موت الطاغية
24 أكتوبر 2011 , 12:00ص
منذ أكثر من عشرين سنة رأيت كاريكاتيرا في صحيفة ليبية معارضة يصور شخصا يكنس أرض ليبيا من مخلفات القذافي الفكرية.. وفي مساء يوم الخميس الفائت تحقق حلم ذلك الرسام، وأصبح يوم الخميس العشرين من أكتوبر لعام الربيع العربي 2011 يوما تاريخيا في انتصار الشعوب على الطغيان العربي.. ففي ذلك اليوم سقط أبوجهل الحكام العرب الطاغية الأكبر معمر القذافي الذي بغى وطغى لزمن تجاوز الأربعين سنة.. ادعى فيها الحكمة وهو أبعد الناس عن حقيقتها.. وادعى العبقرية ومات كما يموت أبعد الناس عن العبقرية.
تناقضات القذافي كانت على كافة الصعد، فلم يسلم من ادعاء تفوقه مجال، حتى الشريعة الإسلامية خاض فيها على مزاجه لدرجة أن الدستور الليبي هو الدستور العربي الوحيد الذي يعتبر «القرآن» والقرآن فقط مصدر التشريع وهو بذلك لا يعتبر السنة من مصادر التشريع.. وحتى القرآن لم يسلم من شرِّه فالكل يعرف قوله بأن «قل» في سورة الصمد ليست للناس كافة وإنما هي صيغة مخاطبة للرسول لذلك لا ينبغي قراءتها.. وإنكاره للسنة وصل إلى أنه صلى بالناس مرة صلاة العصر ثلاث ركعات جهرا بدعوى أن عدد الركعات للصلوات لم يذكر في القرآن الذي هو مصدر التشريع الوحيد.. وهو لا يعترف بالتاريخ الهجري لأنه يعتبر الهجرة حدثا تاريخيا ليس بأهمية أحداث تاريخية أخرى في الإسلام مثل غزوة بدر ووفاة الرسول.. لهذا هو يؤرخ بشكل رسمي من وفاة الرسول.. وبهذا خالف الأوَّلين والآخرين.. لكل ذلك فإن فرحة الليبيين بزوال حكم ووجود هذا الطاغية -الذي كتم على أنفاسهم وجثم على قلوبهم 42 سنة عجفاء- لا تُتَصوَّر..
يقال إن من شروط إطلاق لقب الطاغية على شخص ما أنه لا يتعظ بالعِبَر التي تمر على سنوات حياته النكدة، ومن طبعه الانعزال عن الواقع حتى يقع الموت عليه، فهو يعيش في الخيال وينسى أن الواقع هو ما يقوم بنسج خيوط نهايته.
وعلى كثرة الروايات في طريقة وكيفية نهاية الدكتاتور القذافي فإن المهم في النهاية أنه قتل وانتهى عصر جماهيرية الخوف.. القذافي ادعى العظمة وكل تفاصيل القبض عليه ومن ثم قتله لا تشير إلى أن روح هذا الدكتاتور فيها من العظمة شيء يذكر..
فاللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد على الرضا ولك الحمد بعد الرضا على موت الطاغية الأرعن معمر القذافي، وتخليص الشعب الليبي من هذا العذاب الذي استمر طويلا حتى ناهز أربعة عقود، فهو -الله لا يرده ولا يأتي بمثله أو شبيهه- كان عميد الحكام العرب وادعى أنه ملك ملوك إفريقيا حتى أتاه الموت من مكان قريب.. والغريبة أن كل سنوات حكم القذافي كانت شريطا من السفاهات والتناقضات والتراجعات عن مكتسبات العهد الملكي السابق عليه وعن كل الوعود والعهود التي أطلقها هو بنفسه فلم يتحقق في النهاية منها إلا السراب، لدرجة أن القذافي قد جعل كل شيء أسوأ مما كان عليه في العهد الملكي، بدءاً من عدم توافر الماء وانتهاء بتراجع الإنتاج الصناعي.. ومن الحرية الشخصية إلى السياسة الخارجية، وهذا ما قالته فصلية الشرق الأوسط عند تقديمها لكتاب «القذافي وسياسة المتناقضات» للدكتور منصور عمر الكيخيا وهو من أحسن ما كتب عن عهد القذافي.. وحتى مشروع النهر الصناعي العظيم هناك الكثير من الشك في جدواه الاقتصادية بل هناك من صرح بأنه مشروع فاشل اقتصاديا الهدف من ورائه هدف سياسي يتمثل في تلميع صورة الدكتاتور وإضفاء الوقار على سياساته عديمة الجدوى..
وصدق الأستاذ محمد حسنين هيكل عندما شبَّه القذافي في كتاب له بـ «الحصان الهائج في محل ضيق للفخار الصيني»، فكل تحرك له سواء في حدود القُطر الليبي أو في المحيط الإقليمي أو الدولي لا يمكن وصفه إلا بالسياسات الرعناء.. وهذه السياسات الرعناء والتصرفات الهوجاء لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه من تجاوز لكل الحدود لولا كثرة المنافقين من حوله الذين يزينون له كل شذوذ وهؤلاء منهم من هو من رؤساء الدول ومنهم المفكر ومنهم الكاتب وغير ذلك من أصناف الناس، فمثلا انظر ماذا تقول دار نشر منافقة عند تقديمها للكتاب الأخضر المنسوب للطاغية معمر القذافي فهي تنافق بشكل سافر وتدفع الدكتاتور للمزيد من خداع نفسه والانخداع بنفسه حيث تقول «إن فكر معمر القذافي يفسر الحياة وينبثق من قلبها. من قلوب المعذبين والمقهورين. بشكل يفسر لنا تحول الفصل الأول من الكتاب الأخضر الذي بعنوان (حل مشكلة الديمقراطية /سلطة الشعب) إلى بداية حقيقية لعصر الجماهيريات. وتحول الفصل الثاني الذي بعنوان (حل المشكل الاقتصادي/الاشتراكية) إلى ثورة اقتصادية عالمية تدك الأبنية الاقتصادية القديمة لتنهار على رؤوس المستغلين. والفصل الثالث الذي بعنوان (الركن الاجتماعي/للنظرية العالمية الثالثة) هو من دون جدال بداية للثورة الاجتماعية حيث التفسير الحقيقي للتاريخ وحل مشكلة الرجل والمرأة التي لم تجد حلا»!!
انتهى النفاق الذي كان سببا من الأسباب التي جعلت من الطاغية القذافي أمثولة للتندر والسخرية من قبل الآخرين..
وزبدة القول: لقد مات القذافي فاقلب الصفحة. واكتب من أول السطر قصة نهاية الطاغية بشار الأسد أو الطاغية اليمني علي عبدالله صالح أيهما أسبق. وفي نهاية الفصل ابحث حولك هل هناك من طاغية مختفٍ
حتى تتم كتابة الخاتمة لباب «الربيع العربي»؟
والملاحظ أنه كلما سقط طاغية من طغاة العرب ازداد حماس الربيع العربي توهجا، وناره اشتعالا، وأوشك أن يعم بنوره الجميع من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر. والكيِّس من القيادات من اتعظ بغيره وابتعد عن دعوى «نحن غير...»، فالدعاوى إن لم تقم عليها بينات فأصحابها أدعياء. ومن البيِّنات فتح الباب أمام الشعوب للمشاركة الحقيقية في ثروة وسلطة أوطانها، حتى لا يأتي وقت وتردد هذه القيادات عبارة «ولات حين مناص». فهل من مدَّكِر؟ وصدق الله حين قال «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً»، فهل تعتبر هذه القيادات وترفع شعار كلمة سواء بينها وبين شعوبها بأن لا إقصاء للشعوب عن مراكز صنع القرار بعد اليوم. أم أن صور نهاية هؤلاء الحكام الذين استهانوا بشعوبهم فاستهانت بهم شعوبهم وخرجت عليهم في عز الظهيرة لم تصل إليهم..
والإسلام أعطى الإنسان حق تقرير مصيره بيده.. وهو مسؤول ومحاسَب عما يسفر عنه اختياره.. وذلك لأن الحرية من دون مسؤولية عبث والمسؤولية من دون حرية جبر واضطهاد.. فمن منكم يختار نهاية كنهاية القذافي بمحض إرادته وبكامل قواه العقلية..
وفي الأخير استغرب الزوبعة التي افتعلتها هيئة الأمم المتحدة في ملابسات موت القذافي ومطالبتها بفتح تحقيق في ظروف مقتله وهي تعلم أن الساحة ساحة معركة وأن الطاغية أعلنها مرارا وتكرارا أنه سوف يقاتل حتى النهاية ولن يستسلم لأحد.. أمّا كان الأجدر والأوْلى من الأمم المتحدة طلب التحقيق في ملابسات اغتيال الشيخ بن لادن ودفنه في عرض البحر أو اغتيال أنور العولقي الأميركي الجنسية من قبل القوات الأميركية بما يخالف ليس فقط الأعراف الدولية واتفاقيات جنيف الأربع وإنما حتى القانون الأميركي نفسه لأن القتل كان خارج نطاق الحروب ولشخص مدني كل موضوعه متعلق بالتعبير عما يعتقد أنه حق.. أم أن نشطاء التيار الإسلامي لا باكيَ عليهم في أروقة الأمم المتحدة!!
... والسلام.