

لم تعد أزمة اليسار العربي مسألة مرتبطة فقط بتراجع حضوره الجماهيري أو انحسار قدرته التعبوية، بل غدت أزمة فكرية وأخلاقية تمسّ تعريفه لذاته ووظيفته التاريخية. وقد كشفت الحروب والصراعات الإقليمية في العقدين الأخيرين الى اليوم وخصوصا مع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران من جهة، والاعتداءات الإيرانية على دول عربية وخليجية من جهة أخرى. أن جزءًا واسعًا من هذا التيار لم يعد قادرًا على التمييز بين مقاومة الهيمنة وبين تبرير السلطوية والتبعية، واستيعاب تداعيات إعادة تشكل محاور النفوذ في المنطقة، ولا بين نقد الإمبريالية وبين الانخراط في سرديات تبرّر العدوان والعنف وانتهاكات السيادة الوطنية للدول، عندما يصدر عن قوى غير غربية. بهذا المعنى، فإن لحظة الاختبار لم تفضح فقط هشاشة المواقف السياسية، بل كشفت أيضًا ضمور الحسّ النقدي الذي كان يُفترض أن يشكّل جوهر المشروع اليساري. تتمحور الاشكالية حول تفسير التناقض بين الخطاب اليساري المعلن، بوصفه خطابًا تقدميا، وبين ممارساته السياسية والثقافية الفعلية التي انتهت في حالات كثيرة إلى تبرير أنظمة سلطوية وقمعية وايدلوجية، أو التغاضي عن عنفها، أو إعادة إنتاج دعايتها. وتنطلق الاشكالية من ثلاث فرضيات مترابطة. أولًا، أن قسمًا مؤثرًا من اليسار العربي اختزل مفهوم الإمبريالية في الغرب وحده، ففقد القدرة على تحليل الهيمنة بوصفها علاقة سلطة يمكن أن تمارسها قوى متعددة. ثانيًا، أن هذا الاختزال دفعه إلى استبدال النقد بالاصطفاف، وإلى إعادة تعريف الموقف الأخلاقي انطلاقًا من موقع الفاعل في الخريطة الدولية لا من طبيعة أفعاله. ثالثًا، أن الأزمة تعمّقت بسبب اعتماد أنماط نظرية مستوردة وغير مكيّفة، إلى جانب انفصال متزايد عن الواقع الاجتماعي العربي وتحول الخطاب إلى ممارسة نخبوية مغلقة. خطاب مناهضة الآخر تاريخيا نشأ قسم كبير من اليسار العربي في سياق تاريخي وُسِم بالاستعمار الغربي، وتدخلاته السياسية والعسكرية، ودعمه لبُنى محلية تابعة، وهو ما منح خطاب مناهضة الإمبريالية مشروعيته الأولية. غير أن هذا الخطاب تعرّض مع الزمن لتحوّل عميق. فبدل أن يبقى أداة تحليل نقدي لعلاقات الهيمنة أينما وُجدت، صار إطارًا عقائديًا يختزل العالم في ثنائية حادة: الغرب باعتباره الشر المطلق، وكل من يعاديه بوصفه حاملًا لقدر من الشرعية المسبقة. هذه الثنائية لا تُنتج تحليلًا بقدر ما تُنتج ولاءً. فالدول لا تُفهم هنا من خلال بنى سلطتها، أو طبيعة سياساتها الداخلية، أو موقع الإنسان في منظوماتها، بل من خلال موقعها من واشنطن أو من النظام الدولي الليبرالي. ونتيجة لذلك، تحوّلت «مناهضة الإمبريالية» من مفهوم يفتح المجال للنقد إلى عقيدة تُغلقه. فكل نقد يُوجَّه إلى قوى مثل إيران أو روسيا أو حلفائهما المحليين يُعاد تفسيره بوصفه خدمة للغرب، لا بوصفه موقفًا مبدئيًا من السلطوية أو العنف. بهذا المعنى، يفقد المفهوم وظيفته المعرفية ويتحوّل إلى حاجز أيديولوجي يمنع الرؤية بدل أن يوسّعها. ضمور الوعي النقدي لم يكن هذا التحول ممكنًا لولا الدور الذي لعبته نخب ثقافية وإعلامية قدّمت نفسها بوصفها حارسة للوعي النقدي. غير أن قسمًا من هذه النخب ساهم، عمليًا، في إنتاج وعي مشوّه يرفع شعارات التحرر ويعيد في الوقت نفسه تدوير منطق القوة. ففي المجال الثقافي، جرى توظيف أسماء مثل إدوارد سعيد وفوكو وسارتر على نحو زخرفي؛ لا باعتبارها أدوات لمساءلة السلطة، بل باعتبارها علامات تميّز داخل الحقل الثقافي، تمنح المتحدث شرعية رمزية داخل جماعة النخبة. هذا التحول من الفكر إلى الأداء اللغوي أسهم في إفراغ الخطاب من مضمونه النقدي. فقد صار الاقتباس بديلًا عن إنتاج المفاهيم، وصارت البلاغة الأيديولوجية بديلًا عن الاشتباك مع الواقع. ومع الوقت، غدت النخبة اليسارية أقل انشغالًا بتحليل التحولات الاجتماعية العربية وأكثر انشغالًا بإعادة تثبيت صورتها الذاتية بوصفها نخبة «أخلاقية» و»متقدمة». لكن هذا التموضع الأخلاقي ظلّ، في كثير من الأحيان، مجرد أداء داخلي بين النخب، لا التزامًا فعليًا بالمضامين الإنسانية التي يتطلبها أي خطاب تحرري. الصراعات والانكشاف الكبير لقد بدا موقف اليسار العربي، في كثير من محطات الانهيار الإقليمي، مأزوماً أخلاقياً وسياسياً؛ إذ تعامل مع أزمات المنطقة بانتقائية كشفت هشاشة خطابه أكثر مما كشفت تعقيد الواقع. فبينما رفع شعارات الحرية والعدالة ومناهضة الاستبداد، انزلق في حالات عديدة إلى تبرير القمع أو الصمت حياله، فقط لأن مرتكبيه تموضعوا في خندق “مناهضة الغرب”. وهكذا تحوّل جزء من اليسار من قوة نقدية تدافع عن الإنسان إلى خطاب أسير ثنائيات أيديولوجية جامدة، عاجز عن رؤية الاستبداد إلا حين يأتي من الخصم السياسي، ومتسامح مع العنف حين يُمارس باسم “المقاومة” أو “التوازنات الدولية”. وفي قلب هذا الالتباس، تمدّد النفوذ الإيراني في المنطقة بوصفه مشروعاً يتغذّى على هشاشة الدول وتفكك المجتمعات، لا بوصفه علاقة طبيعية بين دول ذات سيادة. ففي سوريا، ارتبط حضوره بحرب أهلية صنعت واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية المعاصرة، وفي العراق تماهى مع بنية المحاصصة حتى أسهم في إضعاف فكرة الدولة نفسها. أما في لبنان، فقد ترسّخ عبر تكريس نموذج السلاح الخارج عن سلطة الدولة، بينما اتخذ في اليمن شكل دعم مباشر لجماعة مسلحة داخل صراع إقليمي مفتوح. وما يجمع هذه التجارب ليس مجرد تقاطع سياسي عابر، بل نمط نفوذ يقوم على إدارة الفراغات الوطنية وتوسيع السيطرة عبر الفواعل الموازية للدولة، كما جرى، قلب المعايير بالكامل حيث تغدو الضحية وهي المجتمعات التي تم اختراقها محل شك، بينما يعاد تقديم الجلاد باعتباره حارسًا للاستقرار أو حاملاً لمشروع «ممانع». وتلك ليست مجرد زلّة سياسية، بل انهيار أخلاقي يبيّن أن الخطاب فقد معاييره الأصلية. المنهج واستيراد النماذج لا يمكن فهم هذا المأزق من دون التوقف عند مشكلة منهجية أعمق، تتمثل في اعتماد نماذج نظرية جاهزة أُسقطت على الواقع العربي من دون اشتغال جاد على خصوصياته. إن سيرة جورج حبش نفسه تُظهر تداخلًا بين القومية العربية والماركسية والتجربة الفلسطينية، كما تُظهر أن انتقاله نحو الماركسية جاء بعد هزيمة 1967 ومحاولة لإعادة صياغة أدوات الفهم والعمل. كما يبيّن المصدر نفسه أن حبش رأى انسجامًا بين قوميته العربية وتكوينه الماركسي، واعتبر التراث الإسلامي مكوّنًا من مكونات البنية الفكرية العربية. أهمية هذا الاستدعاء لا تكمن في استثمار اسم حبش على نحو رمزي، بل في الإشارة إلى معضلة حقيقية في تاريخ اليسار العربي: التوتر بين استيراد النظريات الجاهزة وبين إنتاج معرفة تنبع من تناقضات المنطقة نفسها. لقد حاول كثير من اليساريين فرض قوالب تفسيرية عامة على مجتمعات عربية شديدة التعقيد من حيث الدين والطائفة والقبيلة والدولة والاقتصاد الريعي والإرث الاستعماري. والنتيجة كانت، في كثير من الأحيان، فجوة بين النظرية والواقع، جعلت الخطاب أقرب إلى شرح العالم بلغة مستعارة منه إلى ملامسته من الداخل. أزمة الخطاب والاغتراب ترتبط أزمة المنهج بأزمة اجتماعية موازية، هي اغتراب الخطاب اليساري عن القواعد الاجتماعية التي ادّعى تمثيلها. فقد بقي هذا الخطاب، إلى حد بعيد، حبيس الجامعات والمنتديات الثقافية والمجلات المغلقة، مستخدمًا لغة كثيفة ومفاهيمية لا تصل إلى التجارب اليومية للفئات التي يُفترض أنه يتحدث باسمها. وبينما كانت المجتمعات العربية تتحول بفعل التمدين غير المتكافئ، والبطالة، وتفكك الطبقات الوسطى، وصعود الهويات الدينية والمحلية، بقي الخطاب اليساري في كثير من الحالات أسير مفرداته القديمة. مع مرور الزمن، تراجعت القدرة على الإنتاج الفكري، وحلّ محلها خطاب تكراري قائم على إعادة تدوير المفاهيم والشعارات. ظهرت لغة خشبية، تفتقر إلى الحس النقدي، وتعيد إنتاج مفردات الدعائية «البروباغندا» تحت مسميات جذابة مثل “المقاومة” و»التوازن الدولي». لم يعد الهدف فهم الواقع، بل تثبيت موقف مسبق منه، ما أفقد الخطاب مرونته وقدرته على الإقناع. في النهاية، تكشف هذه الأزمة عن حقيقة بسيطة، ولكنها حاسمة، لا يمكن تجزئة الحرية. لا يمكن لمن يدّعي مناهضة الاستعمار أن يبرر الاستبداد والتبعية، ولا لمن يتحدث باسم الشعوب أن يدعم قوى أجنبية التي تقمعها سواء إقليمية او دولية. إن فقدان النسق الإنساني والأخلاقي لا يؤدي فقط إلى أزمة في الخطاب، بل إلى فقدان المعنى.
في كلّ منعطفٍ حاسم من تاريخ المنطقة، تعود إلى الواجهة مفارقة صارخة لا تخطئها البصيرة: رجلٌ مؤدلج يحمل مشروعه بوضوح وصلابة، وفي المقابل جموعٌ تتسابق إلى ترجمة خطابه، وتلميع صورته، وتسويغ عدوانه، ثم تقديمه إلى...
لا يمكن التعامل مع موجة الشماتة والتبرير التي ظهرت في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تجاه الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي بوصفها مجرد انفعالات عابرة أو ردود فعل شعبوية طارئة. فما طفا على...
في الحروب الكبرى، لا تُمتحن الجيوش والمنظومات الدفاعية وحدها، بل يُمتحن معها الضمير الجمعي والعقل النقدي لدى النخب الفكرية. فالصواريخ والمسيّرات التي سقطت على مدن عربية وخليجية لم تستهدف البنية التحتية المادية فحسب، بل اخترقت...
لم يعد الخليج ساحة تستقبل الضربات بصمت، أو منطقة تكتفي برد الفعل على الأزمات. المشهد الإقليمي اليوم يشهد تحولًا نوعيًا في طبيعة التعاطي والتعامل الخليجي مع المخاطر والتهديدات، من منطق الاحتواء إلى منطق المحاسبة. دول...
ليست الأزمات لحظات اختبار عابرة، بل محطات تكشف البنى العميقة للدول، وتُظهر الفارق بين من يمتلك مشروع دولة ومن يكتفي برفع شعاراتها. وفي الأزمة الأخيرة المرتبطة بالحرب مع إيران، لم تكن المنطقة أمام تصعيد عسكري...