صعود الصين السلمي يتبخّر في الهواء (2-2)
21 يونيو 2020 , 01:28ص
من المؤكد أن الصين قد تزعم أنها تعرضت للاستفزاز بسبب قيام الهند بتشييد بنية أساسية على طول خط السيطرة الفعلية. لكن هذه المشاريع واجبة وطال انتظارها. قبل صيفين، قامت لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الهندي (التي كنت أتولى رئاستها في ذلك الوقت) بزيارة إلى المناطق الحدودية، ووجدت أن البنية الأساسية هناك غير كافية على الإطلاق. في الوقت ذاته، كانت الصين تعمل على بناء طرق صالحة لكل الأحوال، وخطوط سكك حديدية، بل وحتى مطارات على جانبها من خط السيطرة الفعلية. كما تتباهى بتفوقها العسكري التقليدي على الهند، سواء في منطقة خط السيطرة الفعلية، أو في عموم الأمر؛ لكن خطوط الإمداد التي يتعين على الهند الحفاظ عليها في التضاريس الجبلية أقصر.
من الواضح أن العلاقة بين الهند والصين شديدة التعقيد. فجراح حرب 1962 لم تلتئم قَط، ومع ذلك تنامت التجارة الثنائية بين البلدين إلى ما يقرب من 100 مليار دولار، وإن كانت لصالح الصين بشكل ساحق. علاوة على ذلك، تستخدم الصين تحالفها مع باكستان لنخس الهند وإلهائها وحصرها داخل مناطقها الفرعية. الواقع أن الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، والذي يشكل جزءاً بالغ الأهمية في مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها شي جين بينج، يمتد عبر أجزاء من كشمير التي تحتلها باكستان، والتي تعترف حتى الصين بأنها منطقة متنازع عليها.
كما تواصل الصين تكرار مطالباتها بأراض هندية مباشرة، وخاصة ولاية أرونشال براديش الشمالية الشرقية، والتي تصفها بأنها «جنوب التبت». وعلى هذه الخلفية، ينبغي لنا أن نفهم الوقائع كتلك المواجهة الحالية على أنها جزء من استراتيجية أكبر لإبقاء الهند تحت السيطرة.
يدرك محللو السياسة الخارجية الهنود هذه الحقيقة، ويحذرون من أن العمل العدائي الأخير الذي قامت به الصين ينذر بنهاية «الصعود السلمي» الذي أعلنته الصين؛ لأنه يشير بوضوح إلى تحول في الوضع الراهن القائم منذ فترة طويلة على الحدود. الواقع أن الصين في عهد شي جين بينج، تبدو أكثر استعداداً لإثبات كونها القوة المهيمنة في المنطقة صراحة. ومن خلال اتخاذ موقف خشن على الحدود الهندية، تأمل الصين أن تثبت للعالم، وخاصة الولايات المتحدة، أن ثرثرة دونالد ترمب لا تخيفها، وأن الدول الآسيوية الأخرى يجب أن تخضع للنظام.
في اللحظة الراهنة، أعلن مسؤولون هنود أن محادثات عسكرية رفيعة المستوى مع الصين أسفرت عن التوصل إلى اتفاق يقضي بأن يعمل الجانبان على «حل الموقف في المناطق الحدودية سلمياً بما يتماشى مع اتفاقيات ثنائية عديدة». ولكن كما أوضحت هذه المواجهة، فإن كل جانب يحمل فهماً مختلفاً تماماً لما تعنيه هذه الاتفاقيات الثنائية. ويبقى أن نرى ما إذا كانت الصين ستسحب قواتها بالفعل من المناطق المتنازع عليها. يبدو أن الشيطان يكمن في التفاصيل، كما هي الحال دائماً.
من الواضح أن الهند والصين في احتياج إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية حدودية دائمة. زعمت الصين لفترة طويلة أنه من الأفضل ترك التسوية الحدودية الرسمية للأجيال القادمة، لكن هذا لأن قوتها الجيوسياسية -وبالتالي موقفها التفاوضي- تزداد طغياناً مع مرور كل عام. إن الصين تراهن على أنه كلما تأجّلت التسوية، ازدادت احتمالات حصولها على الحدود التي تريدها. في غضون ذلك، سوف تستخدم الصين الأعمال العدائية المحدودة على طول خط السيطرة الفعلية للإبقاء على الهند مرتبكة.