alsharq

منبر الحرية

عدد المقالات 129

حقوق الإنسان: بين المنظومة الأخلاقية للفرد والمنظومة القانونية للمجتمع

27 أبريل 2012 , 12:00ص

إذا أراد المرء أن يناصر مجتمعا حرا فعليه أن يدرك بأن هذا المجتمع يرتكز على أساس لا غنى عنه، وهو مبدأ الحقوق الفردية. وإذا أراد المرء أن يساند الحقوق الفردية فعليه أن يدرك بأن الرأسمالية هي النظام الوحيد الذي يمكنه مساندتها وحمايتها. وإذا أراد المرء أن يعرف مدى العلاقة بين الحرية والأهداف الحالية للمثقفين، فيمكنه أن يعتمد على حقيقة مفادها أن مفهوم الحقوق الفردية يتعرض للتهرب والتشويه والتضليل ونادرا ما تتم مناقشته في أوساط من يدعون «بالمحافظيين» بشكل خاص. إن «الحقوق» مفهوم أخلاقي يقدم انتقالا منطقيا من المبادئ التي توجه تصرفات المرء إلى المبادئ التي توجه علاقته مع الآخرين، وهو مفهوم يحافظ على الأخلاقيات الفردية ويحميها في سياق اجتماعي، وهو الصلة ما بين المنظومة الأخلاقية للفرد والمنظومة القانونية للمجتمع، وما بين الأخلاق والسياسة، وبعبارة موجزة: الحقوق الفردية هي وسيلة إخضاع المجتمع إلى قانون أخلاقي. يتأسس كل نظام سياسي على منظومة أخلاقية معينة، وقد سيطرت على تاريخ البشرية منظومة أخلاقية متنوعة الأشكال ولكنها تعتمد في جوهرها على قاعدة (الإيثار والجماعة) التي أخضعت الفرد إلى سلطة عليا، سواء أكانت روحية أم اجتماعية، ونتج عن ذلك أن معظم الأنظمة السياسية كانت مجرد أشكال متنوعة للطغيان الدولاني نفسه، ولا تختلف عن بعضها البعض إلا بالشدة، لا بالمبدأ الأساسي؛ واستمرت هذه الأنظمة عبر الزمن ولم تكن لتتوقف لولا حالات استثنائية مرت بها بفعل التقاليد والفوضى والصراعات الدموية والانهيار من حين لآخر. وكانت الأخلاق في هذه الأنظمة منظومة قابلة للتطبيق على مستوى الفرد، لا المجتمع؛ حيث وُضع المجتمع (خارج) القانون الأخلاقي باعتباره رمزا أو مصدرا أو مفسرا حصريا له، وتم تلقين الناس بأن واجب الإخلاص والتضحية بالنفس للمجتمع هو الهدف الأسمى للأخلاق خلال وجود الإنسان في هذه الدنيا. وبما أن «المجتمع» ليس كيانا حقيقيا، وإنما هو عدد من الأفراد؛ فقد أدى ذلك في الواقع إلى أن يكون قادة المجتمع مستثنين من القانون الأخلاقي؛ وبما أنهم لا يخضعون لغير العادات والتقاليد فقد تمتعوا بسلطة كاملة فرضت الطاعة العمياء ضمن مبدأ ضمني مفاده: «الصالح هو ما يصلح للمجتمع (أو القبيلة، العرق، الأمة)، وما أوامر الحاكم إلا صوت المجتمع على أرض الواقع». ويصح هذا في كافة الأنظمة الدولانية، إن كافة هذه الأنظمة السياسية كانت تعبيرا عن الأخلاقيات (الإيثارية الجماعية)، وتجمع بينها صفة مميزة تتمثل في حقيقة مفادها أولوية المجتمع على القانون الأخلاقي ككيان يستهويه الطغيان والسيادة والنزوات، وبالتالي فهذه الأنظمة جميعها تعتبر، من الناحية السياسية، أشكالا متنوعة لمجتمع واحد عديم الأخلاق. لقد كان (إخضاع المجتمع إلى قانون أخلاقي) أهم إنجاز ثوري قامت به الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث مثّل مبدأ الحقوق الفردية للإنسان امتداد يد الأخلاق لتطال النظام الاجتماعي. ومن خلال الحد من سلطة الدولة، وحماية الإنسان من همجية قوة الجماعة، وإخضاع «الجبروت» إلى «الحق»، أصبحت الولايات المتحدة أول مجتمع أخلاقي في التاريخ. اعتبرت الأنظمة السابقة جميعها الإنسان بمثابة وسيلة يمكن التضحية بها لتنفيذ غايات الآخرين، والمجتمع الذي هو غاية بحد ذاته؛ أما الولايات المتحدة فقد اعتبرت الإنسان غاية بحد ذاته، والمجتمع كوسيلة لتحقيق تعايش الأفراد بشكل مسالم ومنظم وطوعي. وكل الأنظمة السابقة اعتبرت حياة المرء ملكا للمجتمع وأن المجتمع يمكنه التصرف بها بالطريقة التي يشاء، وأن أية حرية يتمتع بها ما هي إلا منّة من المجتمع يسمح بها حين يشاء، ويبطلها حين يشاء؛ أما الولايات المتحدة فاعتبرت حياة المرء ملكا له كحق من حقوقه (بمعنى المبدأ الأخلاقي والطبيعة البشرية)، وأن حق المرء ملكية فردية، وبهذا لا يكون للمجتمع أية حقوق، وأن الهدف الأخلاقي الوحيد للحكومة يتمثل في حماية الحقوق الفردية. إن «الحق» مبدأ أخلاقي يعرّف ويصادق على حرية تصرف المرء ضمن السياق الاجتماعي. وهنالك حق أساسي (وحيد) فحسب (وكل ما عداه نتائج له)، وهو حق الإنسان في الحياة. إن الحياة عملية تتم فيها فعاليات للدعم والإنتاج على مستوى الذات، وهذا يعني: حرية اتخاذ كافة التصرفات اللازمة التي تقتضيها طبيعة الكائن العاقل لتوفير ما يلزم حياته الخاصة به من دعم وتطوير وإنجاز ومتعة. (وكذلك هو معنى الحق بالحياة والحرية والسعي إلى السعادة). ويرتبط مفهوم «الحق» ارتباطا مباشرا بتصرفات الإنسان، وبالأخص: حرية التصرف؛ وهي تعني التحرر من استخدام القوة للحث أو الإجبار أو التدخل ضد الآخرين؛ ومن هنا يكون الحق، بالنسبة لجميع الأفراد، إقرارا أخلاقيا للشخص (الموجب)، أي: حريته في التصرف وفق تقييمه الخاص، ومن أجل أهدافه الخاصة، وباستخدام خياره الخاص (الطوعي ودون إكراه). أما بالنسبة للمحيطين بهذا الشخص، فإن حقوقه لا تلزمهم بأية التزامات ما عدا (السالبة) منها، أي: الامتناع عن انتهاك حقوقه. ويعتبر حق الحياة مصدر الحقوق جميعها، وحق الملكية هو التطبيق الوحيد لها جميعا؛ ومن دون حقوق الملكية لا يمكن للحقوق الأخرى أن تكون ممكنة؛ وبما أن الإنسان يجب عليه أن يستمر بحياته اعتمادا على جهده الخاص، فإن من لا يملك حق ملكية نتاج جهده يفتقر إلى وسيلة الاستمرار في الحياة، والإنسان الذي ينتج بينما يتصرف الآخرون بإنتاجه، هو عبد ولا ريب. إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن حق الملكية هو حق اتخاذ التصرفات، فهو كأي حق آخر: ليسا حقا (بشيء)، وإنما هو حق بالتصرف وبنتائج إنتاج أو اكتساب ذلك (الشيء)، وهو ليس ضمانة للمرء بأنه (سوف) يكتسب ملكية ما، وإنما مجرد ضمانة بأنه سوف يمتلكها إذا اكتسبها؛ فهو حق اكتساب الأمور المادية، والاحتفاظ بها، واستعمالها، والتصرف بها. إن مفهوم الحقوق الفردية حديث جدا في مسيرة التاريخ البشري إلى درجة نلاحظ معها أن معظم الناس لم يستوعبوها بشكل كامل إلى يومنا هذا؛ فبحسب النظريتين الأخلاقيتين الروحية والاجتماعية يشدد البعض على أن الحقوق هبة من الرب، ويشدد آخرون على أنها هبة من المجتمع؛ ولكن الحقيقة تقول بأن مصدر الحقوق ينبثق من الطبيعة البشرية. «إن مصدر حقوق الإنسان لا ينبع من قانون يأتي من السماء أو من قبة الكونغرس الأمريكي، وإنما من قانون الهوية؛ حيث (س = س) دائما، والإنسان هو الإنسان دائما؛ والحقوق شروط للوجود تقتضيها الطبيعة البشرية لتحقيق بقاء الإنسان بشكل مناسب؛ فحينما يتعين على الإنسان أن يعيش على كوكب الأرض، فمن (حقه) أن يستعمل عقله، ومن (حقه) أن يتصرف بحسب تقييمه الحر، ومن (حقه) أن يعمل لصالح قيَمه العليا وأن يحتفظ بنتاج عمله. ومن تكون الحياة على الأرض هدفا له، يكون من (حقه) أن يعيش باعتباره كائنا عقلانيا: فالطبيعة تحظر عليه أن لا يكون عقلانيا.» (أطلس يستريح) إن انتهاك حقوق الإنسان يعني إجباره على التصرف بعكس ما يرتئيه تقييمه الخاص، أو مصادرة قيمه العليا؛ ولفعل ذلك توجد طريقة أساسية واحدة: استخدام القوة المادية. وهنالك عنصران اثنان يمكن استخدامهما لانتهاك حقوق الإنسان: المجرمون والحكومة. وقد تمثل الإنجاز الأعظم للولايات المتحدة في رسم حد فاصل يميز بين هذين العنصرين، وهو منع العنصر الثاني من أن يصبح نسخة مشروعة لنشاطات العنصر الأول. وقد وضع إعلان الاستقلال مبدأً مفاده أنه «لحماية هذه الحقوق تم تأسيس الحكومات بين الناس»، وقد قدم هذا النص التبرير المقبول الوحيد لوجود الحكومة وحدد الهدف الوحيد الذي يلائمها: وهو حماية حقوق الإنسان من خلال حمايته من العنف المادي. وهكذا تم تغيير وظيفة الحكومة من دور الحاكم إلى دور الخادم؛ حيث تم وضعها لحماية المرء من المجرمين، وتمت كتابة الدستور لحماية الإنسان من الحكومة، كما إن (وثيقة الحقوق) لم تكن موجهة ضد المواطن الفرد، وإنما ضد الحكومة كإعلان صريح بأن حقوق الفرد تتقدم على أية قوة شعبية أو اجتماعية أخرى. نتج عن ذلك نمط اجتماعي متحضر اقتربت أمريكا من تحقيقه خلال حقبة زمنية قاربت قرنا ونصف القرن. والمجتمع المتحضر هو مجتمع يُحظر فيه على القوة المادية أن تتدخل في العلاقات البشرية، وتلعب فيه الحكومة دور الشرطي الذي يستعمل القوة للرد (فقط) وضد من بدأ باستخدامها (فقط)؛ وهذا هو المعنى الأساسي الذي كان في نية الفلسفة السياسية الأمريكية، مضمَّنا في مبدأ الحقوق الفردية، ولكن لم تتم صياغته بشكل صريح، ولم يتم القبول به تماما، ولم يمارَس على نحو متكامل. لقد عانت أمريكا من تناقض داخلي يتمثل في الأخلاقيات (الإيثارية الجماعية)؛ فالإيثار يتضارب مع الحرية والرأسمالية والحقوق الفردية؛ إذ لا يمكن الجمع بين السعي إلى السعادة وبين الحالة المعنوية لحيوان «تضحوي». لقد كان مبدأ الحقوق الفردية هو الذي تمخض عن المجتمع الحر، كما إن تدمير الحقوق الفردية هو الذي أدى إلى تدمير الحرية. بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية» كاتبة أمريكية

مشروع فلسطيني جديد يواجه المشروع الصهيوني

مر على النكبة 66 عاماً، اختلطت فيها آلام اللجوء مع الكفاح والثورات وأحلام العودة. فالنكبة بصفتها عملية اقتلاع شملت مصادرة الأراضي والمنازل واحتلال المدن وتدمير مئات القرى وسط مجازر وتهجير جماعي ومنع السكان المواطنين من...

سيكولوجية الهدر عربياً

كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ...

سوريا إلى أين؟ بين إنكار السلطة الديكتاتورية.. وفشل المعارضة السورية (1/2)

درج النظام السوري على تأخير وتأجيل (بهدف إلغاء) استحقاقات الإصلاح السياسي، وكل ما يتصل به ويترتب عليه من متعلقات ومتطلبات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية إدارية، وما يترتب عليه من تنمية إنسانية حقيقية تتحقق من خلالها تجسيد...

أي مجتمع مدني في ظل الحراك العربي؟

لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف...

روحاني والسياسات الإيرانية القادمة

بعد أحداث طهران 2009 الدامية على إثر الانتخابات الإيرانية التي اتهم فيها المحافظون بالتزوير، وصعد الإصلاحيون -بقيادة حسين موسوي وكروبي- احتجاجاتهم مطالبين بإعادة الانتخابات التي قوبلت بالرفض القاطع من المحافظين الأمر الذي أثار شكوك الإصلاحيين...

مبادرة النيروز: درس تركي جديد للعرب

قدم أحفاد كمال أتاتورك – مرة أخرى – درسا جديدا من دروسهم للعرب، فبعد أن نجحوا في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وبناء المؤسسات التي أهلت دولة تركيا للالتحاق بنادي الديمقراطيات ( معدل دخل الفرد...

سوريا الحرية ستنهض من جديد (3/3)

.. شعب سوريا كما قلنا حضاري منفتح على الحياة والعصر، وعرف عنه تاريخياً وحضارياً، عشقه للعمل والإنتاج والتجارة والصناعة وغيرها من الأعمال.. وحضارة هذا البلد العريقة -وعمرها أكثر من7000 سنة- ضاربة الجذور في العمق التاريخي...

سوريا الحرية ستنهض من جديد (2)

باعتقادي أن التسوية السياسية الكبرى المتوازنة المنتظرة على طريق المؤتمرات والتفاوضات المرتقبة عاجلاً أم آجلاً (مع الأمل أن يكون للسوريين أنفسهم الدور الرئيسي في بنائها والوصول إليها) التي تحفظ حياة وكرامة المواطن-الفرد السوري، وتعيد أمن...

سوريا الحرية ستنهض من جديد(1)

لاشك بأن التغيير البناء والهادف هو من سمات وخصائص الأمم الناهضة التي تريد أن تتقدم وتتطور حياتها العمرانية البشرية والمجتمعية..وفي مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية عموماً المحمّلة بحمولات فكرية ومعرفية تاريخية شديدة الحضور والتأثير في الحاضر...

موقع المثقف العربي من «الربيع»

في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول إن صوت المثقف العربي خافت من جوانب عدة فبعد مرور حوالي سنتين على بدء هذا الربيع يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات...

التجربة الثورية العربية الجديدة (1/2)

يسهل نسبياً الانتقال من حكومة ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بواسطة الانتخاب، كما يسهل الانتقال من حكم ديكتاتوري إلى آخر مثله من خلال الانقلاب، إلا أن الثورات الشعبية التي لا تتضمن سيطرة جناح محدد على بقية...

التحول الديمقراطي التركي رؤية من الداخل

هبت رياح التغيير على بعض الأقطار العربية منذ ما يربو عن سنتين من الآن، فصار مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون يتردد على أكثر من لسان، وأضحى الالتحاق بنادي الديمقراطيات حلم الشعوب المنعتقة من نير النظم...