


عدد المقالات 189
قال لي الشيخ عبد الله عزّام عندما التقيت به في مؤتمر لرابطة الشباب المسلم العربي في الولايات المتحدة قبل استشهاده بعامين تقريباً إنه زار السعودية، فعرض عليه شباب أن يُسمعوه شريط كاسيت يحتوي هجوماً عليه، فقال: لا أريد، حتى لا أحمل في قلبي غلّاً على مسلم. هكذا كان أبو محمد، عبد الله يوسف عزام، سليم الصدر، طلق المحيّا، لا تفارق الابتسامة شفتيه. كنت في الثمانينيات رئيس تحرير مجلة طلابية في ولاية إلينوي الأميركية اسمها «المغترب»، فكان الشيخ يسألني كلما رآني بابتسامته العذبة: «لا زلتَ مغترباً؟». سألني مرّة في أحد مؤتمرات الرابطة: من أيّ قبيلة أنت؟ قلت: من تميم، فابتسم قائلاً: جاءنا في بيشاور تميمي من الشرقيّة! كان الشيخ منبهراً بالسعوديين وبقدرتهم على العطاء واستعدادهم للتضحية. في كلمة بليغة ألقاها في مؤتمر للرابطة قال: كنّا نظنّ أنّ الشباب السعوديين قتلهم التّرف، فإذا بنجد والحجاز تقذف إلينا من أكبادها. لا أنسى هذه العبارة لأنّني تأثّرت حينها وبكيت. سألته مرّة عن موقف الشيخ ابن باز من الجهاد الأفغاني، فابتسم ابتسامة عريضة، وأكّد لي حماس الشيخ لتحرير أفغانستان، ودعمه الكامل للمجاهدين. لكن الأمور تغيّرت في السعودية، فالهجوم على ما يُسميّه المتصهينون «الإسلام السياسي»، وكل من ينتمي إليه، أصبح «اللعبة المفضّلة». في تقرير بالغ الركاكة والتهافت، هاجمت جريدة عكاظ، يوم الأربعاء الماضي، الشيخ عزّام، الذي كان له قصب السبق في حشد الدعم لمقاومة الغزو السوفييتي لأفغانستان بدعم سعودي رسمي وشعبي، وحمايته من التطرف أو الاقتتال الداخلي. وصفت الجريدة الشيخ بـ «الإرهابي الهالك»، وقبلها شتمه منتمون إلى جريدة «الشرق الأوسط» في لندن، أو قناة العربية ومركز المسبار في دبي، مثل مشاري الذايدي، وفارس حزام، وعبد الله بجاد، كما شتمه من جريدة الرياض عبد الله بخيت، ومن جريدة الجزيرة حماد السالمي، ومحمد آل الشيخ الذي علّق على هجوم للذايدي على عزّام في برنامجه «مرايا»، على قناة العربية، بالقول: اختصرت هذه الحلقة «عن الأفّاك المتأسلم، عبد الله عزّام...تاريخ هذا الكلب الإخواني في عشر دقائق». لا يكفّ هؤلاء عن التطاول على الشيخ حتى بعد 26 عاماً من استشهاده وولديه في تفجير غادر في بيشاور عام 1989. بعد الذي نشرته «عكاظ»، قرّرت إشهار وسم يدافع عن الشيخ عزام، ليَظهر للعالم أنّ القلّة التي تزعق ضد الإسلام ورموزه في وسائط سعودية لا تمثّل السعوديين. اشتعل الوسم بآلاف التغريدات، فوجدتها فرصة للتذكير بالإنتاج العلمي للشيخ في الفقه والعقيدة والثقافة والسياسة والأدب. كان الإقبال عظيماً، وتعرّفت أجيال جديدة على عزّام مستنكرةً الحملة عليه. لكن كان مؤلماً أنّ عدداً من المتديّنين البارزين في الوسائط الاجتماعية، وبعضهم يتابعه الملايين، لم يعلّقوا ببنت شفة في الوسم. تلك مصيبة أخرى قد تهون عندها مصيبة «عكاظ»! من الذي يعطي وسائط كجريدة عكاظ أو قناة العربية وغيرهما حقّ وصم من تشاء بالإرهاب أو التطرّف، وكيف يمكن أن يفلتوا من المساءلة؟ إنّ اتهام رمز كالدكتور عزام بالإرهاب يتجاوز محاولة النيل من تاريخه إلى وصم السياسة السعودية خلال عقد كامل بدعم الإرهاب. عزام كان أستاذاً بجامعة الملك عبد العزيز بجدّة، التي أعارته للجامعة الإسلامية الدوليّة بإسلام أباد، وبعد ان انتهت مدّة إعارته، تعاقدت معه رابطة العالم الإسلامي وانتدبته للتدريس في الجامعة الباكستانية عينها. بل إن تجريم عزّام تجريم لأمتنا السّنيّة كلها بوصفها أمّة إرهابية تعتنق ديناً إرهابياً، الأمر الذي يتسق مع خطاب الإسلاموفوبيا، وشيطنة الرئيس الأميركي ترمب للإسلام. تخلّى عزّام عن متاع الدنيا، واستشهد وابناه في ساح الشرف مقبلين غير مدبرين. أما الشاتمون، فسينتهون إلى قاع التاريخ، ويبقى عزام حيّاً في ذاكرة الأجيال، كما هو حيٌّ يُرزق عند ربّه. وكما سمعته أكثر من مرّة يردّد بصوته المبحوح وترتيله الشجي: «كذلك يضرب الله الحقّ والباطل، فأمّا الزّبَد فيذهب جُفاءً، وأمّا ما ينفع اّلناس فيمكث في الأرض».
نحن الموقّعين أدناه نعتذر إلى الإنسانيّة عن تاريخنا؛ عن ثقافتنا المفخّخة بالعنف؛ عن سيرة أجدادنا الملّطخة بالدماء. نعتذر عن ما كانوا يسمّونه «الفتوح الإسلامية»، وما كانت سوى عمليات غزو واسترقاق، وإجبار للسكان الأصليين على دفع...
في البدء كانوا مجاهدين، ثم صاروا فدائيين، ثم مقاومين، وتدريجاً أصبحوا مسلّحين، فكان طبيعياً أن يصبحوا في نهاية اليوم، «إرهابيين»، ثم يُسدل الستار على الفاجعة، ولمّا تنته. يصبح الإسرائيلي ضحية، وتصبح أفعاله دفاعاً عن النفس...
اليمن تاريخياً بلد واحد غير مقسّم، والتقسيم إضعاف لهذا البلد، وتشتيت لشعبه، وفتح أبوابه لتدخّلات عسكرية وقواعد أجنبية واضطرابات وحروب قد تكون أسوأ من وضعه إبّان الانفصال القديم في الستينيات والسبعينيات. وبينما يتّجه العالم إلى...
حدّث سهم بن كنانة، قال: كان في القرن الخامس عشر بجزيرة العرب، رجل يزعم أنّه واحد دهره في الأدب، وأنّه أدرك من أسرار البيان، ما لم يدركه إنسٌ ولا جان، وقد اشتُهر بابن الغلامي، أو...
علّمونا ونحن صغار أنّ «الصمت من ذهب»، وكان جدّي لأمّي يكرّر لي البيت: يموت الفتى من عثرةٍ من لسانِهِ/وليس يموت المرءُ من عثرة الرّجْلِ، وقديماً قال جدّنا أكثم بن صيفي: «الصمت حُكمٌ وقليلٌ فاعله». كبرنا،...
قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا، وأثناءه وبعده، لم تتوقف جريدة الحياة اللندنية عن الهجوم على الحكومة التركية. كانت هذه الصحيفة معروفة إلى عهد قريب بحرصها على عدم إبراز أيديولوجيتها، وباستقطابها كتّاب رأي ليسوا...
كان يا ما كان، في آخر الزّمان، أنّ رجلاً كان مريضاً فتعافى، فغضبت عجوزٌ كانت ذات يوم سبباً في إمراضه حتى مزّقته إرباً إرباً، وطفقت تولول وتشقّ جيبها، وتدعو بالثبور، وعظائم الأمور، فلم تكن تتوقّع...
حدّث سهم بن كنانة، قال: في أواخر القرن الرابع عشر، قبل أن تُولد الفضائيات وتنتشر، ظهرت في جريدة اسمها «اليوم»، قصيدة أثارت كثيراً من اللوم، وكانت متحرّرة القوافي، واسم كاتبها حميد غريافي، وقد جاء في...
تسعى الخطابة السياسية عادةً إلى توحيد المواقف، وردم الفجوات، والتركيز على القواسم المشتركة. هذا هو لبّ الخطابة وفلسفتها عبر التاريخ: الدعوة إلى «التعاون»، وإحياء الروح الجماعيّة، وتغليب المصلحة العامة على الخلافات البينيّة. لكنّ ذلك لا...
كنّا نعرف أنّ «تحرير» الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، من قبضة تنظيم داعش سيكون دامياً، وكنّا نترقّب فقط مشاهد القتل الجماعي لأهل تلك المدينة بحجة تحريرهم من الإرهاب. لكن لم نكن نتوقع أنّ المجازرستثير في...
حدّث سهم بن كنانة، قال: اعتراني ذات يوم السأم، وشعرت بأنواع الألم، وجفا عينيّ الكرى، وعادت صحّتي القهقرى، فراودتني الرغبة في الخروج، والاستئناس بين المروج، ودُللتُ على قرية تُسمّى «سراج»، شعارها «لدينا كلّ ما تحتاج»،...
كان الرئيس التركي، أردوغان، محقّا في اتهامه عدداً من دول الاتحاد الأوروبي بالارتهان للفاشية والنازيّة إثر إلغاء ألمانيا عدداً من التجمّعات الانتخابيّة التي كان من المقرّر أن يحضرها وزراء أتراك في مدن ألمانيّة، ومنع هولندا...