alsharq

عبد العزيز الحيص

عدد المقالات 81

مجتمع ما بعد العنف

28 ديسمبر 2015 , 01:27ص
لم تكن سنوات العنف التي يشهدها العالم العربي اختيارا من أحد، ولا إنهاؤها باختيار من أحد. ظاهرة العنف في المجتمعات الحديثة ظاهرة معقدة، ومتنوعة الوجوه، فهناك عنف الجماعات المسلحة، وعنف الفئات المجتمعية ضد بعضها البعض، وعنف الدولة، وكذلك الجماعات المؤدلجة العابرة للحدود. المؤسف أن مجتمع الدولة الواحدة هو الخاسر من مرور سحابة العنف حتى بعد انتهائها. نتأمل حالة العنف اليوم في بعض المجتمعات العربية، ومن الصعب علينا تخيل كيف لهذه المجتمعات أن تتجاوز حالة العنف التي قسّمت المجتمع، وأعقبت ثأرات عميقة ومتبادلة. غياب القدرة الدولية على ضبط العنف وإنهاء أسبابه، بل وفي لعب دور في تأجيجه أحيانا، أسهم في ازدهار العنف وبقائه كحل سياسي. منذ الستينيات انتشرت في العالم حركات اللاعنف، وكان لها تأثير مهم، لكن العنف وعلى الدوام كان خيارات للجماعات التي رأت أن العنف وحده يكون الخيار المفيد. يكفينا أن نتأمل اللاعبين من خارج الدولة المشهورين حاليا في العالم العربي، فهم ليسوا أحزابا ولا كيانات سياسية، بل جماعات العنف المسلح مثل الحوثي وتنظيم الدولة، وقد أتوا بسبب عنف الدولة الطائفي كما في حالة العراق، أو دعم خارجي من إيران كما في حالة الحوثي.
رغما عن الجميع، ومع أن العنف قد انخفض بين الدول وفي المجال الدولي، إلا أنه أثبت فعاليته في الشؤون الداخلية. الأغلبية العظمى من أزمات العنف والحروب في العالم داخلية. أشارت إحدى الدراسات أنه بين عامي 1989 و2006، تم تسجيل 122 نزاعا مسلحا في العالم، و115 من هذه النزاعات كانت حروبا داخلية. هذا العنف الداخلي تجد فيه الدول الكبرى محل نزاع استراتيجي وتسويات، وتعمل على استمراره كما في حالة سوريا اليوم. وهو يتضمن حالات نزاع طائفي واثني ومناطقي وأيدولوجي يفصل أبناء البلدة الواحدة، ولاحقا سنجد القوى الخارجية والنظام الديكتاتوري تؤكد على تقسيم البلد، نتيجة لانهيار المجتمع وتناحره، ويستخدمون المجتمع كسبب، بينما هو نتيجة من عندهم.
ولم يحدث أن أعقبت الثورات المسلحة ديمقراطية، عدا مثال ألمانيا 1918. يؤكد علم الاجتماع السياسي أن الديمقراطية تهدئ وتُخضع النزاعات، كما فعلت الموجات الديمقراطية في تسعينيات وأوائل القرن العشرين، ولذا تقل فرص الثورة أو العنف. ولكن دون وجود الديمقراطية، سيظل سقف التوقعات مفتوحا على الدوام. إن غياب الجانب السياسي وفشله في الحالات المتأزمة عربيا، سببه أن العنف مثل خيارا أقوى للفرقاء، وما لم يتم حل هذه المعضلة، سيظل العنف مزدهرا، ومرتكزا في زوايا المشكلات.
لم يكن العنف لدى ماركس هدفا يتم من خلاله تغيير التاريخ، لكنه لاحظ أن ظهور مجتمع جديد يسبقه وجود العنف في ذلك المجتمع. لا يعني هذا أن ولادة المجتمع قد تمت بسبب هذا العنف، بل يشبهه بالآلام التي تسبق الولادة دون أن تكون الولادة ناتجة عنها. صفحات التاريخ ملأى بمجتمعات تجاوزت العنف، وتصالحت معه كحقبة مضت من تاريخها. مجتمعات ما بعد الحرب العالمية الثانية، أو الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية، ولدت بثقافة جديدة. تبنى الأميركان البراجماتية كفلسفة وثقافة مجتمعية، وتخففوا من الأيدولوجيا، لأنهم بعد الحرب الأهلية ظلوا يسألون: لمَ فعلنا ما فعلنا؟ وهل كان الأمر يستحق فناء ستمئة ألف من أبناء وأفراد وأطفال المجتمع؟ (وهذا الرقم يعادل مقتل ثمانية ملايين قياسا لتعداد سكان اليوم)! وآمل العودة لاحقا لمناقشة بعض تجارب المجتمعات في تجاوز العنف ومآسي الحرب الأهلية، والمضي إلى الأمام، مثل التجربة الأيرلندية اللافتة. وهي تجارب مفيدة لنا في العالم العربي، الذي يعيش هذه النزاعات المريرة اليوم.
إن العجز السياسي في العالم العربي، وضعف المغريات والآليات والمخرجات السياسية المقنعة، هو سبب اللجوء المتزايد إلى العنف. كمجتمعات، لقد خسرنا السياسة العربية لقرون، وفي محاولة استردادها اليوم، نرى الأمر ارتد على المجتمعات وأصبح مهددا لبقائها. الاحتراب المجتمعي لو استمر فلن يقسم الدول إلى دويلات فقط، بل إلى مجرد دكاكين. إن ما يحدث في العالم العربي يقود كل يوم إلى مزيد من العنف، وسبب ذلك تبدل الأدوار، والدفع إلى تغيير بنية السلطة العربية عموما من الأنظمة الشمولية إلى الديمقراطية. في آخر كتابها «في العنف»، كتبت حنه أرندت: ينبغي علينا أن نعرف أن كل انحطاط يصيب السلطة، إنما هو دعوة مفتوحة للعنف. الشعور بأن السلطة تتفلت من بين أيديهم، يصعّب عليهم إغراء استبدال السلطة بالعنف.

• Azizf303@gmail.com
وداعاً «في العمق»

قبل أيام تم بث الحلقة الأخيرة من برنامج «في العمق» على قناة الجزيرة، بعد إطلالة البرنامج الأسبوعية منذ العام 2009، وعلى مدى سبع سنوات. حين قدمت إلى العمل في البرنامج قبل سنوات، كان الأمر صعبا،...

الفرد ومشاكله المالية

أجدادنا في السابق كان الكثير منهم مبادرين في تدبر وكسب قوتهم، في أمر مشابه لمن يسمون اليوم بالأنتروبنورز، أو رواد المشاريع والمعتمدين بشكل جدي على ذواتهم. تدبر المعاش والرزق كان مهمة يومية جادة. وبعد تشكل...

السعودية وقانون جاستا

لأول مرة يُسقط الكونجرس الأميركي فيتو لأوباما، وذلك في تصويت مجلس الكونجرس الأميركي حول قانون «العدالة مع رعاة الإرهاب» المسمّى جاستا JASTA. تمرير هذا القانون بلا شك سيعمل على زعزعة علاقة متينة بين البلدين استمرت...

جيجك واللاجئون

السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك...

خوف في الشبكات الاجتماعية

الشبكات الاجتماعية حقول متنوعة، ساعدت الناس على الانطلاق، ونشر الرأي والمعلومة، ودعمت ظهور الأفكار وحرية التعبير عنها. لكن يبقى بعد كل هذا المدح الذي تم سبكه لأجل الشبكات الاجتماعية، أن نتدارك الأمر قليلا، ونعرف أن...

تركة العدناني

بعد مقتل استراتيجي تنظيم الدولة والمتحدث باسمها، أبي محمد العدناني، الأسبوع الماضي، يستمر مسلسل خسارات تنظيم الدولة، فبجانب خسارة الأراضي والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد عليه، قُتل أكثر من عشرة قياديين بارزين للتنظيم في مجلس الشورى...

ذاكرة الكراهية

ذاكرة البشر محدودة وقصيرة، وإن كانت هذه الذاكرة مشغولة بالكراهية فماذا سيبقى منها لصنع حاضر أفضل؟ حضور الكراهية الدائم في الذهن يعني إعادة إنتاج الواقع وفق تصور هذه الذاكرة، وهذا يصعب الأمر خصوصا على المجتمعات...

مجتمع النظام الأبوي

مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب...

القبيلة

الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها...

أميركا بين الديمقراطية والانقلاب

تصدير الديمقراطية سلعة أميركية، والانقلاب عليها أيضا سلعة أميركية بامتياز. في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الملف الأميركي واضحاً في دعم الانقلابات حول العالم، ويعدد ويليام بلوم في كتابه «قتل الأمل»، ما يقارب أربعين...

وحش النقد

في العادة، لا يذهب الناس عميقا في نقاشاتهم الجماعية أو الثنائية، لأنهم يخشون النقد ويتجنبونه. حضور النقد قد يأخذ الحديث إلى منحى آخر، وإلى هجوم متبادل وصراع. وفي عالم الإنترنت اليوم، كثرت الأحاديث وصراعات الرأي...

الانقلاب والديمقراطية

لا تكمن ميزة الديمقراطية في أنها فقط قد تحقق للمرء ما يريد، بل أيضاً أنها تعوّد المرء على قبول ما لا يريد. في عام 2008 حين قدم أوباما للسلطة في الولايات المتحدة، أذكر أن طالبا...