alsharq

عبد العزيز الحيص

عدد المقالات 81

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 29 يوليو 2026
عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟
رأي العرب 31 يوليو 2026
وجهة رائدة للاستثمار الأجنبي

الغاضبون وقتل الأفكار

14 ديسمبر 2015 , 01:33ص
تتعطل الأفكار في مجتمعاتنا بسبب الغضب، فالناس لا تقول أفكارها بصراحة، بسبب وجود صف طويل من الغاضبين، الذين لا يرحبون بالأفكار ومستعدون للذهاب إلى أبعد مدى في الصراع معها، من الطبيعي أن يُسجن الكاتب أو الشاعر بتهمة الهرطقة، أو أن تصدر فتوى أو قرارات فصل ضد إنسان بناء على توجهاته وفكره، مجالس المجتمع نفسها لم تعد فسيحة ومفتوحة لطرح الأفكار، كل هذا بسبب كثرة الغضب والتوجس من الاختلاف والمخالفة، حُقن المتطرفين في مجتمعاتنا أثمرت الخوف والغضب.
المتطرفون هم أكثر من تغضبه الأفكار، وهذا ليس مرده أن الأفكار تستحق الغضب، بل الغضب هو آلية دفاعية لديهم، لدفع الأفكار والابتعاد عنها فقط، هم ابتداءً ليس لديهم رغبة الانفتاح على الحوار والأفكار، فمعرفة طريق الحق في الحياة والأفكار الصحيحة، طريق واضح ومسلم به لديهم. لقد امتلكوه مسبقاً؛ لذا فالأمر لديهم في التفاعل مع الآخر يكمن في توصيل الأفكار والإقناع بها لا أكثر، وليس الأمر إعادة بناء أفكار أو خلق أخرى جديدة؛ ولذا يلجؤون لحيل كثيرة في صراعهم مع الأفكار والتغير الحاصل في المجتمع، وحيلة الغضب هي الأولى في المشهد.
يبدو الأمر أن مجتمعاتنا تبنت آلية المتطرفين، وفسدت المجالس وفقدت رحابتها المعهودة، وضاقت صدور العرب الذين كانت صدورهم منذ وجدوا في هذه الدنيا صدور أحرار وقوم لُقاح، تبنت مجتمعاتنا هذا السلوك الرافض والمستهجِن للحديث التحرري والأفكار التحررية، بدعوى التغريب حينا، أو البدعة والانحراف، والمنابر التي سيطرت لفترة طويلة في مجتمعاتنا نجحت في تسميم وتشويه المفاهيم والقيم المعاصرة مثل الحرية والعدالة والديمقراطية وغيرها، لقد اشتكى الفيلسوف نيتشه وغربيون آخرون من أن التشدد في ثقافتهم منعهم من الاستفادة من ميراث جارتهم الحضارة الإسلامية، ونحن اليوم نعيش نفس الدور الذي عاشوه سابقا، فإن أُسّ التنوير وأساسه دوماً، شجاعة قول الأفكار.
وفي مقال له عن داعش، يتساءل الفيلسوف سلافوي جيجك عن المتطرفين: إذا كانوا يشعرون أنهم توصلوا إلى الحقيقة، فَلِمَ يشعرون بالغضب الشديد من الآخرين؟!، لماذا المتطرف مهووس بالآخرين، وأفكارهم وأفعالهم، ألا يوجد مساحة في العالم تتيح له أن يعيش ويترك المساحة لغيره المختلف معه، فأصحاب الحق الواحد يغضبون من تعدد وجوه الحق؛ ولأن العالم العربي عالم تنظيري من الدرجة الأولى، ولا يوجد فيه تطبيق؛ لأن السلطات لا تسمح، أو لأن الناس تريد فقط ما اعتادت عليه، هنا يسهل في هذا العالم التنظيري أن يجنح أي أحد لأي جهة يريد، ولذا من السهل استخدامه لتفريغ طاقات الغضب والتشفي والصراع، ليس من عادة الغضب إنتاج فكرة سليمة، وأولئك الغاضبون المشحونون دوما لا يمتلكون سلطانا على أنفسهم، فكيف نسلم لهم المجتمعات.
مرحلة الفكر في الدولة العربية الحديثة كانت مرحلة عسرة، فالدولة العربية منذ ولدت قبل أكثر من نصف قرن، وهي سيدة الغضب، واستخدمت أفكارا وخطوطا عريضة ومارست القسر عليها، والتطرف الذي يشيع كثقافة اليوم، إنما وُلِد من قبل متطرفين أفردت لهم الدول المساحات واستغلت وجودهم، طالما ظلوا يخدمونها فيما تريد. الدولة العربية كانت الكيان الغاضب الذي لا يسمح بوجود من يزاحمه، وأصبح الخوف سيد الموقف من أفكار التغيير وأفكار التحرر، بسبب هيمنتها، فالدولة جهاز ضخم ومعقد يطمح للسيطرة، وقد رسمت وضعا قائما صلدا تطمح للمحافظ عليه، ومن أسلحتها فيه تلك النخب المحافظة التي تخيف كل من يطرح أفكار الإصلاح والتغيير، باب واسع من أبواب إفساد حياة العرب عليهم، هو باب الأفكار الغاضبة، تلك الأفكار التي تمر ولا تقف، بل تحطم وتحطم نفسها في الأخير.
إن الثقة هي الزيت الذي يسهل مفاصل حركة المجتمع، وهي أمر رمزي ومعنوي يسهّل كل حركة بين فئات المجتمع وطبقاته، وحين تغيب الثقة تتعطل مفاصل البلد وحياته الاجتماعية، وبلا ثقة يكون كل كيان وفئة اجتماعية مجرد جزيرة معزولة، والغضب والرغبة في السيطرة هي الحاكم بينهم، إن عدم وجود الحوار والتفاعل في المجال العام وأبعاده السياسية والدينية والاجتماعية، ليس من صالح أي مجتمع، ومن اللافت أن مجتمعاتنا اليوم تتملك وسائل ضخمة للتعبير، كالانترنت ووسائل المعرفة الأخرى، لكن في ذات الوقت جو الانفتاح والطمأنينة في عرض الأفكار الجريئة ومناقشتها، لا يزال غائبا بسبب الخوف والتخويف.

• Azizf303@gmail.com
وداعاً «في العمق»

قبل أيام تم بث الحلقة الأخيرة من برنامج «في العمق» على قناة الجزيرة، بعد إطلالة البرنامج الأسبوعية منذ العام 2009، وعلى مدى سبع سنوات. حين قدمت إلى العمل في البرنامج قبل سنوات، كان الأمر صعبا،...

الفرد ومشاكله المالية

أجدادنا في السابق كان الكثير منهم مبادرين في تدبر وكسب قوتهم، في أمر مشابه لمن يسمون اليوم بالأنتروبنورز، أو رواد المشاريع والمعتمدين بشكل جدي على ذواتهم. تدبر المعاش والرزق كان مهمة يومية جادة. وبعد تشكل...

السعودية وقانون جاستا

لأول مرة يُسقط الكونجرس الأميركي فيتو لأوباما، وذلك في تصويت مجلس الكونجرس الأميركي حول قانون «العدالة مع رعاة الإرهاب» المسمّى جاستا JASTA. تمرير هذا القانون بلا شك سيعمل على زعزعة علاقة متينة بين البلدين استمرت...

جيجك واللاجئون

السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك...

خوف في الشبكات الاجتماعية

الشبكات الاجتماعية حقول متنوعة، ساعدت الناس على الانطلاق، ونشر الرأي والمعلومة، ودعمت ظهور الأفكار وحرية التعبير عنها. لكن يبقى بعد كل هذا المدح الذي تم سبكه لأجل الشبكات الاجتماعية، أن نتدارك الأمر قليلا، ونعرف أن...

تركة العدناني

بعد مقتل استراتيجي تنظيم الدولة والمتحدث باسمها، أبي محمد العدناني، الأسبوع الماضي، يستمر مسلسل خسارات تنظيم الدولة، فبجانب خسارة الأراضي والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد عليه، قُتل أكثر من عشرة قياديين بارزين للتنظيم في مجلس الشورى...

ذاكرة الكراهية

ذاكرة البشر محدودة وقصيرة، وإن كانت هذه الذاكرة مشغولة بالكراهية فماذا سيبقى منها لصنع حاضر أفضل؟ حضور الكراهية الدائم في الذهن يعني إعادة إنتاج الواقع وفق تصور هذه الذاكرة، وهذا يصعب الأمر خصوصا على المجتمعات...

مجتمع النظام الأبوي

مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب...

القبيلة

الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها...

أميركا بين الديمقراطية والانقلاب

تصدير الديمقراطية سلعة أميركية، والانقلاب عليها أيضا سلعة أميركية بامتياز. في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الملف الأميركي واضحاً في دعم الانقلابات حول العالم، ويعدد ويليام بلوم في كتابه «قتل الأمل»، ما يقارب أربعين...

وحش النقد

في العادة، لا يذهب الناس عميقا في نقاشاتهم الجماعية أو الثنائية، لأنهم يخشون النقد ويتجنبونه. حضور النقد قد يأخذ الحديث إلى منحى آخر، وإلى هجوم متبادل وصراع. وفي عالم الإنترنت اليوم، كثرت الأحاديث وصراعات الرأي...

الانقلاب والديمقراطية

لا تكمن ميزة الديمقراطية في أنها فقط قد تحقق للمرء ما يريد، بل أيضاً أنها تعوّد المرء على قبول ما لا يريد. في عام 2008 حين قدم أوباما للسلطة في الولايات المتحدة، أذكر أن طالبا...