


عدد المقالات 121
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء وأهل الفكر، وطريقته في النظر إلى قضايا الأمة. وقد أتاحت لي لقاءاتي به أن أرى جانباً من شخصيته لا يظهر دائماً في الوثائق والأخبار، كما أن قراره بتسليم الحكم عام 2013 يقدم مدخلاً مهماً لفهم رؤيته لاستمرار الدولة وتجدد قيادتها.
العلماء وأهل الفكر في مشروع الدولة
كان اهتمام الأمير الوالد، رحمه الله، بالعلماء والمفكرين جزءاً من المناخ الثقافي والفكري الذي عرفته قطر في عهده، فقد أصبحت الدوحة مكاناً تستضيف فيه المؤتمرات والندوات واللقاءات التي تجمع علماء ومفكرين وباحثين من بلدان ومدارس مختلفة، وتناقش فيها قضايا الفكر الإسلامي والفقه والاقتصاد والتعليم والأسرة والعمل الإنساني، إلى جانب القضايا السياسية والفكرية التي تشغل العالم العربي والإسلامي.
وكان من أبرز العلماء الذين ارتبطت حياتهم العلمية بقطر العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، رحمه الله، الذي عاش فيها منذ ستينيات القرن العشرين، وأسهم في مسيرتها العلمية والدعوية، وتولى عمادة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، كما أسس مركز بحوث السنة والسيرة النبوية، وترك إنتاجاً علمياً واسعاً امتد إلى مجالات الفقه والفكر والدعوة وقضايا الأمة.
وفي عام 2004 تأسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، واتخذ من الدوحة مقراً له، وانتخب الشيخ يوسف القرضاوي رئيساً له. وقد وفر وجود الاتحاد في قطر مساحة لاجتماع علماء من بلدان واتجاهات فكرية وفقهية متعددة، وكان من بين الشخصيات التي ارتبطت بمسيرته لاحقاً الدكتور علي محيي الدين القره داغي والدكتور أحمد الريسوني وغيرهما من العلماء والباحثين.
ولا ينبغي النظر إلى هذا الجانب بمعزل عن مشروع التعليم والثقافة الأوسع الذي شهدته قطر؛ فالدولة التي كانت تستثمر في الجامعات ومراكز البحث العلمي كانت، في الوقت نفسه، تفتح أبوابها للنقاش الفكري والحوار حول قضايا المجتمع والأمة. وقد كان لهذا المناخ أثر في جعل الدوحة محطة للقاء علماء ومفكرين وباحثين من العالم العربي والإسلامي.
الأمير الوالد كما عرفته
ومن خلال ما جمعني بالأمير الوالد، رحمه الله، في عدد من اللقاءات والجلسات، أستطيع أن أقول إن اهتمامه بالتاريخ والفكر لم يكن اهتماماً عابراً. كان متابعاً لتاريخ الأمة العربية والإسلامية، مهتماً بسير القادة والمصلحين، ويسأل عن أسباب قيام الدول وضعفها، وعن التجارب التي يمكن الاستفادة منها في فهم الواقع وبناء المستقبل.
وكان ما يلفتني في تلك المجالس أنه لا يتعامل مع التاريخ باعتباره مجموعة من الحوادث الماضية التي تُروى، وإنما كان يبحث عما وراء الحادثة نفسها: لماذا نجحت هذه التجربة؟ ولماذا أخفقت أخرى؟ وكيف حافظت بعض الدول على وحدتها بينما دخلت دول أخرى في الصراعات والانقسامات؟ وما دور القيادة والمؤسسات والعلم في نهوض المجتمعات؟
وقد كان يستمع إلى المتحدث ويترك له المجال لعرض فكرته، ثم يناقشه ويسأل عن بعض تفاصيلها. ومن طبيعة أسئلته كنت ألمس اهتماماً بما يمكن أن يقدمه التاريخ لفهم الحاضر، وإدراكاً بأن القرار السياسي لا يعيش منفصلاً عن معرفة المجتمع وتاريخه وثقافته.
وكانت قضايا الأمة حاضرة في كثير من النقاشات؛ فلسطين وما يعانيه شعبها من الاحتلال، وأحوال الشعوب العربية والإسلامية، وأسباب الحروب التي أنهكت دولاً ومجتمعات، وسبل الخروج من دوائر الصراع والتخلف. وقد رأيت فيه تقديراً للعلماء وأهل الفكر، وحرصاً على الاستماع إلى الرأي، وإيماناً بأن الدولة تحتاج إلى المعرفة والخبرة بقدر حاجتها إلى المال والقوة.
ولا أقدم هذه الشهادة باعتبارها حكماً شاملاً على تجربته السياسية، فالتجارب الكبرى تُدرس من خلال الوقائع والوثائق والنتائج، وتبقى قابلة للنقد والمراجعة، وإنما أذكر ما رأيته وعرفته في مجالس جمعتني به. فاللقاء المباشر يكشف أحياناً جوانب لا تستطيع الوثائق الرسمية أن تنقلها؛ طريقة الإصغاء، وطبيعة الأسئلة، وما يشغل الإنسان عندما يبتعد الحديث عن البروتوكول الرسمي.
وقد ساعدتني تلك اللقاءات على فهم جانب من التحول الذي شهدته قطر في عهده. فالثروة وحدها لا تبني دولة، وإنما تحتاج إلى من يعرف كيف يوجهها، وإلى رؤية تحدد الأولويات، وإلى مؤسسات تحول الموارد إلى إنجازات يمكن أن تستمر. وربما يساعد هذا في تفسير اهتمامه بالتعليم والجامعات ومراكز البحث والثقافة والإعلام، فقد كان واضحاً أن بناء الدولة الحديثة يحتاج إلى بناء العقل والإنسان إلى جانب بناء الاقتصاد.
تسليم الحكم عام 2013
ومن أهم المحطات في سيرة الأمير الوالد قراره تسليم مقاليد الحكم إلى ولي عهده آنذاك، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في الخامس والعشرين من يونيو عام 2013. وقد جاء القرار طوعياً وفي وقت كان الأمير الوالد لا يزال قادراً على مواصلة الحكم، وهو ما منح هذه الخطوة أهمية خاصة في البيئة السياسية العربية والخليجية.
وفي خطابه إلى الشعب القطري عند انتقال الحكم، أوضح أن الوقت قد حان لكي يتولى جيل جديد المسؤولية، وهو ما عكس رؤية تقوم على أن خدمة الوطن لا ترتبط بالبقاء في المنصب، وأن تجدد القيادة يمكن أن يكون جزءاً من قوة الدولة واستقرارها.
ولم يكن انتقال الحكم قراراً مفاجئاً بمعزل عن إعداد سابق؛ فقد كان الشيخ تميم قد تولى ولاية العهد منذ عام 2003، وشارك على مدى عشر سنوات في عدد من ملفات الدولة، وهو ما وفر انتقالاً منظماً للسلطة. وبعد تسليم الحكم، اختار الأمير الوالد الابتعاد عن الإدارة اليومية للدولة، وترك للأمير الجديد المساحة الكاملة لممارسة مسؤولياته واتخاذ قراراته.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن بناء الدولة لا يكتمل بإنجاز المشروعات وحدها، وإنما يحتاج أيضاً إلى القدرة على نقل المسؤولية من جيل إلى آخر من دون اضطراب. فالمؤسسة الحقيقية هي التي تستطيع الاستمرار بعد الأشخاص، والمشروع الناجح هو الذي يحتفظ بأسسه مع قدرته على التجدد والتطور.
الاستمرار في عهد الشيخ تميم
أظهرت السنوات التالية أن انتقال الحكم لم يكن نهاية للمشروع الذي بدأ في المرحلة السابقة، بل انتقالاً إلى مرحلة جديدة حافظت على عدد من مرتكزاته وطورتها وفق ظروف مختلفة. فقد واصلت قطر في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، وتوسيع إنتاج الغاز، وتعزيز الاستثمار في التعليم والصحة، وتطوير قدراتها الاقتصادية والدبلوماسية.
وكانت استضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2022 مثالاً واضحاً على هذا الاستمرار؛ فقرار الترشح والفوز بحق الاستضافة تحقق في عهد الأمير الوالد عام 2010، بينما تولى الأمير تميم مسؤولية استكمال المشروعات وإدارة المرحلة التي انتهت بتنظيم البطولة. وهكذا اجتمع في مشروع واحد ما بدأه جيل وما أكمله الجيل الذي جاء بعده.
كما واجهت قطر خلال السنوات التالية تحديات كبيرة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتلاحقة. وقد أظهرت قدرة الدولة على التعامل مع هذه الظروف أهمية المؤسسات والاستثمارات والبنية الأساسية والعلاقات الدولية التي تراكمت عبر سنوات طويلة، مع تطوير سياسات جديدة استجابت للمتغيرات التي فرضتها كل مرحلة.
وهذا في تقديري من أهم المعايير التي ينبغي أن يُقرأ من خلالها إرث الأمير الوالد؛ فالقائد لا يُقاس فقط بما ينجزه وهو في موقع المسؤولية، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على مواصلة طريقها بعد انتقاله من الحكم. وقد بقيت مؤسسات كثيرة تأسست أو تطورت في عهده تعمل وتتوسع، بينما أضافت القيادة الجديدة إليها مشروعات وخيارات تتناسب مع تحديات المرحلة.
رحيل الأمير الوالد وحضور أثره
وعندما رحل الأمير الوالد، رحمه الله، ظهر حجم المكانة التي بقي يحتفظ بها في وجدان الشعب القطري، كما ظهر ذلك في مشاعر الحزن والتعاطف التي عبر عنها كثير من أبناء الشعوب العربية والإسلامية، وفي كلمات التعزية التي جاءت من دول وشخصيات مختلفة.
وكان لهذا التعاطف معنى يتجاوز مراسم الوداع؛ فقد ارتبط الرجل في ذاكرة القطريين بمرحلة عاشوا خلالها تحولات واسعة في بلدهم، بينما عرفه كثير من أبناء الأمة من خلال مواقفه من فلسطين وقضايا الشعوب، وجهود قطر في الوساطة والعمل الإنساني، ودعم التعليم والعلماء.
والناس، في نهاية الأمر، قد تختلف في تقييم التجارب السياسية، وهذا أمر طبيعي، لكن رحيل القادة يعيد إلى الذاكرة ما تركوه من أعمال ومواقف. وقد كان واضحاً أن الأمير الوالد بقي حاضراً بعد ثلاثة عشر عاماً من تسليمه الحكم من خلال مؤسسات ومشروعات ومسارات سياسية وتنموية استمرت بعده.
الخلاصة
بعد قراءة هذه التجربة في جوانبها المختلفة، أجد أن أهم ما يميز مسيرة الأمير الوالد، رحمه الله، هو ارتباطها بمرحلة تحولت فيها قطر بصورة واسعة في الاقتصاد والتعليم والمؤسسات والحضور الخارجي، وأن كثيراً مما بدأ في عهده لم يتوقف بانتهاء فترة حكمه، بل استمر وتطور في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله. وأما شهادتي الشخصية، فهي جزء محدود من هذه الصورة الكبيرة، ولكنها تبقى عزيزة عليّ؛ فقد عرفت فيه اهتماماً بالعلم والتاريخ، وتقديراً للعلماء وأهل الفكر، وحرصه على متابعة قضايا وهموم أمتنا العربية والإسلامية والمستضعفين في كل مكان.
وأسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجزيه عما قدم لوطنه وأمته خير الجزاء، وأن يحفظ قطر وأهلها، ويوفق قيادتها إلى كل ما فيه خير البلاد والعباد.
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...