


عدد المقالات 129
في سبعينيات القرن الماضي تنبأ الأميركي ألفن توفلر بتحول جذري في طبيعة السلطة تبعا لتطور المجتمعات وقال في كتابه» صدمة المستقبل إن «الانتقال التاريخي من عالم ذي قسمين إلى عالم منقسم ثلاثة أقسام، يمكنه أن يثير في الأرض صراعات هائلة، من أجل السلطة، من حيث إن كل بلد يحاول أن يُقيم وضعه في البنية الجديدة ذات الثلاثة أدوار التي تلوح أمامه. ومن وراء إعادة التوزيع الضخمة جداً للسلطة، يلوح في الأفق تغير في دور المعرفة، ومعناها وطبيعتها». نبوءة صدمة المستقبل لم تتأخر كثيرا وانتقلت مجتمعات إنسانية عديدة من العهد الصناعي إلى مرحلة مجتمعات المعرفة وتغيرت مفاهيم اقتصادية واجتماعية وسياسية كثيرة، لكن أحدث تجليات صدمة المستقبل ترتبط بهذا المد الجارف من الثورات التي تشهدها المنطقة العربية بعد أن ظلت إلى وقت قريب مستبعدة من كل أشكال الحراك. تعددت المقاربات وتناقضت حول سبب الجمود. واختلف القائلون ما بين من يعزو ذلك إلى عوامل ثقافية ودينية ومن قائل بيد «الخارج المندسة» من استعمار وتبعية وغيرها. لا يهمنا الآن العودة إلى هذه المقاربات ومدى صدقيتها، بقدر ما يهمنا تأمل انطلاق ثورات عربية وجدت في وسائط الاتصال الجديدة سندها الرئيسي في وقت لم يكن يعر المراقبون كبير اهتمام لما يجري في هذه المجتمعات، ما دام كان ينظر إليها «كمجتمعات أغلبها لا يزال بالكاد لم يتخط مرحلة المجتمعات الزراعية على الأقل من ناحية البنيات الذهنية والثقافية». بفعل هذا التمثل السائد كان وقع المفاجأة كبيرا، وخرج من حيث لم يتوقع المراقبون فاعل تاريخي جديد إنه نظام متكامل من إنتاج المعلومة وتداولها واستهلاكها. منظومة التواصل الجديدة من إنترنت وشبكات اجتماعية وهواتف ذكية وفضائيات هدمت المفاهيم السائدة حول السلطة. وهنا نعود إلى «ألفن توفلر»، فإذا كانت مرتكزات السلطة حسبه هي «العنف والثروة والمعرفة» فإن القرن الواحد والعشرين سيصبح قرنا للمعرفة وأي سلطة لا تأخذ بعين الاعتبار هذه المتغيرات سيكون مآلها الزوال». وبسقوط القذافي والمآل المجهول لأسد سوريا، ومن قبله بن علي ومبارك يكون العالم فعلا بإزاء تغيير جذري في مفهوم السلطة وفشل التصورات التي تعتمد العنف مرتكزا لممارسة السلطة. وينكشف بالأساس أن المجتمعات العربية لم تتجاوز فقط نموذج السلطة القائم على العنف بل تجاوزت أيضا نموذج السلطة القائم على مرتكز الثروة. وإذا تركنا جانباً أنهار الدم التي أُريقت من أجل ما يحدث، فإن نظرة سريعة على مجريات الأحداث تكشف أن الشعوب لا تبغي فقط استبدال نظام بنظام، بل تريد بالأساس تحديث طريقة تنظيم حياة الأفراد، بل تبغي بصورة أكثر عمقاً، حرية أكثر في تداول وتنظيم المعرفة، بعيدا عن الرقابة والحجر عليها. إن وظيفة الأنظمة السياسية القائمة والتي نسفتها الثورات كانت تقوم على ما يشبه نظام الحزب الوحيد رغم ما يبدو في بعض الدول العربية من تعددية. نموذج الحزب الواحد، يقوم على مراقبة الاتصالات السياسية، والتضيق من تنوع الإعلام السياسي الذي يتداول في المجتمع، والحيلولة دون الأثر الارتجاعي feedback، ورفض الانفتاح على تصحيح أخطاء أولئك الذين يحتلون مراكز السلطة وعن تعقيد المشاكل. في وضعية كهذه يصبح من الصعب جداً على كل سلطة ملاحظة الأخطاء وتصحيحها؛ لأن نموذج الإعلامي السائد يعتمد على التطابق بين مختلف عناصره من القاعدة إلى القمة، بالطرق الوحيدة المرخص بها، وبمقدار ما تنزل الأوامر، بنفس الطرق. في معظم الدول العربية التي حدثت فيها الثورات يسود نموذج تداول المعلومة على الطريقة الرقابية التي كانت سائدة في البلاد الاشتراكية. يقوم هذا النموذج على الكذب، وتشويه الإعلام المضاد، أو منعه؛ وذلك لأنه كان من أعسر الأشياء وأخطرها، نقل أخبار سيئة. إن اختيار نموذج الرقابة الصارمة على المعرفة وتداول المعلومة تبعاً لمنطق نظام الحزب الواحد، يعني في الواقع، احتكار كل القرارات في شأن المعرفة. إن البيروقراطية الساحقة التي أقامتها الأنظمة العربية على النموذج الاشتراكي كانت وسيلة للتحكم في المعرفة وتضييق الخناق على الاتصالات، بحيث تقصرها على «طرق رسمية» جاعلة كل اتصال وكل تنظيم إعلامي شيئاً غير مشروع. وعلى هذا الأساس تضخمت الشرطة السرية، ووضعت الدولة يدها على وسائل الإعلام. وتصاعدت حملات وإرهاب المفكرين، وقمع الحريات الفنية. إنها إجراءات لا تعكس في النهاية سوى تصور متعجرف الذي يرى أن الذين يملكون السلطة يمتلكون حق تحديد ما يجب على الآخرين أن يعرفوه. هذه الخصائص المشتركة بين البلدان العربية تذكر بتلك النماذج الاشتراكية التي آلت إلى الانهيار. إنها خصائص تنظر إلى المجتمع كآلة للتوجيه، توجيه مطبق على المجتمع، والحياة، والاقتصاد والسياسة والإعلام بغباء ظاهر. وتصبح السلطة كآلة يريد العمال وهنا نقصد أنظمة الحكم: تحريكها وإشعال محركها وتبدأ هي، عندئذٍ، عملها دون أي حساب لما يجري في محيطها الخارجي. مقاربات مثل هذه، لا تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المجتمعات المعقدة والحركية. وإن النسق الإنساني الشديد التعقيد يمكن أن ينتج ما لا يمكن توقعه. إن المجتمعات تتغير وتضع الأنظمة أمام اختيارات صعبة أهمها أن زوالها يمكن أن يأتي في كل وقت وحين مهما استجارت بالحلول الدموية. لقد أثبتت الثورات أن الذين يراهنون على كسر شوكة الربيع العربي باستعمال العنف يوجدون خارج دائرة الوعي بالمتغيرات، فيما الحقيقة التي بدأت تتأسس من جديد مفادها أن نموذج السلطة القائم على العنف قد انتهت صلاحيته. وأن المواطن العربي حينما يفقد المعنى من خضوعه للسلطة، لا يمكن لأي قوة مهما كانت جرارة ودموية أن توقف رغبته الجارفة نحو الحرية. إن إفلاس المقاربات الأمنية يقود بالضرورة إلى إفلاس نموذج السلطة القائم على احتكار الثروة واستغلال النفوذ الاقتصادي؛ لأن هذا النموذج ما يلبث أن يتحول إلى عنف من درجة أعلى حينما تسيطر العلاقات الزبونية والمحسوبية وتتركز المصالح في يد أقلية فاسدة تمنع المنافسة الحرة مدعومة باستغلال النفوذ. ومع غياب الأطر المؤسساتية السليمة للتبادل واستقلالية القضاء يشرع الباب عاليا لمزيد من التدهور، بفعل تكلس إمكانات خلق الثروة والوفرة، واستتباعات ذلك على النسيج الاجتماعي والمستوى الاقتصادي. إن اللجوء إلى العنف والقوة ومحاولة دعم ذلك بالنفوذ المالي غير السليم دليل ليس فقط ضعف بل دليل على قراءة قاصرة للتطورات الحاصلة في تمثلات الأفراد لذواتهم ولعلاقاتهم ولدورهم في الوجود، وكل لجوء إلى العنف من أجل ممارسة السلطة يعتبر نموذجا أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه بدائي.. لماذا؟ لأن المجتمعات العربية وتحت وقع مُناخ عولمي قوي انتقلت بالقوة من مجتمعات زراعية أو حتى صناعية إلى مجتمعات أحببنا أو كرهنا معرفية. صار المواطن العربي منتجا ومستهلكا للمعلومة. ليس إنتاج واستهلاك المعلومة المتدفقة من شبكات الاتصال العولمية مجرد سلوك تواصلي فقط محايد. إنه أكثر من ذلك، إنه بناء جديد لمفهوم الإنسان حول ذاته. وهو في الوقت ذاته انفتاح متواصل على ما وصلته الإنسانية من تطور. وهنا لا نقصد التطور في شقه التقني بقدر ما نعني التطورات الحاصلة في مفهوم الإنسان وتعريفاته المرتبطة بالكرامة والحرية والوعي. أمام هذه التطورات ظلت نماذج السلطة العربية بدائية؛ لأنها لم تتطور مع تطور طبيعة المجتمعات. فإذا كانت المجتمعات الزراعية يلائمها العنف كوسيلة لاحتكار السلطة، والعهدة على السوسيولوجي الأميركي ألفن توفلر، فإن الحاكم العربي ظل وفيا لهذا العنف دون أن يفتح عينيه على درجة التطور الذي خضع له مجتمعه. وفي أحسن الحالات استبدلت الأنظمة العربية مرتكزاتها السلطوية من العنف إلى الثروة ومزجت بطريقة غرائبية بين السلطة والمال. فانفتح عالم الفساد على مصراعيه. أفرز تزاوج السلطة والمال في العالم العربي فئات طفيلية فاسدة تعتاش بطريقة غير طبيعية على مجهودات الآخرين وبفعل الاحتكار والسلوكات المافيوزية اختنقت في العالم العربي مساحات خلق الثروة. والنتيجة كانت ملايين المصريين من دون مأوى في القاهرة. وملايين أخرى مهمشة بالجنوب التونسي وغير قليل من «الحكرة» والمهانة والألم وقوارب الموت بكل من المغرب والجزائر وخنق للأنفاس بليبيا وسوريا والبقية الباقية أنظمة حكم تتدثر بأيديولوجيات ومسكنات إما قومية أو دينية أو ... المحاكمة المستمرة لمبارك واختفاء زين العابدين وسقوط القذافي المهين، ومن قبله صدام حسين، والمصير المجهول الذي ينتظر أسد سوريا وصالح اليمن تدعو الذين ما زالوا قائمين على كراسيهم الوثيرة بالتفكير سريعا في التحولات التي يشهدها العالم وتشهدها المجتمعات العربية. أما النموذج المثالي لسلطة المستقبل فلا بد أن يرتقي من العنف والثروة إلى المعرفة، وما عدا ذلك لن تدخل الأنظمة سواء التي ما زالت قائمة أو المرتقب قيامها في المستقبل سوى في أنفاق مظلمة من إعادة إنتاج الاستبداد، لكن طبيعة التغييرات ستجعل أمد عمر هذا الاستبداد قصيرا مهما غير من جلده وحاول التخفي ومحاولة التدثر واستحداث لعبة ديمقراطية تمويهية أو إصلاحات ترميمية لا تمس عمق نموذج السلطة السائد. • ينشر بالتعاون مع مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya.org
مر على النكبة 66 عاماً، اختلطت فيها آلام اللجوء مع الكفاح والثورات وأحلام العودة. فالنكبة بصفتها عملية اقتلاع شملت مصادرة الأراضي والمنازل واحتلال المدن وتدمير مئات القرى وسط مجازر وتهجير جماعي ومنع السكان المواطنين من...
كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ...
درج النظام السوري على تأخير وتأجيل (بهدف إلغاء) استحقاقات الإصلاح السياسي، وكل ما يتصل به ويترتب عليه من متعلقات ومتطلبات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية إدارية، وما يترتب عليه من تنمية إنسانية حقيقية تتحقق من خلالها تجسيد...
لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف...
بعد أحداث طهران 2009 الدامية على إثر الانتخابات الإيرانية التي اتهم فيها المحافظون بالتزوير، وصعد الإصلاحيون -بقيادة حسين موسوي وكروبي- احتجاجاتهم مطالبين بإعادة الانتخابات التي قوبلت بالرفض القاطع من المحافظين الأمر الذي أثار شكوك الإصلاحيين...
قدم أحفاد كمال أتاتورك – مرة أخرى – درسا جديدا من دروسهم للعرب، فبعد أن نجحوا في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وبناء المؤسسات التي أهلت دولة تركيا للالتحاق بنادي الديمقراطيات ( معدل دخل الفرد...
.. شعب سوريا كما قلنا حضاري منفتح على الحياة والعصر، وعرف عنه تاريخياً وحضارياً، عشقه للعمل والإنتاج والتجارة والصناعة وغيرها من الأعمال.. وحضارة هذا البلد العريقة -وعمرها أكثر من7000 سنة- ضاربة الجذور في العمق التاريخي...
باعتقادي أن التسوية السياسية الكبرى المتوازنة المنتظرة على طريق المؤتمرات والتفاوضات المرتقبة عاجلاً أم آجلاً (مع الأمل أن يكون للسوريين أنفسهم الدور الرئيسي في بنائها والوصول إليها) التي تحفظ حياة وكرامة المواطن-الفرد السوري، وتعيد أمن...
لاشك بأن التغيير البناء والهادف هو من سمات وخصائص الأمم الناهضة التي تريد أن تتقدم وتتطور حياتها العمرانية البشرية والمجتمعية..وفي مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية عموماً المحمّلة بحمولات فكرية ومعرفية تاريخية شديدة الحضور والتأثير في الحاضر...
في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول إن صوت المثقف العربي خافت من جوانب عدة فبعد مرور حوالي سنتين على بدء هذا الربيع يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات...
يسهل نسبياً الانتقال من حكومة ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بواسطة الانتخاب، كما يسهل الانتقال من حكم ديكتاتوري إلى آخر مثله من خلال الانقلاب، إلا أن الثورات الشعبية التي لا تتضمن سيطرة جناح محدد على بقية...
هبت رياح التغيير على بعض الأقطار العربية منذ ما يربو عن سنتين من الآن، فصار مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون يتردد على أكثر من لسان، وأضحى الالتحاق بنادي الديمقراطيات حلم الشعوب المنعتقة من نير النظم...