من يقرأ الدستور؟
25 فبراير 2013 , 12:00ص
كنت أتابع برنامجا وثائقيا تقدمه إحدى القنوات، حين سأل المذيع، المتحدث التونسي -ضيف الحلقة- عن الوحدة الاندماجية بين تونس وليبيا أيام الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، والرئيس الليبي السابق معمر القذافي، ويروي المتحدث أن بورقيبة فاجأ الجميع بمن فيهم رئيس وزرائه بفكرة الوحدة الاندماجية، وقد حاول المسؤولون التونسيون ثنيه عن الفكرة إلا أنه أصر على ذلك وعرض عليهم حسم الأمر باستفتاء الشعب التونسي على الوحدة مع ليبيا، وبعد الموافقه وبدء الاستعداد لذلك فوجئ الجميع بمن فيهم الرئيس أن الدستور التونسي ليس فيه ما يشير إلى إمكانية إجراء الاستفتاء، كما أنه لا يوجد قانون لتنظيم الاستفتاء ويبدو أن أحدا -بما فيهم بورقيبة- لم يقرأ الدستور!! فلجأ المعارضون إلى زوجة بورقيبة التي أقنعته بالعدول عن فكرة الوحدة مع القذافي.
ومثل ذلك حدث في اليمن فبعد أن بدأت الثورة وتزايد اشتعالها، أعلن الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح فرض حالة الطوارئ في البلاد لكنه اكتشف أنه لا يوجد قانون ينظم حالة الطوارئ!، فعدل عن ذلك وأنزل الجيش إلى الشوارع بدل فرض القانون الغائب!! ويبدو مرة أخرى أن الرئيس ومن حوله لم يقرؤوا الدستور أو القوانين، فإذا كان الرؤساء والمسؤولون لا يقرؤون الدساتير والقوانين، فماذا عن المواطن العربي العادي، هل نتصور أن يهتم بالدستور أو القانون، لقد أثبتت التجربة الأخيرة أن «العربي» لا يكترث لذلك رغم «هيصة» الإعلام التي بدت أثناء إعداد الدساتير في مصر وتونس مؤخرا، فأثناء الصراع على الدستور الجديد في مصر كانت وسائل الإعلام تنقل آراء بعض المواطنين حول الدستور الجديد، ويُلاحظ أن معظمهم لم يقرأ ولم يطلع على الدستور وإنما اكتفى بما تعرضه وسائل الإعلام وبنى على ذلك حكمه، ففي لقاء مع أحدهم سأله المذيع: ما رأيك في الدستور الجديد، فقال «ما ينفعش.. دا دستور باطل، مش ممكن نقبل بيه» فسأله المذيع: هل قرأت الدستور؟ فقال لا! إذا كيف حكمت على الدستور قال: بالسمَع!! أنا باسمع كويس وبفهم كويس!!، وبالمقابل سأل المذيع شخصا مؤيدا للدستور إن كان قرأه؟ فقال: أنا لم أقرأه بعد، لكن أكيد هو كويس!!، هذه الصور -رغم بساطتها- فإنها تشير إلى أن العربي لا يهتم بالقانون لأنه يشعر أن هذه الدساتير والقوانين يصوغها النخبة في غرف مغلقة ليطبقوها عليه بلا رأي ولا مشورة، ولذا ترسخت في مخيلة العربي أن الدساتير والقوانين صيغت ضده، لذا فالعربي -في الغالب- لا يحترم القانون والنظام بل يخافه، وتلك إحدى الإشكاليات التي تعيشها الثقافة العربية، فالتطور في الوعي لدى الإنسان العربي لم يحسم هذه القضية كما حسمها الإنسان الغربي الذي يرى في القانون سلاحاً بيده يدافع به عن حقوقه وكرامته وشخصيته وليس سيفاً مسلطاً على رقبته، ولذلك فهو يستطيع أن يستخدم القانون إذا انتهكت تلك الحقوق أو الوجبات، وبالمقابل يحرص على احترام هذا القانون لأن أي مخالفة للقانون أو إضعاف له أو تنازل عنه إنما هو إضعاف للسلاح الذي بيده وهو لا يريد أن يخسر هذا السلاح، وقد انعكست هذه الرؤية على سلوك الإنسان في الغرب من خلال صور مختلفة كالتزامه بالمواعيد (لأنها نظام وقانون)، وعدم تجاوز الآخرين في أي شأن من شؤونهم سواء كان ذلك في الشارع أو العمل وعدم اختراق الصفوف لأن لهؤلاء الواقفين في الصف حقا مثل حقه الذي يجب ألا يتجاوزه، وغير ذلك من الصور التي قد يبررها البعض بأنها خوف من العقاب وليست سلوكاً والتزاماً، ولكن حتى لو قبلنا بهذا التبرير فذلك لا يقلل من أهمية هذا السلوك المعبر عن احترام القانون، علماً أن كثيراً من هذه السلوكيات لا يترتب على مخالفتها عقاب قانوني وإنما رؤية اجتماعية سلبية، ورب قائل: إنه لو كان الأمر كذلك لما وجدنا نسب الجريمة المرتفعة في تلك المجتمعات، ولما شاعت بينهم المخالفات، وهذا أمر حقيقي، لكن فهمنا -هنا- لا يذهب إلى من يخالف القانون من النظام فتلك قضية أخرى لأن ارتكاب الجرائم لم يتوقف منذ قتل قابيل أخاه هابيل، بل إن نسبة ارتفاعها وانخفاضها ترتبط بكثير من الأسباب كالتربية وشدة العقوبة والبيئة الاجتماعية والأسباب الاقتصادية، وليس حديثنا عن الجريمة، لكن حديثنا عن الذين لا يرتكبون الجرائم ويحترمون القانون، هل يفعلون ذلك خوفاً أو التزاماً، أو كما يعبر عنه فقهاؤنا (رغباً أم رهبا)، والواقع أننا مهما ذهبنا نبحث عن ثغرات في رؤية الإنسان الغربي للقانون لن نستطيع أن ننفي أنه يحترم القانون ولا يخاف منه، ولعل من المواقف الدالة على ذلك أن إحدى المؤسسات الصحافية البريطانية قامت بإعداد دراسة ميدانية أثناء الانتخابات البرلمانية في إحدى الدورات الانتخابية، وكانت الدراسة تدور حول التزوير في الانتخابات وإمكانية حدوثها في بريطانيا، وكان رأي الغالبية العظمى ممن تم استقصاء آرائهم هو نفي إمكانية ذلك، لكن بعضهم كان يجيب عن السؤال بسؤال آخر وهو كيف يمكن أن تزوَّر الانتخابات!! إنه لا يتصور أن الانتخابات يمكن أن تُزَوّر!! ولماذا يزور الإنسان الانتخابات!! إن مثل هذا الموقف يقابله ذلك المشهد الذي ضحكنا منه في مسرحية (شاهد ما شافش حاجة) حين يقف الشاهد في المحكمة يرتعد من الخوف، لأنه دخل المحكمة علماً بأنه لم يكن متهماً ولا مجرماً بل جاء ليشهد، وفي ثقافتنا العربية لا يدخل المحكمة إلا مدع أو مدعى عليه!! وكلا الأمرين يدلان على مشكلة يجب أن يتجنب الوقوع فيها، فالقانون لا يمثل لدى الإنسان العربي قوة وسلاحا بيده يدافع به عن نفسه بل يمثل «السلطة» التي تملكه فهي التي تشرع القانون، وهي التي تطبقه أو تغيره أو تحجبه أو تعدله أو تلغيه أو تعطله أو تفعل به ما تشاء وهي «الحكومة» التي لها كامل الحرية في ذلك، وقد تختلف هذه الرؤية من بلد إلى بلد ومن موقع إلى موقع، لكن ثقافة الإنسان العربي قائمة على أن الحكومة وحدها التي تعلم حاجة الناس وما ينظمهم وما يحتاجونه من القوانين وما يحكم حياتهم، فهي التي تحدد مسارهم الحياتي في التعليم والعمل وتعلم عنهم كل شيء فهي إما الأب الحنون أو السيد المطاع، ولعلنا نرجع إلى تلك المسرحية السابقة ونستل منها هذا المشهد حين يقف الشاهد ويسأله وكيل النيابة عن اسمه ويتردد في ذكر اسمه خوفاً من أن يكون متهماً!! ويجيب على وكيل النيابة: انتوا بتعرفوا اسمي؟. نعرف اسمك إزاي.. مش انتو الحكومة.. أيوه.. ما الحكومة بتعرف كل حاجة حتى الأسامي، ويضحك الجمهور من ذلك المشهد، ولكن لا نعلم إن كان الجمهور يضحك على المشهد أم على جهله بالقانون؟!!