


عدد المقالات 381
لا يتذوق الجمال إلا من اكتملت أركان الإنسانية في قلبه وروحه، وعرف أنّ خلف هذا الجمال مبدعا عظيما. وهناك انسجام تامّ بين فطرة الله التي فطر الناس عليها وعناصر الجمال التي هيأها الله لآدم وذريته، وإن من ينفر من الجمال ليس سوى إنسان خالط كيانه زفرة من زفرات إبليس الذي يجمّل القبيح ويقبّح الجميل. وقد رأينا أنّ عظماء الإنسانية يقدّرون الجمال، ويرفعون أعمدته عبر الحضارة الإنسانية، ويظهر ذلك جليًا في آثارهم التي تركوها، وأفعالهم وأقوالهم التي خلّدها محبو الجمال وصانعوه.
وفي ذلك يقول سلطان العاشقين، وجذوة التصوف المتلهّبة، وصاحب الروح المولهة المرهّبة، ابن الفارض رحمه الله:
أهفو لأنفاس النسيم تعلةً
ولوجه من نقلت شذاه تشوفي
فالعين تهوى صورة الحُسْن التي
روحي بها تصبو إلى معنى خفي
إذًا، لا يتوقف ابن الفارض عند الجمال العارض، بل يقتاده النسيم العاطر إلى منجم المكنون، ويأخذه الحسن البادي إلى لباب الحسن المصون، وسحابه المسبل الهَتون.
وهذا أبو تمام يعبّر عن الجمال، ناقلًا إلينا بهجة الربيع والربوع، وما ينفح عنها وما يضوع، وما لبست الأرض من حلاها سبحان من كساها، قائلًا:
يا صاحــــــبيّ تقَصَّيا نظريكما
تريا وجوه الأرض كيف تَصوّرُ
تريا نهارًا مشمسًا قــــــــد شابه
زهر الربا فكأنما هو مقمر
دُنيا معـــاشٌ للورى حـــــتى إذا
جُلي الربيع فـــــإنما هي منظرُ
أضحت تصوغ بطونُها لظهورها
نَورًا تكاد له القلوب تنوّرُ
مصفرّة محمرّة فكأنها عصبٌ تُيمّـنُ في الوغى وتمضّرُ
من فاقع غضّ النبات كأنه
درّ يشقق قبل ثمّ يزعفر
أو ساطع في حمرة فكأن ما
يدنو إليه من الهواء معصفرُ
صنعُ الذي لولا بدائع صنعه
ما عاد أصفرَ بعد إذ هو أخضرُ
تبارك المبدع الصانع، تبارك المغيث الزارع، تبارك من يعطي الأرض زينتها وزخرفها، ثم تصفر ثم تكون حطاما، لوحة بديعة صيغت بكلمات بليغة نابعة عن نفس جميلة تحب الجمال وتنسبه إلى الجميل سبحانه.
لقد عمل أبو تمام بقوله تعالى (اُنْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيْنْعِهِ)، وأطاع الله في التفكر والتأمل في الملكوت، فلم يسعه السكوت، بل تفجر من سحر البيان الحلال، لِيَصفَ لنا الدنيا التي تكون معاشًا حتى يأتي الربيع فتكون منتزهًا للسائحين، وكيف يخرج من بطن الأرض النسغ وماء الحياة، فيتحول إلى الزهر والنوار الذي ينور القلوب والأبصار، وكيف اكتست الأرض بأحمر الزهر وأصفره، فكانت كساحة المعركة التي يشتجر فيها جنود المضرية مع اليمانية، ولكل فريق لون مختلف من السوابغ والأقنعة والأمتعة.
وأخيرًا، ما أحوجنا إلى تذوق الجمال بنية التعبد والتقرب زلفى إلى الله الجميل، لأننا ونحن جميلون نكون أشد جذبًا ودعوة إلى الله، وأكثر دلالة على آثاره فينا، وآلائه علينا، وحقيقة، إنّ تقصي ضروب الجمال يطول لمن أراد، فهناك جمال الأفعال التي تعكس رتابة الإنسان وإنسانيته وتظهر تمايزه من سائر المخلوقات التي لا تعقل، وهناك جمال القول الذي يترجم معاني الجمال، ويطبب ويؤنس ويواسي، وقد جُعل اللسان على الفؤاد دليلًا، فمن كان قلبه مكتنزا بالجمال ظهر ذلك على لسانه. كذلك، هناك جمال المواقف عند من يتقنون حسن التخلص واجتناب الإحراج واللجاج وتضييق الحِجاج. جعلنا الله ممن يتذوقون الجمال، فيرتقون في حب الله الجميل، فيكون سمعهم وبصرهم ودليلهم.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
كثيرٌ من الناس يتجادلون في التربية، وبعلاقتها بالأسرة والمجتمع والمؤسسة التعليمية، فتتعدد الآراء المرتبطة بمفهومها، ويختلف الناس حولها، ويكمن مرجع ذلك إلى الاختلاف حول موضوع التربية من جهة، وحول فهم الطبيعة الإنسانية من جهة ثانية،...
قالوا فيها: إنها هبة ربانية مباركة، وبحرٌ لا تنفدُ كنوزُهُ، أنعم الله بها علينا – نحنُ أمةَ العربِ - وهي معشوقةٌ عجزتْ أبياتُ الغزلِ عن الإيفاء بحق جمالِها، وهي بنتُ عدنانَ، وفخرُ ميراثِ الأَجدادِ، إنها...
كلنا سمعنا قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: 30)، لكّن قلة من الناس من تعي معناه، ومقصد دلالته، وإنّ...
تعد التربية ظاهرة اجتماعية؛ كونها لا تجري في فراغ أو من دون مجتمع، ولا يمكن تصور وجود الإنسان فردًا منعزلًا عن مجتمعه أو جماعته في العصور الحديثة. والتربية في أحوالها كلها، لا تهتم بالفرد منعزلًا...
كانت المشافي قديمًا تسمى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
بتاريخها البهي، وطبيعتها الساحرة، وإرثها العريق، تتربع على شاطئ الخليج الذهبي، فتنعكس فيه أصالتها ونضارتها. هي لؤلؤة الجنوب، وساحرة الألباب والقلوب، لا يمس بهاءها حاسد مغلول، ولا ينقِصُ قدرها قولُ مجهول، أو مبغضٌ جَهول. في...
اهتم علماء الحضارة الإسلامية بطب الأسنان وعدوه تخصصًا فريدًا، وأولوه اهتمامًا خاصًا، وما يؤكد ذلك، «كثرة عدد أطباء الأسنان، وكثرة التصانيف والتآليف المرموقة التي وضعوها، تلك التي أضافت ثروة علمية كبيرة إلى الناتج العلمي والمعرفي...
ورد في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان أشدَّ حياءً من الفتاة في خدرها»، وروى أبوهريرة رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة...
ليس غريبًا أو مثيرًا للدهشة أن تُمدَح الحضارة الإسلامية من طرف أبنائها، لكن ما يثير الدهشة والإعجاب، ذكر محاسنها من طرف مَن ناصبوها العداء ذات زمن، أو من خالفوها فكرًا وعقيدة. وسأذكر في هذه المقالة...
في كواليس كل محاولة لم تكتمل، وسردية كل هدف تَراجعنا عنه، يختبئ كائن وهمي نُطلق عليه «الظروف». لقد حولنا هذا المفهوم من محض تحديات طبيعية تواجه الإنسان، إلى «شمّاعة» نحمل عليها كل تعثر، ونعلّق عليها...
إنّ الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
إن دور الدولة لا يقل أهمية عن دور الأسرة في مجال الاهتمام بالعلم والعلماء، بل إنه يفوق دور الأسرة في أحيان عديدة، وقد يكون لزامًا على كل دولة تسعى إلى بناء نهضتها، وقيادة مسيرتها نحو...