


عدد المقالات 283
من تونس إلى بيروت، مرورا بالقاهرة، مع ارتدادات في عواصم أخرى، اهتز الوسطان الفني والإعلامي وربما السياسي أيضاً للتصريحات الصادمة التي أطلقها وزير الثقافة التونسي المهدي المبروك، وهو يضع جثته في صورة السد الذي سيمنع مرور إليسا ونانسي عجرم وشيرين وتامر حسني نحو خشبة مسرح قرطاج الدولي! قال الرجل بالحرف: «على جثتي أن يأتي إلى مهرجان قرطاج الغنائي نانسي عجرم وإليسا وشيرين وتامر حسني». وفي المقابل ارتأى «لطفه» مجاملة لطيفة التونسية، فقال بشأنها: «سنناقش الموقف في حينه»! تصريحات اكتشف بفضلها المشرق والمغرب ذوق وزير ثقافة ما بعد الثورة. وهو بالمناسبة عالم اجتماع لم يعرف عنه ميوله السلفية، ولا انتماؤه لحزب النهضة الإسلامي، لكن الجميع اكتشف من تصريحاته الأخيرة أنه يسعى بهمة ونشاط لترسيخ صفته الجديدة كمنتمٍ إلى «المؤلفة قلوبهم» وإن استدعى الأمر غلظة في التعاطي مع شخصيات ناعمة! المهم أن «جبهة الإبداع المصرية» تشكلت فورا، وسلمت رسالة موجهة للشعب التونسي إلى السفير، ودب حراك احتجاجي في نقابتي الفنانين المصريين واللبنانيين، بالإضافة إلى تململ شخصيات فنية تونسية وأجنبية، التقطت الفرصة للرد على الوزير بمثل جنس قوله. ووصل الأمر إلى التهديد بمعاملة الفنانين التونسيين بالمثل.فكان أن قامت الدنيا ولم تقعد رغم ما تلا ذلك من اعتذارات مواربة للوزير. والأهم أن استخدام جملة من عبارتين «على جثتي» أثار تخوفا معجونا بالهزء لحدة العبارة، ولاستبطانها معاني «جهادية»، يزيد في غرابتها أن من أطلقها وزير ثقافة يفترض فيه الناس اللباقة وتثقيف مفردات خطابه، حتى إذا كان مفتونا بأمر ما... كان يمكن للأمر أن يمر مرور الكرام لولا «اللئام» الذين راكموه على جملة زلات لسان حفلت بها خطابات المسؤولين الجدد في تونس. وصوروا بذلك إحدى فرضيتين تتعاندان في السوء: فإما أن يكون المقصود «ديكتاتورية الذوق» لكي ينمط الحاكم بأمره ذائقة الناس بحسب ما يطرب له سمعه. وإما أن يكون تبشيرا بدخول الأصناف الفنية -زرافات ووحدانا- سجنا فنيا جديدا تتحكم فيه أيديولوجية الحاكم. أي ما أطلق عليه بعض من ذهب بعيدا «أسلفة» الفن، خصوصا أن الوزير قد رمى من تحدث عنهم بنعت «فناني العري». وفي كلتا الحالتين فإن الأمر مثير للقلق، قلق عشرات الآلاف من عشاق فن من سلف ذكرهم، والذين لن يستسيغوا «ديكتاتورية» ذوق الوزير.. وقلق شريحة سياسية تتوجس خيفة من مشاريع «أسلفة» أحد أكثر المجتمعات العربية والإسلامية انفتاحا منذ التاريخ. ويحتد التوجس أكثر لدى من يعتقدون أن وزارة الثقافة كانت وتظل دائما أخطر من وزارة الدفاع، باعتبار دورها في صياغة الفكر عبر جدولة الفن والثقافة. ومهما يكن من أمر، زلة لسان أم حماس فائض عن حده. فإن رسالة الوزير -وهو عالم الاجتماع- جانبت العنوان الصحيح لطمأنة يحتاجها الداخل والخارج. بل فاقمت الحيرة المتراكمة في أفق «الربيع العربي» بعد فسحة أمل قصيرة، استحضرت النموذج التركي وازدهار الفنون التي أشعت في الخارج تحت حكم الإسلاميين هناك. فسحة أمل استنجدت أيضاً بمآثر التاريخ الفني للعصر الذهبي في الحكم الإسلامي (الأموي والعباسي). يوم حفظ التاريخ أسماء أعلام كحنين الحيري وابن سريج وحبابة وسلامة الزرقاء. ومن قبلهم كان سائب خائر والميلاء وطويس... وكلها علامات فنية إسلامية دخلت إلى الإرث الإنساني فأثرته. ليس بالضرورة أن تكون عاشقا لإليسا وشيرين ونانسي لكي تهتز، لكن صورة وزير للثقافة وهو يشهر جثته في وجه فنان ليست من الفن في شيء. وإذا كان ذلك ما ستجري به الأيام فمن حسن حظ العرب أن ربيعهم قد تأخر سبعين سنة، وإلا ما كانوا قد استمتعوا وأمتعوا العالم بإبداعات أم كلثوم واسمهان وعلي الرياحي!
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...