alsharq

أحمد بن راشد بن سعيّد

عدد المقالات 189

التطبيع: تبرير داود أقبح من ذنب أنور!

01 يوليو 2015 , 04:21ص

احتفلت الصحافة الإسرائيلية بلقاء اللواء السعودي المتقاعد أنور ماجد عشقي، مدير مركز الشرق الاوسط للدراسات الاستراتيجية في جدة، بالصهيوني دوري غولد، المدير العام بوزارة الخارجية الإسرائيلية وأمين سر نتنياهو، في ندوة عقدها مجلس العلاقات الخارجية الأميركي بواشنطن في الخامس من حزيران/يونيو الجاري. ولما انتشرت صور الرجلين وهما يتصافحان مبتسمَين، انفجرت مواقع الوسائط الاجتماعية غضباً. الجدير بالذكر أن غولد يمثل اليمين الصهيوني المتطرف. غير أن عشقي لم يعدم أنصاراً كالكاتب داود الشريان الذي وصف في صحيفة «الحياة «مقاومة التطبيع» بـ «الكذبة» مبرراً تصرف عشقي بالقول إن «مصافحة مسؤولين عرب، على رأس العمل، مع مسؤولين إسرائيليين، لم تنقطع منذ أوسلو، لكن أحداً في الإعلام العربي لا يتحدث عنها باعتبارها تطبيعاً. أما إذا تمت مصافحة من سعوديين، وإن كانوا لا يشغلون منصباً رسمياً، فإن «أصدقاء» السعودية في الإعلام العربي يفتحون مناحة» (15 حزيران/يونيو 2015). كأن داود يقول: كلنا بعنا الأرض والعرض، فلماذا تلومونني وحدي؟ عذر داود كان أقبح من ذنب أنور. ما هو «التطبيع»؟ انبثق مفهوم التطبيع من اتفاقات كامب ديفِد التي وقعها الرئيس المصري أنور السادات مع رئيس الوزراء الصهيوني، مناحم بيغن، عام 1979، والتي مهّدت الطريق لعلاقات شاملة بين الدول العربية وإسرائيل قبل الوصول إلى تسوية شاملة ونهائية للصراع. وبهذا يشير «التطبيع» إلى العملية التي يجري من خلالها صياغة علاقات طبيعية في سياق ظروف غير طبيعية، تفضي في نهاية المطاف إلى فصل «إسرائيل» عن احتلالها وغطرستها وعدوانيتها، ومعاملتها بوصفها كياناً سياسياً لا صلة له بأفعالها. يستلهم خطاب التطبيع ما يُسمى «حوار الحضارات» و «حوار الأديان»، وهما لافتتان برّاقتان تعملان على الإغراء الزائف بالتسامح، وتصرفان الانتباه عن الحقائق الجوهرية للصراع، حتى تبدو كأنها اختلافات هامشية في الفهم يمكن تجاوزها إذا جلست «الأطراف» على «طاولة» واحدة وتحدثوا وجهاً لوجه-أسطورة تتجاهل موازين القوى غير المتكافئة، وتحاول نزع الشرعية عن المقاومة بوصفها السبيل الوحيد لانتزاع الحقوق المسلوبة. راج مصطلح «التطبيع» في الصحافة العربية والخطاب السياسي العربي منذ أواخر السبعينيات، وهو ترجمة للكلمة الإنكليزية (normalization)، التي تشير أيضاً إلى «التعوّد»، وكأن «التطبيع» سلوك غير مقبول يجري تحويله شيئاً فشيئاً إلى سلوك مقبول، حتى يصبح «معتاداً» أو مألوفاً. بمعنى آخر، يصبح التطبيع تمريناً للطرف الفلسطيني/العربي الأضعف على التسليم بهيمنة الطرف الصهيوني الأقوى، وانخراطه في عملية إقناع ذاتية للتكيف مع الوضع الجديد. من أبرز الاستمالات الإقناعية في هذا الإطار: «الواقعية»، «البراغماتية»، «التكيّف مع موازين القوى»، «فن الممكن»، و «خذ وطالب». قد تدخل مفردة «التطبيع» وتبريراتها ضمن خطاب التمويه أو تلطيف القبيح (euphemism)، الذي يعمل على جعل الحقيقة السيئة مقبولة لغوياً على الأقل. يمثل التطبيع الانتصار الأكبر لإسرائيل، فنشأتها عام 1948 على أنقاض المجتمع الفلسطيني وحروبها العدوانية عبر السنين لم تمنحها شرعية البقاء، لكن التطبيع مع الضحايا هو الذي يمنحها الشرعية، ولذا استماتت منذ زمن طويل للحصول على الاعتراف بكيانها بوصفه صمام أمانها. وزير «الدفاع» الصهيوني، موشيه يعلون، قال في وقت مبكّر هذا الشهر أمام مؤتمر في مدينة هرتسليا، إنه لا يرى فرصة للسلام مع الفلسطينيين في حياته، وإنه «لا خطر ألبتة من غزو تشنه الجيوش العربية»، مضيفاً أن أخطر سلاح يواجه «الدولة اليهودية» هو «نزع الشرعية» عنها (هاآرتس، 9 حزيران/يونيو 2015). التطبيع إذن هدف إستراتيجي لإسرائيل؛ لأنه يطوي التساؤلات عن وجودها، ويريحها من هاجس الزوال، ويطمئنها أن العرب قد قرروا نسيان تاريخ النكبة والشتات، وأنهم لن يستدعوا التاريخ للحشد والتعبئة ضد بقائها في منطقتهم. هذا ما يجعل «التطبيع» في السياق العربي الصهيوني فريداً في التاريخ. إنه ليس كالتطبيع المتعارف عليه في العلاقات الدولية كالذي حدث مثلاً بين السعودية والصين، أو بين الولايات المتحدة وإيران. إنه تطبيع غير طبيعي؛ لأنه ينطوي على الاعتراف بحق الصهيونية في فلسطين، وبعبثية قرن كامل من مقاومة هذا «الحق». كما ينطوي على إعادة النظر في مسلّمات دينية وثقافية وتاريخية ضاربة في وجدان العربي والمسلم وصولاً إلى محوها من الذاكرة الجماعية، وإحلال الرواية الصهيونية محلها. هذا ما يجعل الساسة الإسرائيليين يتحدثون أكثر من مرة عن ضرورة تغيير المناهج التعليمية لتواكب «ثقافة السلام»، و «التسامح الديني»، وقصر مفهوم الجهاد في الإسلام على «جهاد النفس». وهذا ما رأينا حكومات عربية تقوم به، آخرها نظام الانقلاب في مصر الذي ذهب إلى حذف آيات الجهاد وسير الفاتحين كعقبة بن نافع وصلاح الدين، من المناهج. التطبيع رديف الإحلالية، لا الاحتلال. إنه يسعى إلى مصادرة وعي الأجيال بذاتها، وتحويلها إلى كائنات منبتّة الصلة بهُويتها. التطبيع ليس إلا «استبطان» الهزيمة، والتسليم بحتميتها، والكف عن التمرد عليها. إنه ليس مجرد تمثيلات دبلوماسية أو مبادلات تجارية، بل إعادة تشكيل للوعي بحيث لا يرى العربي والمسلم اليهود أعداءً، ولا الصهيونية حركة عنصرية عنيفة غاصبة ومعتدية. منذ اتفاقات كامب ديفيد، نظرت إسرائيل إلى التطبيع بوصفه «تطبيعاً» للفلسطينيين والعرب على انزراعها في الأرض واغتصابها لها؛ لا على ما يُسمى تسوية «عادلة» و «دائمة»، واستغلت اتفاقات أوسلو (لحظتها التاريخية) لتتوسع في التطبيع مع الفلسطينيين ودول عربية عدة منهمكة في سلسلة لا تنتهي من جولات التفاوض، ومحمّلة الجانب الفلسطيني مسؤولية فشل كل جولة. ليس ذلك فحسب، بل استغلت أوسلو لتتوحش على الأرض صانعة حقائق غير قابلة للإلغاء (تضاعف عدد المستوطنين منذ الاتفاقات المشؤومة من نحو 110 آلاف إلى مليون)، وطفقت تبتز الجانب الفلسطيني والعربي المرة تِلو المرة بجعل مزيد من التطبيع معها شرطاً مسبقاً لمشاركتها في «المفاوضات». لم تقدم إسرائيل خلال ما تسميه الدعاية «عملية السلام» أية مكاسب للفلسطينيين، حتى الاعتراف بحقهم في تقرير المصير. وأخطر ما في تجليّات التطبيع أن إسرائيل تقدمها للعرب بوصفها هدايا من المنّ والسلوى، أو صفقات سلام بحد ذاتها. تواصل إسرائيل حملات الاستيطان والسلب والقمع والحصار وبناء الجُدُر واقتلاع الأشجار وهدم المنازل وتدنيس المقدسات، وفي الوقت عينه تطور علاقاتها مع دول عربية، وكأن تلك العلاقات تجري بمعزل عن العنف الذي تمارسه. وبهذه المقاربة، تقوم إسرائيل فعلياً بنزع الشرعية عن الكفاح الفلسطيني، وتأبيد احتلالها ما بقي من الأرض. عوداً على بدء، قد يظن السعوديان عشقي والشريان أن «التطبيع» ممكن ضمن إطار تسوية شاملة و «متوازنة». واهمان، أو هما كاذبان. لم يفوّض أحد من السعوديين عشقي ولا غيره بالاعتراف بشرعية العدو، أو «التطبيع» معه. كل سعودي وعربي ومسلم يشهد أن التطبيع مع الصهيونية، أيّاً كان شكله، وفي أي مكان، خيانة. • @LoveLiberty

رسالة اعتذار من صهاينة الخليج

نحن الموقّعين أدناه نعتذر إلى الإنسانيّة عن تاريخنا؛ عن ثقافتنا المفخّخة بالعنف؛ عن سيرة أجدادنا الملّطخة بالدماء. نعتذر عن ما كانوا يسمّونه «الفتوح الإسلامية»، وما كانت سوى عمليات غزو واسترقاق، وإجبار للسكان الأصليين على دفع...

السكوت علامة العار

في البدء كانوا مجاهدين، ثم صاروا فدائيين، ثم مقاومين، وتدريجاً أصبحوا مسلّحين، فكان طبيعياً أن يصبحوا في نهاية اليوم، «إرهابيين»، ثم يُسدل الستار على الفاجعة، ولمّا تنته. يصبح الإسرائيلي ضحية، وتصبح أفعاله دفاعاً عن النفس...

اليمن: الانفصال انقلاب آخر

اليمن تاريخياً بلد واحد غير مقسّم، والتقسيم إضعاف لهذا البلد، وتشتيت لشعبه، وفتح أبوابه لتدخّلات عسكرية وقواعد أجنبية واضطرابات وحروب قد تكون أسوأ من وضعه إبّان الانفصال القديم في الستينيات والسبعينيات. وبينما يتّجه العالم إلى...

ابن الغلامي والكرتون!

حدّث سهم بن كنانة، قال: كان في القرن الخامس عشر بجزيرة العرب، رجل يزعم أنّه واحد دهره في الأدب، وأنّه أدرك من أسرار البيان، ما لم يدركه إنسٌ ولا جان، وقد اشتُهر بابن الغلامي، أو...

لن أتوقّف عن الصّمت!

علّمونا ونحن صغار أنّ «الصمت من ذهب»، وكان جدّي لأمّي يكرّر لي البيت: يموت الفتى من عثرةٍ من لسانِهِ/وليس يموت المرءُ من عثرة الرّجْلِ، وقديماً قال جدّنا أكثم بن صيفي: «الصمت حُكمٌ وقليلٌ فاعله». كبرنا،...

إذا كان الاستفتاء انقلاباً فالحياة هي الموت!

قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا، وأثناءه وبعده، لم تتوقف جريدة الحياة اللندنية عن الهجوم على الحكومة التركية. كانت هذه الصحيفة معروفة إلى عهد قريب بحرصها على عدم إبراز أيديولوجيتها، وباستقطابها كتّاب رأي ليسوا...

تركيا: الرجل لم يعد مريضاً!

كان يا ما كان، في آخر الزّمان، أنّ رجلاً كان مريضاً فتعافى، فغضبت عجوزٌ كانت ذات يوم سبباً في إمراضه حتى مزّقته إرباً إرباً، وطفقت تولول وتشقّ جيبها، وتدعو بالثبور، وعظائم الأمور، فلم تكن تتوقّع...

كوني حرّة: كم من باطل أزهقته كلمة!

حدّث سهم بن كنانة، قال: في أواخر القرن الرابع عشر، قبل أن تُولد الفضائيات وتنتشر، ظهرت في جريدة اسمها «اليوم»، قصيدة أثارت كثيراً من اللوم، وكانت متحرّرة القوافي، واسم كاتبها حميد غريافي، وقد جاء في...

الأمير تميم: خطاب العقل في مواجهة الذين لا يعقلون

تسعى الخطابة السياسية عادةً إلى توحيد المواقف، وردم الفجوات، والتركيز على القواسم المشتركة. هذا هو لبّ الخطابة وفلسفتها عبر التاريخ: الدعوة إلى «التعاون»، وإحياء الروح الجماعيّة، وتغليب المصلحة العامة على الخلافات البينيّة. لكنّ ذلك لا...

الموصل: الموت على أيدي «المحرِّرين»!

كنّا نعرف أنّ «تحرير» الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، من قبضة تنظيم داعش سيكون دامياً، وكنّا نترقّب فقط مشاهد القتل الجماعي لأهل تلك المدينة بحجة تحريرهم من الإرهاب. لكن لم نكن نتوقع أنّ المجازرستثير في...

اليوم العالمي للنّوم!

حدّث سهم بن كنانة، قال: اعتراني ذات يوم السأم، وشعرت بأنواع الألم، وجفا عينيّ الكرى، وعادت صحّتي القهقرى، فراودتني الرغبة في الخروج، والاستئناس بين المروج، ودُللتُ على قرية تُسمّى «سراج»، شعارها «لدينا كلّ ما تحتاج»،...

أقوى من النسيان: التشنّج الأوروبي من الاستفتاء التركي

كان الرئيس التركي، أردوغان، محقّا في اتهامه عدداً من دول الاتحاد الأوروبي بالارتهان للفاشية والنازيّة إثر إلغاء ألمانيا عدداً من التجمّعات الانتخابيّة التي كان من المقرّر أن يحضرها وزراء أتراك في مدن ألمانيّة، ومنع هولندا...