلف هذا السؤال هناك حقيقة ثاوية ومحرجة نوعاً ما، هل نحن أمام إمبريالية جديدة؟ وهل حضور الصين كقوة عالمية اليوم، يرشحها لأن تلعب هذا الدور بدلاً عن الريادة الغربية بقيادة أميركا؟ لكن قبل ذلك، ما...