


عدد المقالات 81
بعد التفجيرات الانتحارية في جموع المصلين الآمنين المسالمين، في «القديح»، وأمام مسجد «الحسين» في شرق السعودية، انفجرت موجات غضب شعبي، متبوعة بدعوات التحام وطني ونبذ للطائفية. وردة الفعل هذه متوقعة، لكن تظل دعوات تعاطف تقليدية لا تكفي لمنع الأزمة من التفاقم، ولذا لعل ما حدث يشجع على أن يكون طرحنا أعمق، ومراجعاتنا أجرأ، في كل منابرنا الثقافية.. في محاضرة قديمة وجهتها للأميركيين، قالت الهندية الرائعة أروندهاتي روي: «العالم يدين الانتحاري الذي يقوم بتفجير نفسه، لكن هل يستطيع العالم أن يتأمل طريق الرحلة التي قطعها الانتحاري قبل أن يصل إلى هذه الوجهة؟». ما الرحلة الطويلة التي أتى منها الانتحاري؟ لا بد أنها رحلة مليئة بجرعات ثقافية وعقدية وتاريخية وتحريضية، جعلته أداة جاهزة لتنفيذ أسوأ ما يمكن أن يخطط له بشر! تنظيم الدولة المعروف «بداعش»، أو جهات سياسية أخرى، تستثمر هذا الاستعداد لدى المتشددين لتحقيق الأهداف السياسية وإثارة الاضطراب، لكن هنا يهمنا ملاحقة المكوّن المعرفي الذي أسهم في تشكيل هؤلاء الأفراد ثقافيا، قبل أن تتم عملية الاستفادة منهم. هل نتوقف للحظة، لنفكر، كيف أننا منذ سنوات لا زلنا نخوض في دوائر متعاقبة من الأزمات، كل مرة تضيق الدائرة وتشتد الأزمة.. ونحن لا نكاد نندهش ونعجب من وضع، حتى يفاجئنا غيره! كل هذا بسبب أن المكون المعرفي ضاغط ومستقر بشكل مخيف. انقسام الفرق كان حاضراً منذ بدايات الإسلام، وكان أساسه الخلاف السياسي، والطائفة استقرت كمكون اجتماعي طبيعي، لكن الصراع امتد وتعزز عبر القراءات المشبوهة للتاريخ وبنى عليها.. لنلاحظ مثلا كيف أن ربط البعض للشيعة في الداخل بالوضع الإقليمي المتأزم اليوم، ومحاولة استنطاقهم الدائم حوله، يحمل نفس روح البناء التاريخي، لصراع إمبراطوريات وأمم استخدمت التراث الشيعي والسني، لأجل التحشيد والتعبئة! أهم الموضوعات التي تأسس عليها تاريخنا، هي التدوين على أساس تعاقب الدول والخلفاء والسلاطين، لم نكن كبشر سوى «أدوات» وهامش في هذا السياق، وأخذنا نقرأ بشغف، التاريخ الذي استخدمنا كذلك وأسس وضعنا! اليعقوبي والبلاذري وابن كثير والطبري، وغيرهم كثير اعتمدوا ذلك! وأيضاً، كان هناك كتب التاريخ التي تأسست على «الطبقات»، وكانت معنية بمطاردة «النخب» أيضا كالمحدثين، ولم تُدرج فئات الناس الاجتماعية في مستواها العادي. وهناك أيضاً، كتب تأسست على جغرافيا الدول، وعلى الأنساب. وكان أحسن ما وجد الكتب التي تأسست على الفلسفة والاجتماع والاقتصاد، وإن كان بعضها الفلسفي اهتم بتباين الفرق فقط، بينما بعضها الجيد لاحق الجانب الاجتماعي كابن خلدون والمقريزي والجبرتي والوردي.. إن إعادة النظر في التاريخ واستخدامنا له، قد تساهم في فهم ذلك «الفهم» الذي شكّلنا وأطر وعينا. هل يعقل أن الأديان، التي تعلمنا الأمانة، والقسط، وتغذي أرواحنا بما يصبرنا لنبقى سعداء في هذه الصحراء، هي من يسبب قتلنا لبعضنا اليوم! لا بد أن قراءة التاريخ مشبوهة، وبناءه كذلك.. المؤرخ توينبي حين كتب عن تاريخ الحضارات، تساءل عن التعصب في الأديان، وناقش تقبل المسيحية للفكرة اليهودية عن «الإله الغيور»، والتي قادت المسيحيين للتعصب الأعمى، بينما تناسوا فكرة المسيحية الأصلية أن «الله محبة». إننا نفتقد التاريخ الحنون للعالم، تاريخ الشعراء، وعلماء الحب الإلهي، وتاريخ الناس العاديين الذين اهتموا بأطفالهم، وبالكدح المسالم في حياتهم. هذا هو طبع البشرية وأصلها وتاريخها المستقر. مجرد التفكير بتجريم شخص تبعا لعقيدته وطائفته وثقافته وأصله هو سلوك غير سوي، ويقود لمجتمعات مختلة. نحن نحيا عصر الدولة الحديثة ومساواة المواطنين، ونحتاج إلى تهميش هذا الأسلوب العقدي التاريخي في النظر والحياة، وجعل معركتنا عميقة مع من يرى أن هذا الأسلوب هو أساس وجوده، ورأسماله. ذات مساء من شهر مايو 1912، جلس المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي متأملا على أطلال قلعة «ميستراس»، التي تشرف على سهل مدينة إسبارطة اليونانية، بعد أن قضى يومه متجولاً فيها. وكانت ميستراس مدينة مزدهرة عبر مئات السنين حتى هجم عليها ذات مرة غزاة أبادوها بالكامل، فلم يبق منها شاهداً سوى الحجر. تأمل توينبي هنا وهب إلى التساؤل عن السبب الذي يقف وراء قسوة البشر وطبيعتهم المدمرة، فقادته محاولة الإجابة على السؤال إلى كتابة ثمانية آلاف صفحة حول تاريخ الحضارات تمثلت في عمله المميز «دراسة في التاريخ». ولا يُعرف إن كان ما كتبه توينبي قد خفف من غلواء وحدّة سؤاله أم زاد منها، فيكون بذلك مثل المؤرخ البريطاني الآخر هـ.ج ويلز، الذي قام بكتابة العمل الآخر المميز «معالم تاريخ الإنسانية» في عدة مجلدات، وكان ويلز في بداياته متفائلاً بأن البشرية ستهتدي إلى السلام، وأن «عصبة الأمم» التي أنشئت بعد الحرب العالمية الأولى ستقود إلى تحقيق الأمن والاستتباب في العالم، لكن ما حدث في العالم بعد ذلك من وحشية وحروب، جعله يميل في آخر حياته إلى النهلستية (العدمية) يائساً من الجنس البشري. • Azizf303@gmail.com
قبل أيام تم بث الحلقة الأخيرة من برنامج «في العمق» على قناة الجزيرة، بعد إطلالة البرنامج الأسبوعية منذ العام 2009، وعلى مدى سبع سنوات. حين قدمت إلى العمل في البرنامج قبل سنوات، كان الأمر صعبا،...
أجدادنا في السابق كان الكثير منهم مبادرين في تدبر وكسب قوتهم، في أمر مشابه لمن يسمون اليوم بالأنتروبنورز، أو رواد المشاريع والمعتمدين بشكل جدي على ذواتهم. تدبر المعاش والرزق كان مهمة يومية جادة. وبعد تشكل...
لأول مرة يُسقط الكونجرس الأميركي فيتو لأوباما، وذلك في تصويت مجلس الكونجرس الأميركي حول قانون «العدالة مع رعاة الإرهاب» المسمّى جاستا JASTA. تمرير هذا القانون بلا شك سيعمل على زعزعة علاقة متينة بين البلدين استمرت...
السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك...
الشبكات الاجتماعية حقول متنوعة، ساعدت الناس على الانطلاق، ونشر الرأي والمعلومة، ودعمت ظهور الأفكار وحرية التعبير عنها. لكن يبقى بعد كل هذا المدح الذي تم سبكه لأجل الشبكات الاجتماعية، أن نتدارك الأمر قليلا، ونعرف أن...
بعد مقتل استراتيجي تنظيم الدولة والمتحدث باسمها، أبي محمد العدناني، الأسبوع الماضي، يستمر مسلسل خسارات تنظيم الدولة، فبجانب خسارة الأراضي والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد عليه، قُتل أكثر من عشرة قياديين بارزين للتنظيم في مجلس الشورى...
ذاكرة البشر محدودة وقصيرة، وإن كانت هذه الذاكرة مشغولة بالكراهية فماذا سيبقى منها لصنع حاضر أفضل؟ حضور الكراهية الدائم في الذهن يعني إعادة إنتاج الواقع وفق تصور هذه الذاكرة، وهذا يصعب الأمر خصوصا على المجتمعات...
مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب...
الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها...
تصدير الديمقراطية سلعة أميركية، والانقلاب عليها أيضا سلعة أميركية بامتياز. في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الملف الأميركي واضحاً في دعم الانقلابات حول العالم، ويعدد ويليام بلوم في كتابه «قتل الأمل»، ما يقارب أربعين...
في العادة، لا يذهب الناس عميقا في نقاشاتهم الجماعية أو الثنائية، لأنهم يخشون النقد ويتجنبونه. حضور النقد قد يأخذ الحديث إلى منحى آخر، وإلى هجوم متبادل وصراع. وفي عالم الإنترنت اليوم، كثرت الأحاديث وصراعات الرأي...
لا تكمن ميزة الديمقراطية في أنها فقط قد تحقق للمرء ما يريد، بل أيضاً أنها تعوّد المرء على قبول ما لا يريد. في عام 2008 حين قدم أوباما للسلطة في الولايات المتحدة، أذكر أن طالبا...