alsharq

د. وائل مرزا

عدد المقالات 101

«البرجوازية» السورية تنضمُّ للثورة

31 يوليو 2011 , 12:00ص

لا نقصد في هذا المقال استخدام مصطلح (البرجوازية) بمعانيه المتداولة في الأكاديميا والعلوم الاجتماعية، بمعنى أننا لا نتحدث هنا عن طبقة غير منتجة تسيطر على وسائل الإنتاج وتعيش من فائض قيمة عمل العمال. وإنما المقصود الإشارة إلى انخراط شرائح جديدة من المجتمع السوري في إطار الفعاليات الثورية ومدّها المتصاعد خلال الأسابيع الأخيرة، وبشكلٍ غير مسبوق نوعياً وكمياً. تنتمي الشرائح التي نتحدث عنها إلى مجتمع المدينة (الحداثي) بشكلٍ أساسي إن صحّ التعبير. ويمكن القول إن جزءاً مقدراً منها ينتمي إلى الطبقة البرجوازية بأشكال مختلفة. فالبعض هم أبناء أو أقرباء لأهل تلك الطبقة. والبعض الآخر يرتبط معها عبر منظومةٍ معقّدة من العلاقات المهنية والوظيفية، خاصةً في مجالاتٍ لا تعمل فيها أكثرية شرائح الشعب مثل حقول الفن والإعلام والأدب وتقنية المعلومات وغيرها، بل يمكن إدراج الأطباء والمحامين، الذين بدأت نقاباتهم تمارس عمليات الاعتصام في أكثر من مدينة، أيضاً في هذه الشريحة. مرةً أخرى، ليس هذا مقام تحليلٍ علمي للخلفية البرجوازية لهذه الشرائح، بقدر ما هو محاولةٌ لتتبّع صيرورة المدّ الثوري في سوريا وتطوّره بطريقةٍ قد لا تكون تقليدية. فالمألوف أن نُخبَ المجتمع، مثل تلك المذكورة أعلاه، تقود حركة الجماهير في كثيرٍ من الأحيان، وأنها هي التي ترفع شعارات التغيير ومطالبه، لتلتحق بها الجماهير تدريجياً بعد ذلك، لكن ما حصل ويحصل في سوريا الآن يعكسُ المعادلة إلى درجةٍ كبيرة. فالوقائع تُظهر أن الجماهير نفسها هي التي تحرّكت في البداية، وأنها هي التي رفعت بشكلٍ متزايد شعارات التغيير وسقفه. وفي حين واكبت شريحةٌ من المعارضة التقليدية التاريخية تلك الحركة بشكلٍ متفاوت، غير أن ما يمكن تسميته إجمالاً بـ (النُّخب) بقيت إلى حد كبير خارج مسيرة الثورة -إن لم تكن ضد إيقاعها- إلى فترةٍ قريبة. ما من شكٍ أن شرائح شبابية قادت هذه العملية الثورية على أرض الواقع من خلال التنسيقيات، وغالبية هؤلاء ممن يعيش العصر وتحولاته على المستوى الثقافي، ويستعمل أدواته على المستوى العملي، لكنهم -باستثناء قلةٍ قليلة- ليسوا ممن عاشَ ترف (الحداثة المديني) وتأثّر بالجانب السلبي منه. وهو جانبٌ يبعث على تفضيل (الاستقرار) أياً كانت طبيعته، ويجعل أصحابه زاهدين في مفارقة نمطٍ معينٍ للحياة على المستويين الشخصي والعام يخلقهُ ذلك الترف ويؤكده. هذا فضلاً عن المخاوف المتعلقة بـ (البديل)، وهي مخاوف أفلح النظام في تأكيدها داخل هذه الأوساط. لكن هذا الواقع تغيّر بحكم الحقائق الجديدة التي فرضتها الثورة على أرض الواقع عملياً. وهي حقائق التقطت شرائح مجتمع الحداثة المديني إشاراتها في الأسابيع الأخيرة، وأدركت من خلالها أن واقعاً جديداً يتشكل في سوريا على جميع المستويات، وأن العودة إلى مرحلة ما قبل 15 مارس لم تعد ممكنةً معها. لا نعتقد أن هذه الشرائح كانت ترفضُ شعارات التغيير على المستوى المبدئي منذ البداية، فهذا لا يتّسقُ أبداً مع معايشتها العميقة للمتغيرات العالمية، بل ومع تبنّيها الثقافي والفكري لمبادئ الحرية والعدالة وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. لكن ما حصل يتمثل في كسر حاجزٍ نفسي كانت الثورة تحتاج وقتاً لتشكيل أسبابه بثباتها وإصرارها، حتى تساعد بالتالي تلكَ الشرائح على قلب النظرية والفكرة إلى واقع وتحويل العلم إلى عمل. وهذا ما جرى مؤخراً، وأدى إلى انخراطٍ متسارع للشرائح المذكورة في قلب الفعل الثوري، وبشكلٍ مباشر وواضح. بدأ الأمر كما ذكرنا في مقالٍ سابق بمبادرة الصحافيين والفنانين الشباب بمظاهرة 14 يوليو، وسرعان ما تدحرجت بعدها كرةُ ثلجٍ نذكر منها مثالاً أو اثنين؛ إذ تكوّنت في دمشق تحديداً مجموعة من الشباب أنشأت على الإنترنت موقعاً اسمه «أحرار وراء القضبان» تقوم هذه المجموعة بنشاطات وفعاليات (ثورية) غير مألوفةٍ من قبل. فعلى سبيل المثال قامت بتسمية الأسبوع الماضي بأسبوع المعتقلين، وقامت فيه بعدة فعاليات منها وقفة تضامن مع المعتقلين بعنوان «معاً حتى يعود أحرارنا للتحليق معنا في سماء الحرية». حدّدَ المنظمون هدف الدعوة بأنه «دعوة لتجمع سلمي صامت تضامنًا مع المعتقلين من أجل أن نوصل رسالة مفادها: معًا حتى إطلاق كافة معتقلي حرية الرأي والتعبير، معًا من أجل تبييض السجون». أما الطريقة فجاءت كالتالي: «التجمع في إحدى الأسواق والتحرك بطريقة عشوائية وبشكل صامت كليًا.. الرمزية في التعبير عبر ارتداء لباس يحتوي على اللون الأبيض كرمز لمشاركتك في الحملة مثلا (قميص أبيض أو جزء منه أبيض، قبعة، وشاح، إشارب، حقيبة يد، بنطال، تنورة)، وكما يعلم الجميع أن اللون الأبيض هو لون شائع فلا تستطيع عناصر الأمن اعتقالك.. وكلما ازدادت أعداد المشاركين سوف يتضح المشهد الاحتجاجي أكثر وسوف تمتلئ الساحة باللون الأبيض». نجحت الوقفة بشكلٍ متميز، وكان من تعليقات من شارك فيها: «تدريجيا أصبح الجميع يقترب من بعض ويترك مسافات فارقة بسيطة، كان الشعور رائعا وكأننا طيور الحرية البيضاء تحلق في سماء الشام بلباسنا الأبيض وابتسامتنا العذبة، كان المشهد أكثر من رائع، فالتحرك كان يحمل ملامح الرقي والتحضر والمحبة بين كل المشاركين. من إحدى المبادرات الجميلة قامت فتاة بشراء بوالين بيضاء وقامت بتوزيعها على الأطفال الصغار.. في النهاية أصبح المشاركون يقتربون أكثر فأكثر بشكل لا إرادي حتى تجمعنا في ساحة عرنوس قبل دقائق من الساعة 8، كنا ننظر لبعض ونحن سعداء والأمن لم يتعرض لنا لأنه لا يعلم ماذا سوف يقول لنا..». أما مجموعة أخرى فقد اقترحت ما أسمته «يوم المرور الكبير بالسيارات» وهو حسبما ورد في صفحتهم يأتي: «بهدف الاستمرار في قلقلة النظام، وإشعاره بأن هناك شيئا غريبا يحدث والتركيز على إرباكه على مختلف الأصعدة... الهدف هو إغراق ساحة الأمويين بأكبر عدد من السيارات بحيث لا يمكن لأحد المرور، وخلق عجقة كبيرة، وهو أشبه باعتصام لكن من نوع آخر، لن يكون هناك هتافات، فقط زمور سيارات وكأننا نريد الخروج من زحمة السير». ثم انتظمت عدة مجموعات في وقفة تضامنية مع الصحافيين والفنانين الشباب الذين بدأت محاكمتهم الخميس الماضي. وهكذا، دخل الجيل الحداثي المديني الشاب في قلب الحدث، وبدأ يُصبح بشكلٍ مبدعٍ جزءاً من الثورة، لكن درجةً عاليةً من الرقي ظهرت حين شعر أولئك الصحافيون والفنانون أنهم فعلاً مجرد جزءٍ من ثورة شعبٍ قدّم الكثير، وأن من الواجب عليهم ألا يخطفوا الأضواء، فأرسلت الكاتبة ريما فليحان نداءً عاماً بعد الوقفة التضامنية قالت فيه: «أصدقائي أرجو من الجميع التوقف عن الكلام عن محاكمتنا مع الشكر لكل أشكال الدعم التي قدمت، وأرجو عدم المبالغة في توصيف ما حصل نحن جزء من حراك الشارع ولم نفعل شيئا ولم نقدم أي شيء يوازي صراخ الناس تحت التعذيب أو الاستشهاد أو دموع الثكالى.. نحن قمنا بواجبنا كجزء من الشارع وثلاثة أيام في المعتقل لا تعني شيئا.. كل الإجلال والإكبار للدماء وللأسرى ودموع الأمهات، كل الإجلال لكل حبة تراب على امتداد الوطن.. أصدقائي لسنا مفصولين عن الشارع ولسنا مفصولين عن أي جزء أو لون من مكوننا الوطني والاجتماعي». نعم. بدأت البرجوازية السورية تنضمّ للثورة بمعنىً من المعاني، والمزيد قادم.

الحكومة المؤقتة في سوريا.. أو الطوفان

بعد بضعة أيام من نشر هـذا المقال، يعقد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية اجتماعاً سيكون من أكثر الاجتماعات حساسية في تاريخه وتاريخ الثورة السورية، إن لم يكن أهمها على الإطلاق. وتنبع خطورة الاجتماع بالدرجة...

الثورة السورية.. وقصة البشرية على الأرض

{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء ونحنُ نُسبّحُ بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلمُ ما لا تعلمون}. بغضّ النظر عن الحشو الذي يملأ بتفاصيله...

عرب المشرق وطوفان إيران

لم يعد ثمة مجالٌ على الإطلاق، وبأي حسبةٍ من الحسابات، أن يسمح عربُ المشرق، ومعهم تركيا، لهذا الطوفان الإيراني أن يجتاح المنطقة بهذا الشكل الصارخ، ليس فقط في قباحته وابتذاله، بل وفي دلالات الموقف الدولي...

الثورة السورية بين مفتي السعودية والقرضاوي

منذ بضعة أيام، صدرت عن الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مواقفُ نعتقد أنها غير مسبوقة، وأن دلالاتها السياسية والدينية والثقافية تحتاج إلى كثيرٍ من التأمل. خاصةً عندما نفكر بأسبابها من جهة، ومآلاتها...

هل تفهم أميركا الثورة السورية بشكلٍ استراتيجي؟

قلائلُ هم الرؤساء الأميركان الذين يعرفون لماذا وصلوا فعلاً إلى البيت الأبيض, وماذا سيفعلون فيه على وجه التحديد. هذه حقيقةٌ معروفةٌ في أميركا، رغم أن عدد ساسة هذا البلد الذين يحلمون بالوصول إلى أهم موقعٍ...

الثورة السورية والمشهد الإقليمي

ما من شكٍ أن ثوار سوريا على الأرض كانوا ولا يزالون وسيبقون أصحاب القرار الحقيقي، لا نقول فيما يتعلق بمصير الثورة السورية، وإنما في تحقيق نصرها المؤزر في نهاية المطاف. لكن هذا لا يتناقض مع...

الحكومة السورية المؤقتة نقلة في عمل المعارضة

من الممكن جداً أن يكون تشكيل الحكومة السورية المؤقتة نقلةً هامة على طريق تحقيق أهداف الثورة السورية. ثمة مؤشرات عديدة على أن هذا الأمر في وارد الحصول، رغم الشكوك التي يطرحها البعض هنا وهناك. يبدأ...

الحكومة السورية المؤقتة.. حقائق وشبهات

منذ أكثر من خمسة شهور، وفي لحظة تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، كان أعضاؤه يعرفون، ومعهم العالم أجمع، أن الائتلاف هو المؤسسة الأم التي ستتولد عنها ثلاث مؤسسات أخرى أحدُها الحكومة المؤقتة. لم...

تحدي «استقلالية» قرار الثورة السورية

كثيرةٌ هي التحديات التي تواجه الثورة السورية، لكن تحدي الحفاظ على (الاستقلالية) بحساباتها وموازناتها الشاملة قد يكون أكثرهاً خطورةً وأهمية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الموقع الاستراتيجي لسوريا فإن التعامل مع هذا التحدي كان وسيبقى مهمةً...

الحكومة السورية المؤقتة: لماذا وكيف؟

كلما قلتُ متى موعدُنا ضحكت هندٌ وقالت بعد غد. قد يعبّر هذا البيت من الشعر العربي عن حال الثورة السورية مع معارضتها السياسية. فرغم المحاولات المختلفة للقيام بالدور المطلوب من قِبلها، لا تبدو هذه المعارضة...

«الهجرة» السورية الكبرى

يمكن وصف الثورة السورية بألف طريقة وطريقة، فهي تحمل في طياتها بحراً من المعاني سيأتي قريباً اليومُ الذي تظهر دلالاتهُ الحقيقية للناس. لكن وصف (الهجرة) قد يبدو في هذه المرحلة مُعبّراً عن واقع السوريين أكثر...

سوريا.. ولادةُ وطن

في عددها مطلع الأسبوع الماضي، نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية مقالاً بعنوان «سوريا، موت وطن». وعلى غلاف العدد، وضعت المجلة رسماً من ثلاثة أسطر يُعبّر عن دمار سوريا بشكلٍ تدريجي وصولاً نحو الخراب الكامل. بعدها بأيام،...