


عدد المقالات 81
مجتمعاتنا اليوم أكثر تعقيدا، ومسألة فهم المجتمع تبقى مسألة مستمرة، تبعا للمستجدات الكثيرة التي تطرأ. لكن رجل الدين الذي ترك السياسة لأنها أصبحت أكثر تعقيدا من ممارساته البسيطة في القياس والنظر، لم يترك المجتمع. أصبح دور الفقيه يكمن في إضافة المزيد من التعقيد. تضخم دور الفقيه أصبح عاملا ضاغطا على المجتمع، أكثر مما هو على السياسي. فالسياسي ومنذ بدايات تشكل العملية السياسية في العالم الإسلامي احتاط لنفسه جيدا من تدخل الفقهاء بعد الثورات الأولى في صدر الإسلام مثل ثورة القرّاء. لكن المجتمع ظل بابا مفتوحا لسلطة الفقيه، وحدث ولمرات متكررة في التاريخ، أن السياسي يعقد ما يشبه الاتفاق الضمني مع الفقيه، فيجعل للفقيه سلطة رمزية ومعنوية على المجتمع، لأن السياسي نفسه يستفيد من هذه السلطة ويستخدمها. وظل السياسي يبتعد عن رؤية الفقيه متى أراد. ذكر الباحث السعودي خالد الدخيل أن رؤية الدولة تغيرت واتسعت، بينما رؤية الفقيه تجمدت ولم تعد تتسع لرؤية الدولة. ومكانة رجال الدين كانت ضعيفة في المجتمع البدوي عموماً. وفي بدايات تشكل الدولة، كان هنالك اتفاق بين رجل الدين والسياسي. في مقابل التخلي عن السياسة، أراد رجل الدين من السياسي أن يتيح له منفذا على المجتمع. أصبح المجتمع خاسرا أكبر من هذا الاتفاق، فسلطته المعرفية أصبحت محدودة بما يفتي فيه الفقيه وما ينظّر له. لقد تم إحلال الثقافة الدينية محل ثقافة القبيلة بعد تنامي المدن. تولّى السياسي بناء الدولة، بينما تُركت تعبئة الجانب الثقافي في المجتمع إلى رجال الدين. من هنا أصبح رجال الدين أصحاب «رأس المال» الثقافي الأبرز مجتمعياً، ومن هنا يفهم وقوفهم ضد أي تغيير يقترب. إن أي تغييرات، ولو طفيفة، على مستوى التعليم أو على صعيد الموازنة الاجتماعية القائمة (ومن ذلك وضع المرأة) يُرشح إحداث تغيرات بنيوية تخلخل الوضع القائم. وهذا ما لا تريده القوى القائمة اليوم. والمجتمع للأسف أضعف من أن يفاوض حول هذا التغيير، فالنخب الموجودة اليوم التي يفترض أن تساعده، ومنها الثقافية، تمت صناعتها لخدمة من أوجدها، تحت ظل نظام الريع النفطي المؤثر بقوة، وعلى مبدأ «الولاء»، لا «الكفاءة». يوميا يجلب لنا الإنترنت أفكارا فقهية صادمة، وفتاوى من النوع الغريب جدا، وهذا الأمر ضريبة لتضخم دور الفتوى والتكلف لها في المجتمع، مع أنها من المنهيّ عنه في بدايات الإسلام، كما جاء الحديث في صحيح مسلم، الذي يأمر فيه النبي بترك كثرة السؤال والتكلف له «ذروني ما تركتكم»، وقد قال ابن حزم إن هذا الحديث جمع جميع أحكام الدين من أولها لآخرها. إن تشكّل الشرع منذ البداية، كان الجزء المسكوت عنه هو الغالب في أمور الناس، أي المباح والطبيعي والتابع لفكر الناس وطريقتهم، لكن الفقيه لم يسكت. أصبح البعض يقول للناس سأجلس لكم ساعة فاسألوني عمّا تحت السماء، وما فوق الأرض. الخدعة التي تعرض لها المجتمع هي أن الفقيه لديه منظومة معرفية متكاملة تتيح له الحديث في المجتمع والنفس والسياسة والاقتصاد وغيرها، وهذا عكس الصحيح. فالمنظومة المعرفية للفقيه محدودة، تعتمد على النصوص التراثية، والآلية القياسية التي تجعله يقيس كل شيء إلى ما مر في ذاكرته وخاطره وحتى مزاجه. سمعت عبارة تقول إن مشاكسة الماضي، وإحلال الجديد مكانه، تخلق الكثير من الأعداء. ليس ذنب من يريد أن يحيا حياة طبيعية اليوم أن يخسرها في سبيل الافتراضات والمقايسات، وفي سبيل ماض لا يود البعض تغيير بعض ملامحه. إن الواقع متحرك، لكننا لا نفعل. حاول المنطق الفقهي التجديد والحركة، ومع أن الأصول والمقاصد مثّلت عملية تجديدية مميزة في تاريخ الفكر الإسلامي، إلا أنها أيضا تبقى غير مدركة لما هو خارج منطقها من المجالات الفكرية الأخرى، ولا يفترض الخضوع لها. لا يزال الفقهاء يعيشون عصورهم الذهبية، ذات السلطة الرمزية والمعنوية، والتي أثرت على عملية المعرفة والفكر في مجتمعاتهم. إن الفكر الفلسفي البسيط هو الذي يسمح للأفراد بتجديد رؤية مرنة تشمل أبعادا مختلفة، وبنسبية وجدلية متحركة تماثل طبيعة المجتمع وتتواءم معها، بينما العقل الفقهي يميل للفكر الحدّي، ومغرم بالإغلاقات والأحكام. لا يوجد أي مبرر لكي يلبس المجتمع نظارات الفقيه، ليفكر مثله، ويغلق الأبواب على نفسه بنفسه. • Azizf303@gmail.com
قبل أيام تم بث الحلقة الأخيرة من برنامج «في العمق» على قناة الجزيرة، بعد إطلالة البرنامج الأسبوعية منذ العام 2009، وعلى مدى سبع سنوات. حين قدمت إلى العمل في البرنامج قبل سنوات، كان الأمر صعبا،...
أجدادنا في السابق كان الكثير منهم مبادرين في تدبر وكسب قوتهم، في أمر مشابه لمن يسمون اليوم بالأنتروبنورز، أو رواد المشاريع والمعتمدين بشكل جدي على ذواتهم. تدبر المعاش والرزق كان مهمة يومية جادة. وبعد تشكل...
لأول مرة يُسقط الكونجرس الأميركي فيتو لأوباما، وذلك في تصويت مجلس الكونجرس الأميركي حول قانون «العدالة مع رعاة الإرهاب» المسمّى جاستا JASTA. تمرير هذا القانون بلا شك سيعمل على زعزعة علاقة متينة بين البلدين استمرت...
السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك...
الشبكات الاجتماعية حقول متنوعة، ساعدت الناس على الانطلاق، ونشر الرأي والمعلومة، ودعمت ظهور الأفكار وحرية التعبير عنها. لكن يبقى بعد كل هذا المدح الذي تم سبكه لأجل الشبكات الاجتماعية، أن نتدارك الأمر قليلا، ونعرف أن...
بعد مقتل استراتيجي تنظيم الدولة والمتحدث باسمها، أبي محمد العدناني، الأسبوع الماضي، يستمر مسلسل خسارات تنظيم الدولة، فبجانب خسارة الأراضي والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد عليه، قُتل أكثر من عشرة قياديين بارزين للتنظيم في مجلس الشورى...
ذاكرة البشر محدودة وقصيرة، وإن كانت هذه الذاكرة مشغولة بالكراهية فماذا سيبقى منها لصنع حاضر أفضل؟ حضور الكراهية الدائم في الذهن يعني إعادة إنتاج الواقع وفق تصور هذه الذاكرة، وهذا يصعب الأمر خصوصا على المجتمعات...
مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب...
الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها...
تصدير الديمقراطية سلعة أميركية، والانقلاب عليها أيضا سلعة أميركية بامتياز. في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الملف الأميركي واضحاً في دعم الانقلابات حول العالم، ويعدد ويليام بلوم في كتابه «قتل الأمل»، ما يقارب أربعين...
في العادة، لا يذهب الناس عميقا في نقاشاتهم الجماعية أو الثنائية، لأنهم يخشون النقد ويتجنبونه. حضور النقد قد يأخذ الحديث إلى منحى آخر، وإلى هجوم متبادل وصراع. وفي عالم الإنترنت اليوم، كثرت الأحاديث وصراعات الرأي...
لا تكمن ميزة الديمقراطية في أنها فقط قد تحقق للمرء ما يريد، بل أيضاً أنها تعوّد المرء على قبول ما لا يريد. في عام 2008 حين قدم أوباما للسلطة في الولايات المتحدة، أذكر أن طالبا...