


عدد المقالات 120
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير الخدمات الصحية والثقافية والرياضية. وكانت الرؤية الإستراتيجية للأمير الوالد رحمه الله في هذا المسار أن الموارد الطبيعية، مهما بلغت قيمتها، تبقى محدودة الأثر إذا لم تتحول إلى معرفة ومؤسسات وكفاءات وطنية قادرة على مواصلة مسيرة الدولة في المستقبل.
التعليم في قلب مشروع التنمية
كان تأسيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع عام 1995 من أبرز المحطات التي عبّرت عن هذا التوجه، وقد ارتبط تطورها بالدور الكبير الذي قامت به صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر في قيادة مشروعها التعليمي والعلمي. ومع مرور السنوات، تحولت المدينة التعليمية إلى مساحة أكاديمية واسعة جمعت مؤسسات تعليمية وبحثية محلية ودولية، وأصبحت جزءاً مهماً من مشروع قطر لبناء اقتصاد يقوم بصورة متزايدة على المعرفة والبحث والابتكار.
وقد استقطبت المدينة التعليمية فروعاً لجامعات دولية متخصصة في مجالات متنوعة، من بينها الطب والهندسة والحوسبة والعلاقات الدولية والإعلام والفنون والتصميم، إلى جانب تطور المؤسسات الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي. ولم تكن أهمية هذه التجربة في وجود جامعات عالمية داخل قطر فحسب، وإنما في توفير بيئة تعليمية أتاحت للطلبة القطريين وغيرهم الحصول على تعليم نوعي داخل البلاد، وربطت الجامعات بالمراكز البحثية والمؤسسات الاقتصادية والمجتمع.
وتوسع هذا التوجه من خلال دعم البحث العلمي وإنشاء مؤسسات متخصصة، من بينها واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا، التي أصبحت منصة للبحث والتطوير والابتكار وربط المعرفة بالتطبيق. كما تأسست جامعة حمد بن خليفة لتكون جامعة بحثية متعددة التخصصات، وتطورت مراكز للدراسات والبحوث في مجالات العلوم والتقنية والطاقة والطب والعلوم الاجتماعية والإنسانية.
وكان هذا التحول جزءاً من رؤية أوسع ترى أن مستقبل الدول المنتجة للطاقة يحتاج إلى إعداد مبكر لمرحلة تتغير فيها طبيعة الاقتصاد العالمي. ولذلك لم يكن الاستثمار في التعليم منفصلاً عن السياسة الاقتصادية، بل كان مكملاً لها؛ فالثروة تستطيع أن تمول التنمية في مرحلة معينة، أما المعرفة فهي التي تمنح المجتمع القدرة على تجديد موارده وإنتاج فرصه والمحافظة على تقدمه.
من التعليم الوطني إلى المسؤولية العالمية
امتد الاهتمام بالتعليم إلى خارج حدود قطر، ولا سيما من خلال المبادرات التي قادتها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، والتي ربطت بين الحق في التعليم والمسؤولية الإنسانية تجاه الأطفال والشباب المتضررين من الفقر والحروب والنزوح.
وقد تطورت هذه الجهود في عدد من المبادرات والبرامج، ومنها «أيادي الخير نحو آسيا»، ثم مؤسسة «التعليم فوق الجميع» التي تأسست عام 2012، وركزت على الوصول إلى الأطفال المحرومين من التعليم في مناطق النزاعات والأزمات والمجتمعات الفقيرة. وقد حمل هذا العمل معنى يتجاوز تقديم المساعدة المؤقتة؛ لأن إعادة الطفل إلى المدرسة تعني حمايته من الجهل والاستغلال، ومنحه فرصة حقيقية لبناء مستقبله والمشاركة في بناء مجتمعه.
وهذا البعد مهم في فهم التجربة القطرية؛ فقد أصبح التعليم مع مرور الوقت جزءاً من حضور الدولة الإنساني في العالم، وتداخل مع برامج التنمية ومساعدة المجتمعات المتضررة. ولم تعد المساعدة مرتبطة بتقديم الغذاء والدواء في أوقات الأزمات وحدها، بل اتجه جانب منها إلى بناء المدارس، وتأهيل المؤسسات التعليمية، وتقديم المنح، وتدريب المعلمين، وحماية حق الأطفال في مواصلة تعليمهم رغم الحروب والتهجير.
تطوير القطاع الصحي
سار الاهتمام بالصحة بالتوازي مع التعليم، وشهدت قطر خلال عهد الأمير الوالد توسعاً في المنشآت والخدمات الصحية وتطويراً للقدرات الطبية والتخصصية. وتوسعت مؤسسة حمد الطبية في خدماتها ومستشفياتها، وازداد الاهتمام بإعداد الكفاءات الطبية والتمريضية، كما أسهم إنشاء كلية طب وايل كورنيل في قطر في ربط التعليم الطبي بالبحث والممارسة المهنية.
وفي هذا السياق أيضاً، جاء مشروع سدرة للطب ضمن رؤية طويلة المدى لبناء مؤسسة متخصصة في صحة النساء والأطفال والطب الدقيق والبحوث الطبية، وإن بدأ تشغيله الكامل في مرحلة لاحقة. وتكشف هذه المشروعات عن اتجاه لم يكن يكتفي بتوسيع الخدمات الصحية من حيث العدد، وإنما كان يسعى إلى بناء مؤسسات قادرة على تقديم خدمات تخصصية وإنتاج المعرفة الطبية وتدريب الكفاءات.
وقد ارتبط تطوير التعليم والصحة بفكرة مركزية في المشروع التنموي القطري، وهي أن الإنسان ليس مستفيداً من التنمية فقط، وإنما هو الذي يصنعها ويحافظ عليها. ومن هنا جاء الاستثمار في المدرسة والجامعة والمستشفى ومركز البحث بوصفه استثماراً في قدرة المجتمع نفسه على الاستمرار.
الثقافة والإعلام وبناء الحضور
كان للثقافة والإعلام نصيبهما من التحولات التي شهدتها تلك المرحلة. فقد تأسست قناة الجزيرة عام 1996، وأصبحت خلال سنوات قليلة من أكثر المؤسسات الإعلامية العربية حضوراً وتأثيراً. وقدمت تجربة مختلفة عن الإعلام الرسمي الذي كان سائداً في المنطقة، من خلال توسيع مساحة النقاش واستضافة الآراء المتعارضة وتغطية القضايا العربية والدولية بصورة أكثر انفتاحاً.
ومهما اختلفت المواقف من بعض توجهات الجزيرة أو تغطياتها، فإن أثرها في تاريخ الإعلام العربي يصعب تجاهله؛ فقد ساعدت على نقل قطر من الحضور السياسي المحدود إلى حضور إعلامي واسع، وأصبحت جزءاً مهماً من القوة الناعمة للدولة ومن قدرتها على الوصول إلى الرأي العام العربي والدولي.
وفي المجال الثقافي، شهدت الدوحة توسعاً في المتاحف والمكتبات والمؤتمرات والفعاليات الفكرية، وكان افتتاح متحف الفن الإسلامي عام 2008 محطة بارزة في هذا المسار. كما أصبحت قطر مكاناً لاستضافة العلماء والباحثين والمفكرين، وعقد المؤتمرات والحوارات التي تناولت قضايا الفكر والدين والثقافة والاقتصاد والسياسة.
العلماء والفكر في حياة الدولة
ومن الجوانب التي عرفتها عن الأمير الوالد، رحمه الله، من خلال عدد من اللقاءات والجلسات، اهتمامه بتاريخ الأمة العربية والإسلامية، ومتابعته لسير القادة والمصلحين، وحرصه على الاستماع إلى العلماء وأهل الفكر والتاريخ. وكان يسأل عن أسباب نهوض الأمم وتراجعها، ويناقش بعض أحداث التاريخ من زاوية ما تحمله من دروس للحاضر، وهو ما كان يكشف عن اهتمام بالمعرفة يتجاوز المجاملة المعتادة في اللقاءات العامة.
وقد وجدت في قطر خلال تلك المرحلة شخصيات علمية وفكرية بارزة مساحة للعمل والتأثير، وكان من أبرزها العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، رحمه الله، الذي عاش في قطر عقوداً طويلة وأسهم في حياتها العلمية والدعوية، وتولى رئاسة كلية الشريعة في جامعة قطر، كما ترأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين منذ تأسيسه عام 2004.
ولم يقتصر الحضور العلمي على شخصية بعينها، فقد أصبحت الدوحة مكاناً يجتمع فيه علماء ومفكرون من مدارس واتجاهات مختلفة، وتوسعت المؤتمرات المتعلقة بالفكر الإسلامي والفقه والاقتصاد الإسلامي والحوار وقضايا الأسرة والعمل الإنساني. وكان لهذا المناخ أثر في تعزيز مكانة قطر بوصفها مساحة للحوار الفكري إلى جانب دورها الاقتصادي والسياسي.
الرياضة ومشروع كأس العالم
وفي المجال الرياضي، شهدت قطر خلال عهد الأمير الوالد توسعاً كبيراً في الاستثمار في المنشآت الرياضية واستضافة البطولات الدولية، وكان تنظيم دورة الألعاب الآسيوية في الدوحة عام 2006 محطة مهمة أظهرت قدرة الدولة على إدارة أحداث رياضية واسعة، وأسهمت في تطوير المنشآت والخبرات التنظيمية والبنية الأساسية المرتبطة بالرياضة.
وجاء فوز قطر في الثاني من ديسمبر عام 2010 بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022 ليشكل محطة جديدة في هذا المسار. وعلى الرغم من أن البطولة أقيمت بعد انتقال الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، فإن قرار الترشح والفوز بالاستضافة وقعا في عهد الأمير الوالد، وتحول المشروع بعد ذلك إلى برنامج وطني واسع استمر أكثر من عقد.
وقد أسهم الاستعداد للمونديال في تسريع تنفيذ مشروعات كبيرة في النقل والطرق والمطارات والمرافق والمنشآت الرياضية والخدمات، وتطوير مناطق عمرانية جديدة، بالتوازي مع إنشاء الملاعب ومرافق التدريب. وفي عهد الشيخ تميم اكتملت هذه المشروعات واستضافت قطر البطولة عام 2022، لتصبح أول دولة عربية وشرق أوسطية تنظم كأس العالم لكرة القدم.
ومن هذه الزاوية، لم تكن الرياضة منفصلة عن مشروع بناء الدولة، بل أصبحت وسيلة لتطوير البنية الأساسية، وإعداد الكفاءات، وتعزيز الحضور الدولي، وتقديم قطر إلى العالم من خلال حدث تابعته جماهير من مختلف القارات.
الخلاصة
يكشف مسار التعليم والصحة والثقافة والإعلام والرياضة في عهد الأمير الوالد، رحمه الله، أن بناء الإنسان كان جزءاً أساسياً من التحول الذي شهدته قطر، وأن التنمية لم تتوقف عند استثمار موارد الطاقة، وإنما اتجهت إلى تأسيس مؤسسات تستطيع أن تستمر وتتطور عبر الأجيال. وقد واصل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، هذا المسار وطور كثيراً من مشروعاته، لتبقى استمرارية المؤسسات واحدة من أهم النتائج التي يمكن الوقوف عندها عند دراسة تجربة بناء قطر الحديثة.
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...