


عدد المقالات 101
(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)، (وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)، (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ)، (قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ)، (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ). مجنون، ساحر، كذاب، مسكونٌ بالجنّ... هذه بعضُ الأوصاف التي أطلقها على رسول الإسلام أولئك الذين لم يؤمنوا برسالته. حدثَ الأمر قبل أكثر من أربعة عشر قرناً. كان يمكن بسهولةٍ وبَساطة أن يطوي التاريخ هذا النوع من التصرفات ويسكتَ عن الموقف، وأن تموت معهُ تلك الاتهامات, خاصة أن (المُتَّهم) انتصر على خصومه المذكورين بطريقةٍ أو بأخرى, ونحن نعرف أن التاريخ يكتبه المنتصرون كما يحلو لهم في أغلب الأحيان. مع هذا، لم يُبدِ القرآن أي حرصٍ على إخفاء الأوصاف، رغم كل ما تحمله من تحدٍّ وهجوم. لم يحاول قطُّ أن يطمسها في عالم النسيان، مع أنه كان يستطيع ذلك دون أن يخطر في بال أحد أن يتساءل عن السبب. لم يخشَ من تأثيرها على مقام النبي الذي جاء بالرسالة في عيون أتباعه، وفي عيون الناس من ورائهم إلى يوم الدين. لم يرَ في إيرادها وتكرارها والتفصيل في الإخبار عنها طعناً جوهرياً في شخص الرسول الكريم، ولا مَساً حقيقياً بكرامته وسمعته. لم يحصل ذلك كله، وإنما حصل العكس. أعطى القرآن في موقفه من المسألة درساً في الممارسة الحضارية كان لا بد أن يُسجَّلَ في تاريخ الإنسانية. وذلك حين ضَمِنَ لتلك الاتهامات الحفظَ إلى يوم القيامة من خلال خلوده. وتَركَ المجال مفتوحاً لقراءتها واستعراضها ومعرفة خلفياتها وأبعادها ودلالاتها. ويمكن القول إنه اعتبرها بِلُغة هذا العصر (رأياً آخر) يستحق أن يبقى وأن يَسمعه الناس في كل زمان ومكان. بل تجاوز القرآن كل ما سبق وقام بعَرضه في إطار أسلوبه الأنيق بكل ما فيه من بلاغة وبيان وجماليات في الألفاظ والجمل والتراكيب, يتذوقُها من يعرف شيئاً عن اللغة العربية، مسلماً كان أو غير مسلم. لم يحدث هذا عبثاً. لم تأتِ هذه المعالجة للموضوع خطأً أو سهواً! كان القرآن فيما نحسب يريد أن يضبط التصورات والمفاهيم في قضية حساسة وخطيرة تؤثر على الوجود البشري في هذه الأرض على الدوام. كان ولا يزال يهدف إلى تحرير الإنسان من تقديس الإنسان، حتى لو كان الأمر يتعلق بصاحب الرسالة الأخيرة، وبالرجل الذي تعتبرهُ الرسالةُ نفسها خيرَ بني البشر، الرجل الذي يؤكدُ القرآنُ أن الله وملائكته يُصلُّون عليه، وهي منزلةٌ ليس كمثلها منزلة في مقاييس الرسالة. كان القرآن ولا يزال يهدف عندما عالج الموضوع بتلك الطريقة إلى ضبط التوازنات في العلاقة بين الإنسان والفكرة، وإلى التأكيد أن الهدف النهائي والأكبر يتمثل في ربط الناس بفكرة ترمي لتأكيد قيم الحق والعدل والحرية والجمال في حياة البشرية على هذه الأرض. من هنا، لم يرَ القرآنُ أن مكمن الخطر على الفكرة يتمثل في تحدِّي حاملها، ولا في الإساءة إلى شخصه، ولا في التهجم عليه، ولا في توجيه الاتهامات إليه.. حتى ولو كان يرى في مثل تلك التصرفات درجةً من الافتراء. لكن البعض أصرَّ ويصرُّ على أن يتعامل مع القضية بالمقلوب. قد ترضى قلةٌ من المسلمين القول بأنها تُقدّس شخص الرسول، لكن لسانَ الحال أبلغُ من لسان المقال كما قالت العرب قديماً. فالملايين من (المسلمين) التي تهجر الإسلام في تجلياته الإنسانية، وتتجاهلُ دلالاته الحضارية الكبرى، وتُعرض عن الالتزام بتعاليمه الأصيلة، وتتجاوز ما لا يُحصى من مقتضياته الحساسة، هي نفسها التي تُشهر أمضى سيوف الغضب المعنوي والمادي حين يتعرض شخصُ من أتى بالفكرة للهجوم والاتهام. والتناقضُ في المسألة واضحٌ بحيث لا يحتاج لشرح وتفصيل. لا يدعو هذا الكلام طبعاً لفتح أبواب الإساءة لرسول الإسلام، ولا لغيره من الرسل والأنبياء، ولا لمخلوق على هذه الأرض. وربطُ الأمور بهذه الطريقة مدخلٌ للتسطيح والانتقائية لا يستحق النقاش. فالحقيقة أن قصة الفيلم الأخير المسيء للرسول عادت اليوم، بعد الأحداث المشابهة في السنوات الماضية، لتصبح نموذجاً آخر يُعبّر عن أزمة إنسانية لا تختص بالإسلام ولا بالمسلمين، ولا بالعرب، ولا بشعب من الشعوب أو بديانة من الديانات. وتلك هي الأزمة التي كان القرآن يحرص على ألا تقع فيها البشرية. فحين يخرقُ البشر التوازنات المطلوبة في العلاقة بين الإنسان والفكرة، يُصبح من السهل حشرُهم في نفق التعصب والكراهية والعدوان. ويُصبح التافهون والهامشيون قادرين على جرِّ مئات الملايين إلى الكوارث. لا فرق أن يتسبب هؤلاء في المأزق عن غباءٍ وجهل أو عن سوء نية وطويّة. فالنتيجة في النهاية واحدة. ولا يبقى مجال لأن يتوقف أحدٌ عند أسئلةٍ بدهية: من فعل هذا؟ وهل هناك هدفٌ أكبر من الهدف المباشر الذي أثار الضجيج؟ لقد أنتج الفيلم فردٌ متعصّب إسرائيلي أميركي، وروّج له متعصبان معروفان، أحدهما قبطي أميركي أدانت فعله الأوساط القبطية، والآخر قسٌ أميركي يُنعت بالجنون في الأوساط الأميركية. كل هذا حسب صحيفة (إنترناشيونال هيرالد تريبيون) التي وصفت الفيلم بأنه أقرب لعمل الهواة! لا علاقة لأميركا حكومةً وشعباً بالموضوع من قريب أو بعيد. قد يكون للعرب عليهما ألفُ مأخذٍ ومأخذ، لكن هذا لا يغير الحقيقة المذكورة في هذا المجال تحديداً. فهل يستحق مثل هذا الموضوع ما جرى ويجري، وتحديداً في بعض بلدان الربيع العربي، خلال هذه الفترة الحساسة؟ لسنا في مقام الجري وراء رضا أميركا أو غيرها، لكن تحقيق مصالحنا يتطلب التعامل مع قضايانا بحدٍّ أدنى من الواقعية. وسيكون الرأي العام الغربي الذي يرى ما يحصل، من منظوره الثقافي والقانوني الخاص، عرضةً لمزيد من الارتباك وسوء الفهم بالنسبة للربيع المذكور ومآلاته. الأمر الذي يوفر بيئة خصبة لكل من يريد أن يصطاد في الماء العكر من أصحاب المصالح الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية المتضاربة مع مصالح العرب. مرة أخرى، تظهر الحاجة لثورة أخرى تُسهم في تحقيق الأهداف الكبرى للربيع المذكور. نرفض بعض المقولات التي باتت تتحذلق بوصفها ما جرى في العامين الماضيين على أنه (خريفٌ عربي). وهي مقولاتٌ تتجاهل تراكم عقود من التصحير السياسي والثقافي والاقتصادي الذي مورس في تلك المجتمعات، وتقفز فوق التغييب الشامل للإنسان وإرادته في رسم حاضره ومستقبله، وتَغفل عن الوقت والجهد المطلوب على طريق تجاوز ما أفرزتهُ تلك التحديات. لكن علينا أن نرفض أيضا مساهمة بعض شرائح المجتمع العربي في تقديم المسوغِّات لطرح تلك المقولات وتأكيدها وإفساح المجال لقبولها في أي فضاءٍ حضاري، غربياً كان أو عربياً. من هنا، تنبع الحاجة لاستمرار ثورة الربيع العربي في الجوانب الفكرية والثقافية، وفي طرق فهمنا للعالم وأساليب التعامل معه، بعد زوال الطغاة والنظم السياسية التي كانت تمارس التجهيل في هذا المسار بكل طريقة ممكنة. ولهذا تحديداً، لم يعد مقبولاً أن يستصعب الإنسان العربي أداء الأدوار الحضارية التي تعيد إليه كرامته وكرامة ثقافته وحضارته، وأن يلجأ بدلاً من ذلك إلى (الاستسهال) لإشعار نفسه بالرضا والطمأنينة، وإذا كان الهجوم على السفارات بطولةً في نظر بعض شرائح المجتمع العربي، فإن هذا يحتاج إلى وقفة كبرى للمراجعة والتأمل. من السهل طبعاً استغلال العواطف والمشاعر الهائجة لإساءة فهم هذا التحليل، بل والإساءة إلى أصحابه. لكن هذا لن يعدو كونه دليلاً إضافياً على حاجتنا لثورة أخرى على الصعيد الفكري والثقافي. إننا لا ننكر أن مثل هذه القضايا تُظهر درجة الانتماء الموجود في أعماق الإنسان العربي لهويته وحضارته. وهو انتماء يحمل كموناً إيجابياً هائلاً لو أمكن استثماره على الوجه الأمثل. لكننا نؤكد أن ما جرى سيقودنا إلى تحديات أخرى أكبر, وأن تلك التحديات (هي) التي قد تُظهر مدى (بطولة) أفراد المجتمع العربي، حين يعيش هؤلاء الإسلام بكل تجلياته الإنسانية، ويلتزموا بتعاليمه الأصيلة ويُعبّروا بممارساتهم وأفعالهم عن دلالاته الحضارية الكبرى، ويتوقفوا عن تجاوز ما لا يُحصى من مقتضياته الحساسة. نُدرك الموقف النفسي والشعوري المشرّف للعرب جميعاً من الثورة السورية، لكن المشهد الحالي يدفعنا مضطرين للتساؤل: ألا يُعتبر ما يجري في سوريا إساءةً للرسول تستحق عملياً مزيداً من الفعل والعطاء الذي يستطيع العرب القيام به على وجه التأكيد؟ سؤالٌ قد يُعطي التفكير به إجابات تتجاوز سوريا في نهاية المطاف.
بعد بضعة أيام من نشر هـذا المقال، يعقد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية اجتماعاً سيكون من أكثر الاجتماعات حساسية في تاريخه وتاريخ الثورة السورية، إن لم يكن أهمها على الإطلاق. وتنبع خطورة الاجتماع بالدرجة...
{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء ونحنُ نُسبّحُ بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلمُ ما لا تعلمون}. بغضّ النظر عن الحشو الذي يملأ بتفاصيله...
لم يعد ثمة مجالٌ على الإطلاق، وبأي حسبةٍ من الحسابات، أن يسمح عربُ المشرق، ومعهم تركيا، لهذا الطوفان الإيراني أن يجتاح المنطقة بهذا الشكل الصارخ، ليس فقط في قباحته وابتذاله، بل وفي دلالات الموقف الدولي...
منذ بضعة أيام، صدرت عن الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مواقفُ نعتقد أنها غير مسبوقة، وأن دلالاتها السياسية والدينية والثقافية تحتاج إلى كثيرٍ من التأمل. خاصةً عندما نفكر بأسبابها من جهة، ومآلاتها...
قلائلُ هم الرؤساء الأميركان الذين يعرفون لماذا وصلوا فعلاً إلى البيت الأبيض, وماذا سيفعلون فيه على وجه التحديد. هذه حقيقةٌ معروفةٌ في أميركا، رغم أن عدد ساسة هذا البلد الذين يحلمون بالوصول إلى أهم موقعٍ...
ما من شكٍ أن ثوار سوريا على الأرض كانوا ولا يزالون وسيبقون أصحاب القرار الحقيقي، لا نقول فيما يتعلق بمصير الثورة السورية، وإنما في تحقيق نصرها المؤزر في نهاية المطاف. لكن هذا لا يتناقض مع...
من الممكن جداً أن يكون تشكيل الحكومة السورية المؤقتة نقلةً هامة على طريق تحقيق أهداف الثورة السورية. ثمة مؤشرات عديدة على أن هذا الأمر في وارد الحصول، رغم الشكوك التي يطرحها البعض هنا وهناك. يبدأ...
منذ أكثر من خمسة شهور، وفي لحظة تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، كان أعضاؤه يعرفون، ومعهم العالم أجمع، أن الائتلاف هو المؤسسة الأم التي ستتولد عنها ثلاث مؤسسات أخرى أحدُها الحكومة المؤقتة. لم...
كثيرةٌ هي التحديات التي تواجه الثورة السورية، لكن تحدي الحفاظ على (الاستقلالية) بحساباتها وموازناتها الشاملة قد يكون أكثرهاً خطورةً وأهمية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الموقع الاستراتيجي لسوريا فإن التعامل مع هذا التحدي كان وسيبقى مهمةً...
كلما قلتُ متى موعدُنا ضحكت هندٌ وقالت بعد غد. قد يعبّر هذا البيت من الشعر العربي عن حال الثورة السورية مع معارضتها السياسية. فرغم المحاولات المختلفة للقيام بالدور المطلوب من قِبلها، لا تبدو هذه المعارضة...
يمكن وصف الثورة السورية بألف طريقة وطريقة، فهي تحمل في طياتها بحراً من المعاني سيأتي قريباً اليومُ الذي تظهر دلالاتهُ الحقيقية للناس. لكن وصف (الهجرة) قد يبدو في هذه المرحلة مُعبّراً عن واقع السوريين أكثر...
في عددها مطلع الأسبوع الماضي، نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية مقالاً بعنوان «سوريا، موت وطن». وعلى غلاف العدد، وضعت المجلة رسماً من ثلاثة أسطر يُعبّر عن دمار سوريا بشكلٍ تدريجي وصولاً نحو الخراب الكامل. بعدها بأيام،...