الأربعاء 10 ربيع الثاني / 25 نوفمبر 2020
 / 
05:44 ص بتوقيت الدوحة

القشرة!!

د. سعيد حارب
من الطرائف التي كان العرب يتناقلونها أيام الدعوة للوحدة العربية، أن مظاهرة كانت تهتف للوحدة، ولشدة حماس أحد المتظاهرين فقد حمله زملاؤه على أكتافهم فارتفعت عقيرته بالهتاف بأن «الأمة العربية حتة واحدة»، وأثناء سير المظاهرة سرق أحدهم حذاءه، وما إن عرف المتظاهر ذلك حتى هتف من الغيظ: «الأمة العربية ستين حتة!!». ويبدو أن هذا ما نمر به في منطقتنا، فلأن بعضنا لم يعجبه رأي هنا أو كلمة هناك، صار يدعو للتفرقة والتشتت بين أبناء المنطقة، إذ بعد ثلاثين سنة من «التعاون الخليجي»، وغنائنا «خليجنا واحد.. ودربنا واحد»، لم يعد خليجنا كما كان، وتفرقت بنا الدروب، رغم الصور المنمقة التي تعرضها وسائل الإعلام لاجتماعات المسؤولين في دول الخليج العربي. وعلينا أن نعترف أن ما كان «يسترنا» هو «قشرة» من المجاملات التي كانت تظهرنا بصورة المجتمعات المترابطة والتي تسعى لبناء كيان مشترك يمكن أن يقف أمام التحديات التي تواجه المنطقة، أما الواقع فهو غير ذلك، والشقاق القائم ليس بين الحكومات هذه المرة، بل بين فئات وأفراد من المجتمع وجدت في الفضاء الإلكتروني وسيلة للانتقاص من الآخرين في الدول الأخرى وسبابهم وشتمهم، ليقابلهم الآخرون بمثل ذلك وربما أشد. لقد اصطلح الناس على تسمية تلك الوسائل بشبكات التواصل الاجتماعي، لكن البعض جعلها وسائل للتقاطع الاجتماعي، ويكفي أن تجلس لمدة ساعة أمام شبكة الإنترنت وتتجول في المواقع الإلكترونية كموقع تويتر وفيس بوك ويوتيوب، لترى الكم الهائل من حالة الشقاق التي يعيشها بعض أبناء المنطقة؛ فتغريدة واحدة أو هاشتاق كفيلة بإثارة مشاعر المئات الذين يتطوعون بالمشاركة والرد، وليت ذلك في مجال «التواصل الاجتماعي» لكنه في التعرض لأبناء تلك الدولة ومسؤوليها وعاداتها وحياتها، بل إلى الشؤون الشخصية لمن يردون عليه أو يهاجمونه، ولا يتردد أحدهم في الاستعانة بـ «الوسائل الإيضاحية!!» من الصور والوثائق والتسجيلات، وإنتاج المقاطع المصورة أو تركيبها أو دبلجتها، كما يمكن للشعراء أن يسهموا في هذه «الملحمة» الشعرية الهجائية، فينبري بعض الشعراء المجهولين أو المعروفين ليدبلج القصائد الفصيحة والعامية في «هجاء» من يخالفه والانتصار لقومه وعشيرته، وكأن «داحس والغبراء» بُعثت من جديد على شبكات الإنترنت، ولا بأس في ذلك من «اختراع» الأخبار ووضعها على بعض المواقع المجهولة ثم ترديدها حتى تصبح حقيقة ثابتة!! من أجل أن يبطلوا حجة خصمهم أو يسيئوا إليه أو إلى دولته أو مسؤوليه أو أهله أو قبيلته أو طائفته، فالمهم أن تصل الإساءة إلى أكبر عدد ممكن من الناس حتى تحقق «الهدف»، وكأنهم بذلك يقطعون كل حبال التواصل بين أبناء المنطقة الواحدة. إننا لا نريد أن نكرر حديثا مملا، لكن منطقتنا لم تشهد مثل هذا «التقاطع الاجتماعي» إلا في سنواتنا المتأخرة، وهي السنوات التي «يُفترض» فيها أن نكون قد ازددنا تلاحما وتقاربا وتعاونا، فإذا بنا نكتشف أن هناك تحت «القشرة» كمٌ هائل من الأحقاد والخلافات التاريخية والاجتماعية والطائفية التي يتم استدعاؤها هذه الأيام لمزيد من التمزيق بين أبناء المنطقة، دون أن يجد أحد وسيلة لإيقاف هذا السيل من معاول الهدم بين أبناء المنطقة، ورُب قائل إن هذه الظاهرة «محدودة» بين مجموعة من الناس ولا يمكن تعميمها، وذلك أمر حق، لكن الحق الآخر أن هذه الظاهرة في ازدياد يومي، فالباحث لا يجد مثل هذه الظاهرة قبل سنوات مضت، وربما بدلا من ذلك كان خطاب «التواصل» بين أبناء المنطقة هو السائد لا يشذ عنه إلا النادر القليل، أما الآن فلا يمكن للعين أو السمع أن يخطئ الظاهرة وتزايدها واتساع رقعتها ودخول أطراف وأدوات وأساليب وقضايا جديدة فيها، وما نعتبره قليلا قد يكبر إذا لم يتم تداركه وعلاجه، وقديما قال الشاعر: معظم النار من مستصغر الشرر. ولا يعلم أحد ما الأسباب والدوافع التي «أججت» هذه الظاهرة التي لم تقتصر على مجتمع أو دولة بل تمتد إلى معظم دول المنطقة، مما يشير إلى أننا أمام حالة اجتماعية تتغذى بالوقائع والأحداث التي تمر بها المنطقة أو تدور حولها، وانتصار كل طرف لرأيه دون أن توجد مساحة مشتركة بين الجميع يمكن لهم أن يلتقوا عليها ويتحاوروا من خلالها. إن أحدا لا يمكن أن يحجر على رأي أو فكرة، لكنه لا يمكن أن يوافق على أن يكون الرأي أو الفكرة وسيلة لتأجيج الصراع بين أبناء المنطقة ومجتمعاتها، وتحويل العلاقة بين أهلها إلى خلافات تباعد بينهم. لقد كان الأوائل من أبناء المنطقة، رغم ضعف إمكانات التواصل بينهم، أكثر قربا مما نحن عليه اليوم، واستطاعوا أن يؤسسوا لروابط واحدة بينهم، فلماذا عجزنا عن تكملة مسيرتهم، واستبدلناها بـ «قشرة» من المظاهر التي تُبدي صورتنا وكأننا مجتمعات متماسكة مترابطة بينما واقعنا غير ذلك. قد تبدوا هذه الصورة تشاؤمية أمام من يرى ظاهر الأمور، أما من يبحث فيما يجري تحت المياه الراكدة فإنه بلا شك يرى غير ذلك، مما يستدعي دراسة هذه الظاهرة وتحليلها وعلاجها قبل أن تستفحل في مجتمعاتنا. وما أصدق نصر بن سيار حين قال: أرى بين الرماد وميض نار.. وأخشى أن يكون له ضرام، فإن العود بالعودين يُذكى.. وإن الحرب مبدؤها الكلام، فإن لم يطفها عقلاء قوم.. يكون وقودها جثث وهام!!

اقرأ ايضا

الواقع.. وإرادة التغيير

29 يوليو 2013

تركيا.. عقد من التحولات

12 يونيو 2011

النواحون!!

29 أكتوبر 2012