alsharq

أحمد بن راشد بن سعيّد

عدد المقالات 189

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 09 أغسطس 2026
اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج
السفير رشاد فراج الطيب - دبلوماسي وباحث سوداني 10 أغسطس 2026
جامعة حمد بن خليفة تحتفي بإرث البروفيسور مالك بدري

جريمة تشابِل هِل: دمنا على شاشاتهم!

18 فبراير 2015 , 02:20ص
جريمة قتل المسلمين الثلاثة، ضياء بركات، ويسر ورزان محمد أبو صالحة، في مدينة تشابِل هِل، بولاية نورث كارولاينا الأميركية والتي ارتكبها أميركي أبيض اسمه كريغ هِكس، نكأت جراحاً في أعماق كثير من المسلمين، وأثارت مزيجاً من الصدمة والشعور بازدواجية الخطاب العالمي ضد «الإرهاب». دم المسلم لا يهم. تلك كانت الرسالة التي أوحت بها الميديا (وسائط الإعلام) السائدة من خلال تجاهلها الجريمة ساعات عدة قبل أن تتصدر أخبارها تويتر والوسائط الاجتماعية الأخرى، فتضطر إلى تناولها. استجابت الميديا ببطء (وكذلك الميديا العربية السائدة بحكم التبعية والتصهين)، كما أحجم الساسة الأميركيون عن التعليق، وعلى رأسهم الرئيس باراك أوباما، الذي صمت عن الجريمة ثلاثة أيام حسوما، ولما انتقده الرئيس التركي إردوغان، لم يجد بداً من استنكارها، ولكن بلغة خالية من الربط بالإرهاب: «جرائم قتل وحشية ومثيرة للسخط»، و يجب ألا يكون أحد في الولايات المتحدة هدفاً بسبب مظهره أو عبادته. كنت في العاصمة الماليزية كوالا لمبور عندما حصلت الجريمة، ولاحظت كيف تناول وولف بلتزر مذيع CNN الخبر في برنامجه (Situation Room) حيث حاول وضعه في إطار الخروج عن السياق الأميركي قائلاً إن الجريمة لا تمثل أميركا ولا قيمها- تكتيك دعائي يحمل في طياته المدح بما يشبه الذم، ويذكرني بقول إسحاق رابين، الذي علق على مذبحة المسجد الإبراهيمي عام 1994 بالقول: «إنه يوم أسود في تاريخ الصهيونية»، وطارت شبكات الأخبار الأميركية حينها بالتصريح. التقى بلتزر (وهو يهودي صهيوني وكان في الثمانينيّات مراسل صحيفة الجيروسلم بوست في واشنطن) بضيوف في برنامجه، وكان لافتاً الأوصاف التي تداولها المتحاورون عن الجريمة: shocking/صادمة، awful/بشعة/، horrific/مروّعة، وهي صفات يمكن إطلاقها على غرق عبّارة أو اصطدام قطار، لا على فعل من أفعال الإرهاب. بل إن CNN عرضت على شاشتها هذا العنوان: «الجيران: عُرف هِكس بإنقاذ الكلاب من مزارع الاستيلاد».
مرة أخرى، لم تكن الميديا السائدة لتتناول الجريمة لولا تصدّر أخبارها الوسائط الاجتماعية، لاسيما تويتر، والضغط الهائل الذي مارسه المواطن الكوني عبر وسوم (هاشتاغات) أبرزها: ChapelHillShooting# الذي غص بتغريدات تتهم الميديا السائدة بالعنصرية وعدم الاكتراث بأرواح المسلمين. أشارت الميديا إلى القاتل بالملحد، وحرصت على إبراز ترجيح شرطة تشابِل هِل أن خلافاً حول موقف سيارة كان دافع الجريمة، وليس «الكراهية» لدين الضحايا كما أكد محمد أبو صالحة، والد الشهيدتين، يسر ورزان. المعلق الأميركي، جي سي ويرليمِن قال إن القاتل «أبيض، ولذا كان من المتوقع ألا تسارع الميديا إلى وصف فعلته البشعة بجريمة الكراهية أو الهجوم الإرهابي»، والسبب أن «كلمة «الإرهاب» مقصورة حصراً على أفعال العنف السياسي التي ينفذها مسلمون». في البدء، يضيف ويرليمِن، قدَّمت الميديا الجريمة بوصفها «نزاعاً حول موقف سيارة»، وهو «مجاز مألوف في الميديا الأميركية للتقليل من جريمة الرجل الأبيض ولوم الضحية المسلمة». ويصل ويرليمِن إلى القول: «لو كان مسلماً هو من قتل ثلاثة أشخاص بيض بأسلوب الإعدام، لما تحدثت الميديا عن خلاف حول موقف سيارات». محمد أبو صالحة، والد الشهيدتين، فنّد في حديثه إلى المراسلين رواية النزاع على «الموقف» مؤكداً أنها جريمة كراهية: «الرجل أزعج ابنتي وزوجها مراراً من قبل، وتحدث إليهما والمسدس في حزامه، ولم يكونا مرتاحيْن له، لكنهما لم يعرفا أنه سيذهب إلى هذا الحد». يسر، زوجة ضياء، أقسمت لأبيها أن جارهما يكرههما: «والله، إنه يكرهنا من أجل هويتنا ومظهرنا». يقول ويرليمِن إن الدلائل تشير إلى أن هدف الجريمة كان «العداوة الدينية»، لاسيما بالنظر إلى تدوينات القاتل الكارهة للإسلام في حسابه على فيسبوك، مطالباً الملحدين «بالتبرؤ من المتطرفين في صفوفهم». هؤلاء المتطرفون هم «الملحدون الجدد» الذين ليسوا سوى «متعصبين دينيين» كما يصفهم نوعم تشومسكي (موقع ميدل إيست آي، 12 شباط/فبراير 2015).
كرِس هيجز، صحافي ومؤلف أميركي، حذّر أيضاً من هؤلاء الملحدين الذين «شأنهم شأن الأصوليين المسيحيين يؤيدون المشاريع الإمبراطورية والحروب الاستباقية للولايات المتحدة بوصفها ضرورة في المعركة ضد الإرهاب والدين غير العقلاني. إنهم يقسّمون العالم إلى عرقين: متفوق ومتخلف؛ أولئك المستنيرين بالمنطق والمعرفة، وأولئك المحكومين بالمعتقدات الدينية غير العقلانية والخطيرة». الملحدون الجدد، مثل إرهابي تشابِل هِل، «يجادلون، كما يجادل المتشددون المسيحيون، أن بعض البشر، ربما كثيراً من البشر، لا بد أن يُستأصلوا من أجل تحقيق عالم أفضل». في كتابه: «أنا لا أؤمن بالملحدين»، ينتقد هيجز بقوة كاتبين أميركيين من «الملحدين الجدد»، هما كريستوفر هتشنز، وسام هارس، اللذان ألف كل منهما كتاباً «يشيطن» المسلمين. وبحسب هيجز، فقد وصف الكاتبان العالم الإسلامي «بلغة تشبه في عنصريتها وغلظتها اللغة التي يستخدمها بات روبنسِن، والراحل جيري فولوِل (واعظان تليفزيونيان شهيران من المؤمنين بالمسيحية الصهيونية)». أحدهما، هارس، دعا إلى ضرب العالم الإسلامي بالأسلحة النووية وقتل عشرات الملايين في يوم واحد؛ لأن هؤلاء المسلمين لا يملكون آمالاً ولا طموحات، فقط يبدون في صورة بشر!
في عصر الوسائط الجديدة، أصبح من المستحيل إخفاء الحقائق. الفنان البرازيلي المستقل، كارلوس لطوف، رسم جثث شهداء تشابِل هِل وبجانبها مراسل يحمل كاميرا ويقول متثائباً: «3 مسلمين صغار السن قتلهم مسلح وحيد. لا خبر عاجل هنا». المعلقة الأميركية، سالي كون، غردت بما يلي: «المسلم مطلق النار: كل الدين مذنب. الأسود مطلق النار: كل العرق مذنب. الأبيض مطلق النار: ذئب وحيد مختل عقلياً». وهكذا فإن الأبيض مطلق النار مجرد «مسلح» (شخص يحمل سلاحاً)، «وحيد» (يعمل بمفرده، ومن ثم فلا يشكّل خطراً، بعكس المسلم مطلق النار الذي هو جزء من مؤامرة كونية). عادة ما تصوّر الميديا القاتل الأبيض بوصفه جزءاً من «الاستثناء» و «الهامش»، بينما تصوّر القاتل المسلم بوصفه جزءاً من «السائد» و «المهيمن». تلتقي الميديا بعائلة الإرهابي المسيحي أو اليهودي الأبيض التي تبدو غير مصدّقة، وباكية، مضْفيةً بذلك لمسة إنسانية وحميمية على المشهد برمته، بينما لا تظهر عوائل المسلمين المتهمين بالإرهاب، وكأنهم «مقطوعون من شجرة». وبالطبع، فإن القاتل الأبيض مدمن على الكحول، أو مصاب باضطرابات نفسية، أو حديث عهد بطلاق، بعكس «الإرهابي» الآخر الذي لا يشكو غير «جيناته» الإرهابية.
قناة العربية تقدم لنا أنموذجاً صارخاً من هذه الازدواجية الفجة إذ وصفت على صدر شاشتها هِكس بالمشتبه به، وهي التي سارعت إلى وصم مهاجمي مجلة شارلي إبدو بالإرهاب. وفي موقعها أشارت إليه بالمسلح، وليس بالإرهابي على غير عادتها عندما يكون الفاعل مسلماً، ونأت عن وصف الجريمة بالمجزرة أو المذبحة، مختارة بدلاً من ذلك وصف «المقتلة»، وحرصت على عدم إساءة فهمها قائلة: «ما سمّوه مجزرة»، مضيفة أن القاتل اعترف «بما ارتكب» حاذفة كلمة: «الجريمة». حاولت العربية الدفاع عن الإرهابي الأميركي فقالت إنه «من النوع المشاكس الميال للتحدي» (عظيم)، و «انطوائي وصدره ضيّق» (يا حرام!)، و «زواجه انتهى في 2004 بالطلاق» (مفهوم)، «ولا يطيق أي إزعاج يأتيه من أي جار» (تبرير للقتل واتهام ضمني للشهداء الثلاثة بإزعاجه ودفعه إلى ارتكاب الجريمة). ومضت العربية في اختلاق ذرائع للجريمة مشيرة إلى أن هِكس (يحلو لها أن تسميه باسمه) «عاطل عن العمل»، و«قيل» إنه اختلف مع الضحايا على موقف سيارات (13 شباط/فبراير 2015)، حتى أكثر الوسائط الإخبارية حقداً على الإسلام والمسلمين لا يمكن أن تكتب أحقر من هذا، إيديولوجية «الإلحاد الجديد» كما يصفها هيجز، لا تقل عن دين «الصهيونية الجديدة» التي تعتنقها وسائط خليجية، أبرزها قناة العربية.

• @LoveLiberty
رسالة اعتذار من صهاينة الخليج

نحن الموقّعين أدناه نعتذر إلى الإنسانيّة عن تاريخنا؛ عن ثقافتنا المفخّخة بالعنف؛ عن سيرة أجدادنا الملّطخة بالدماء. نعتذر عن ما كانوا يسمّونه «الفتوح الإسلامية»، وما كانت سوى عمليات غزو واسترقاق، وإجبار للسكان الأصليين على دفع...

السكوت علامة العار

في البدء كانوا مجاهدين، ثم صاروا فدائيين، ثم مقاومين، وتدريجاً أصبحوا مسلّحين، فكان طبيعياً أن يصبحوا في نهاية اليوم، «إرهابيين»، ثم يُسدل الستار على الفاجعة، ولمّا تنته. يصبح الإسرائيلي ضحية، وتصبح أفعاله دفاعاً عن النفس...

اليمن: الانفصال انقلاب آخر

اليمن تاريخياً بلد واحد غير مقسّم، والتقسيم إضعاف لهذا البلد، وتشتيت لشعبه، وفتح أبوابه لتدخّلات عسكرية وقواعد أجنبية واضطرابات وحروب قد تكون أسوأ من وضعه إبّان الانفصال القديم في الستينيات والسبعينيات. وبينما يتّجه العالم إلى...

ابن الغلامي والكرتون!

حدّث سهم بن كنانة، قال: كان في القرن الخامس عشر بجزيرة العرب، رجل يزعم أنّه واحد دهره في الأدب، وأنّه أدرك من أسرار البيان، ما لم يدركه إنسٌ ولا جان، وقد اشتُهر بابن الغلامي، أو...

لن أتوقّف عن الصّمت!

علّمونا ونحن صغار أنّ «الصمت من ذهب»، وكان جدّي لأمّي يكرّر لي البيت: يموت الفتى من عثرةٍ من لسانِهِ/وليس يموت المرءُ من عثرة الرّجْلِ، وقديماً قال جدّنا أكثم بن صيفي: «الصمت حُكمٌ وقليلٌ فاعله». كبرنا،...

إذا كان الاستفتاء انقلاباً فالحياة هي الموت!

قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا، وأثناءه وبعده، لم تتوقف جريدة الحياة اللندنية عن الهجوم على الحكومة التركية. كانت هذه الصحيفة معروفة إلى عهد قريب بحرصها على عدم إبراز أيديولوجيتها، وباستقطابها كتّاب رأي ليسوا...

تركيا: الرجل لم يعد مريضاً!

كان يا ما كان، في آخر الزّمان، أنّ رجلاً كان مريضاً فتعافى، فغضبت عجوزٌ كانت ذات يوم سبباً في إمراضه حتى مزّقته إرباً إرباً، وطفقت تولول وتشقّ جيبها، وتدعو بالثبور، وعظائم الأمور، فلم تكن تتوقّع...

كوني حرّة: كم من باطل أزهقته كلمة!

حدّث سهم بن كنانة، قال: في أواخر القرن الرابع عشر، قبل أن تُولد الفضائيات وتنتشر، ظهرت في جريدة اسمها «اليوم»، قصيدة أثارت كثيراً من اللوم، وكانت متحرّرة القوافي، واسم كاتبها حميد غريافي، وقد جاء في...

الأمير تميم: خطاب العقل في مواجهة الذين لا يعقلون

تسعى الخطابة السياسية عادةً إلى توحيد المواقف، وردم الفجوات، والتركيز على القواسم المشتركة. هذا هو لبّ الخطابة وفلسفتها عبر التاريخ: الدعوة إلى «التعاون»، وإحياء الروح الجماعيّة، وتغليب المصلحة العامة على الخلافات البينيّة. لكنّ ذلك لا...

الموصل: الموت على أيدي «المحرِّرين»!

كنّا نعرف أنّ «تحرير» الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، من قبضة تنظيم داعش سيكون دامياً، وكنّا نترقّب فقط مشاهد القتل الجماعي لأهل تلك المدينة بحجة تحريرهم من الإرهاب. لكن لم نكن نتوقع أنّ المجازرستثير في...

اليوم العالمي للنّوم!

حدّث سهم بن كنانة، قال: اعتراني ذات يوم السأم، وشعرت بأنواع الألم، وجفا عينيّ الكرى، وعادت صحّتي القهقرى، فراودتني الرغبة في الخروج، والاستئناس بين المروج، ودُللتُ على قرية تُسمّى «سراج»، شعارها «لدينا كلّ ما تحتاج»،...

أقوى من النسيان: التشنّج الأوروبي من الاستفتاء التركي

كان الرئيس التركي، أردوغان، محقّا في اتهامه عدداً من دول الاتحاد الأوروبي بالارتهان للفاشية والنازيّة إثر إلغاء ألمانيا عدداً من التجمّعات الانتخابيّة التي كان من المقرّر أن يحضرها وزراء أتراك في مدن ألمانيّة، ومنع هولندا...