


عدد المقالات 269
هناك نقاش فلسفي وعلمي طويل بين من يرى أن التغيير الشامل السياسي يبدأ من الأعلى وبين من يقول: إنه يبدأ من الأسفل، الفريق الأول يرى أن التغير في رأس الهرم السياسي هو الطريقة الوحيدة للوصول إلى مقصد التغيير، وأنه من العبث محاولة تغيير الحالة السياسية من القواعد لأن النظام بأركانه سيظل متحكماً في العملية السياسية وبالتالي لن يسمح لأي قوى أن تهدد وجوده، فسيقمع أي تحرك شعبي صغير حتى لو كان على مستوى التوعية أو المطالب المحدودة، وبالتالي لن يسمح لأولئك الذين يريدون البدء بخطواتهم من الأسفل في الوصول إلى الأعلى، الفريق الثاني يرى أن التغيير من الأعلى محكوم بالفشل لأن الوصول إلى تغيير النظام السياسي وتقويمه لن يفضي إلى حالة تغيير شاملة واستقرار سياسي فطالما أن القواعد الشعبية ليست واعية بما يكفي لتمارس الحياة السياسية في مناخ ديموقراطي فلا يمكن أن يصمد نظام حكم رشيد أمام المصالح الضيقة لفئات ستستثمر قلة الوعي لدى الشعب في التأسيس لنظام شمولي نفعي جديد، وهكذا يستمر النقاش مع بروز كل تجربة تغيير في التاريخ.
العالم العربي يخوض اليوم تجربة التغيير السياسي في أقطار متعددة وبأشكال مختلفة ويمكن بسهولة مشاهدة حجج النقاش أعلاه تصرخ في وجهك مع كل تطور ميداني، ولكل حالة دلالاتها في هذا النقاش غير المنتهي، كتب أحدهم قبل فترة جملة بقصد التندر ربما ولكن كان لها ارتباط عميق بما نتحدث عنه، يقول «راهن مرسي على وعي الشعب المصري ففشل، وراهن السيسي على جهل الشعب فنجح» بطبيعة الحال ليس هذا تقييماً علمياً للوضع في مصر ولكن هناك مقاربة واقعية، لا يخفى على متابع أن قلة الوعي السياسي وانتشار الجهل والأمية في المجتمع المصري لعبت دوراً محورياً في تمكين الثورة المضادة والدولة العميقة من استرجاع السلطة في مصر لصالح نظام قمعي وبسهولة نسبياً، البعض بدا متفاجئاً من انبهار الكثير من المصريين بالسيسي وبالتأييد الواضح له في أوساط مصرية كثيرة ولكن في ظل حالة التجهيل التي عاشها الشعب المصري لعقود كان من الطبيعي أن تجد هذه الدولة العميقة التي تتحكم في الإعلام مؤيدين حتى من تلك الفئات المسحوقة في المجتمع من خلال استخدام الجهل كسلاح لكسب المتعاطفين.
ويبدو حسب بعض الأخبار التي انتشرت مؤخراً من اليمن أن القوى السياسية الثورية اليمنية أدركت هذه الحقيقة ولذلك تجنبت المواجهة مع قوات الحوثي التي اعتمدت هي الأخرى على الجهل والفقر لحشد المؤيدين لها، ويبدو أن القوى التي تقف وراء الثورة المضادة في اليمن كانت تتأمل وقوع مجازر في نزاع مسلح بين الطرفين لتبرر بعدها عودة القمع والطغيان كوسيلة للحفاظ على الأمن والاستقرار، إذا صح ذلك فالحكمة حقاً يمانية فبدلاً من التضحية بشبابها وقياداتها في معركة خاسرة فضلت القوى الثورية في اليمن ترك المشهد يتداعى وتفويت الفرصة على من يريد خضب أيادي الثورة الطاهرة بالدماء.
النظر بواقعية إلى الحالة في العالم العربي سيؤدي بصاحبه إلى نتيجة واحدة وهي أن تجربة الربيع العربي بحلوها ومرها تشارف على الانتهاء لصالح العودة إلى المربع الأول مع بعض التحسينات الطفيفة هنا وهناك وربما نموذج ناجح نسبياً في دولة أو دولتين، الحالمون بعالم عربي ديمقراطي مستقر ومزدهر أمامهم اليوم طريقان، إما الاستمرار في الحشد لصالح مكتسبات الربيع العربي والتضحية بالمزيد من الغالي والنفيس في معركة لم تعد نتيجتها مبشرة أو الانسحاب التكتيكي من الشارع والعودة إلى الحاضنة الاجتماعية، أظن أن الحالة الآن تتطلب درجة عالية من الوعي لدى قيادات العمل الميداني فالحفاظ على مكتسبات الربيع العربي يتطلب الاعتراف بالهزيمة في هذه المعركة حتى يبقى من سيتمكن من خوض المعركة القادمة، الإصلاحيون اليوم من العرب بحاجة إلى العمل على تطوير القواعد الشعبية وخوض تجربة التغيير من الأسفل وهذه المرة مع استحضار نموذج الثورات العربية لدى الشعوب، الشعوب العربية كما أفادت التجربة بحاجة إلى الكثير من التوعية والتعليم والتثقيف حتى تكون مؤهلة لحماية أي عمل ثوري أو تغيير سياسي يقوم مستقبلاً من انقضاض الفاسدين عليه، مجتمعاتنا بحاجة إلى إعادة إنتاج معرفية لتتجاوز حالة الضياع التي نعيشها وعلى كل من يطمح للإصلاح أن يقدر أن المرحلة الآن هي مرحلة إعداد لفرصة تاريخية قادمة.
• majedalansari@hotmail.com
@majedalansari
منذ عام 2006 بدأت في مجال التحليل السياسي، من خلال صفحات الجرائد المحلية المختلفة، ومنذ ذلك الحين التزمت بمقال أسبوعي يركز غالباً على التعليق على الأحداث الراهنة، أو مناقشة موضوع سياسي عام، مرت هذه التجربة...
بنجاح أكبر من الذي توقعته استطلاعات الرأي، عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، ليقطع الطريق على من أراد أن يشكك في استمرار شعبيته في بلاده. وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة والتلاعب...
مذ عرّفني أحد الأصدقاء على قصيدة تميم البرغوثي عن القدس، دأبت على الاستماع إليها بين الفينة والأخرى، لا شك لجمالها أولاً، ولكن كذلك لأنها تنقلني إلى حالة شعورية مختلفة حول المدينة القديمة، أشعر وكأنني أمشي...
في الإنجليزية، إذا أردت أن تصف أشخاصاً يتقاتلون بطريقة صبيانية، فبإمكانك استخدام مصطلح «أطفال بألعاب»، في إشارة إلى أن أولئك الذين تتحدث عنهم يتصرفون كأطفال يتنازعون ألعاباً لا كأشخاص ناضجين.. العالم اليوم يكثر فيه من...
ستة أشهر كانت كفيلة ببث روح جديدة في الجسد القطري بعثها التحدي الأكبر الذي واجه البلاد في تاريخها، في هذه الأشهر الستة انطلقت قطر نحو المستقبل بخطى ثابتة والتحم الشعبي مع الرسمي لرسم لوحة مشرقة...
آلة السياسة في واشنطن شديدة التعقيد، من حيث التركيب والأنظمة، فنظام التوازن والرقابة الذي يعطي كل سلطة صلاحية رقابية على الأخرى، ويجعل الصلاحيات متوازنة بينها، أورث نظاماً معقداً، ولكنه يعمل بكفاءة عالية، هذا النظام تعرّض...
أثارت كوريا الشمالية الرعب في محيطها الإقليمي والعالم أجمع بتصعيد تجاربها النووية والصاروخية، وحسب الخبراء العسكريين يمكن أن تصبح قريباً «الدولة المارقة»، كما يسميها ترمب، قادرة على تركيب رأس نووي على صاروخ متجه إلى الساحل...
الأنشطة الثقافية للمؤسسات الخيرية هنا في قطر كانت وما زالت أكثر قدرة على جذب الجماهير من مثيلاتها الرسمية، ويعود ذلك لمجموعة من الأسباب، أهمها الطبيعة التطوعية لهذه الأنشطة، وما يحققه ذلك من إبداع ومرونة وحماس،...
حطت طائرة الرئيس الأميركي على أرض فلسطين ليكون أول مؤتمر صحافي له بجوار طائرته مناسبة جديدة يذكر فيها بالتزامه التام بأمن الكيان الصهيوني، بعد أن أمضى الأيام الماضية في التأكيد على رؤيته حيال «الإرهاب الإسلامي»...
الثورة الاقتصادية الصينية التي دفعت بالصين من دولة مقسمة محتلة إلى أحد أقوى اقتصادات العالم استفادت بشكل كبير من المبدأ الذي وضعه باني نهضة الصين الاقتصادية الحديثة شياوبنج وهو رئيس الصين الثاني بعد ماو تسي...
احتفل قطاع كبير من الفرنسيين، ومعهم المعتدلون في أوروبا، والعالم الغربي بخسارة لوبين، وفوز ماكرون خلال الأيام الماضية، متجاوزين تهديداً آخر من اليمين المتطرف الأوروبي، وبذلك تتبدد أحلام اليمين المتطرف في القارة العجوز في أن...
خلال الشهور القليلة الماضية تغيرت الأوضاع في قطبين من أهم الأقطاب السياسية في المنطقة بشكل كامل، خلال الأعوام الماضية بدا أن النظام الإيراني يحكم قبضته على محيطه الداخلي والخارجي، وفي مقابل ذلك بدا أن الإدارة...