alsharq

زهرة حسن السيد

عدد المقالات 1

إبراهيم عبد الله المحمدي - مؤلف وتربوي 13 أغسطس 2026
تيسير الخدمات لكبار القدر استكمال لمسيرة العطاء
السفير رشاد فراج الطيب - دبلوماسي وباحث سوداني 10 أغسطس 2026
جامعة حمد بن خليفة تحتفي بإرث البروفيسور مالك بدري

هوايات تنقذ الإنسان

13 أغسطس 2026 , 09:59م

حين نسأل طفلًا عن هوايته، يجيب بحماس ودون تردد. يخبرنا أنه يحب الرسم، أو كرة القدم، أو القراءة، أو تركيب الألعاب، وكأنه وجد في تلك الهواية عالمًا يخصه وحده. لكننا، مع مرور السنوات، ننشغل بالدراسة والعمل والمسؤوليات، حتى تصبح الهوايات أول الأشياء التي نؤجلها، ثم أول الأشياء التي نتخلى عنها.
نقنع أنفسنا بأننا لا نملك الوقت، وأن الأولويات تغيرت، وأن الهوايات مجرد وسيلة لتمضية الفراغ. لكن الحقيقة أن الإنسان لا يحتاج إلى الهواية عندما يكون لديه وقت فراغ، بل يحتاج إليها عندما تمتلئ حياته بالضغوط.
فالحياة لا تثقلنا دائمًا بالمشكلات الكبيرة، بل تستنزفنا بالتفاصيل الصغيرة المتكررة. مواعيد لا تنتهي، مسؤوليات تتزايد، رسائل لا تتوقف، وسباق مستمر للحاق بما هو قادم. وفي خضم هذا الإيقاع السريع، ينسى الإنسان أن يمنح نفسه لحظة يلتقي فيها بذاته، وهنا تأتي الهواية.
ليست لأنها تزيد من إنتاجيتنا، ولا لأنها تضيف إنجازًا جديدًا إلى سيرتنا الذاتية، بل لأنها تمنحنا مساحة نكون فيها أنفسنا، دون تقييم، ودون منافسة، ودون خوف من الخطأ.
فالذي يرسم لا يفكر في عدد اللوحات التي سينجزها، بل في السكينة التي يشعر بها وهو يمسك الفرشاة. والذي يقرأ لا يبحث دائمًا عن معلومة جديدة، بل عن رحلة قصيرة يبتعد فيها عن ضجيج الواقع. والذي يعتني بالنباتات لا يزرعها ليُبهر أحدًا، بل لأنه يجد في نموها شيئًا يطمئن قلبه، ويذكره أن الأشياء الجميلة تحتاج إلى وقت وصبر.
وليس المهم نوع الهواية، بل الأثر الذي تتركه في صاحبها. فقد يجد شخص راحته في التصوير، وآخر في الكتابة، وثالث في الطبخ، ورابع في إصلاح الأشياء القديمة، وخامس في المشي الطويل دون وجهة محددة. ما يبدو بسيطًا للآخرين قد يكون بالنسبة إلى صاحبه ملاذًا حقيقيًا.
ومن أجمل ما تمنحه الهوايات أنها تعيد للإنسان علاقته بنفسه. ففي الوقت الذي أصبحت فيه معظم أنشطتنا مرتبطة بنتيجة أو مكافأة أو تقييم، تبقى الهواية مساحة نفعل فيها شيئًا لمجرد أننا نحبه. لا لأن أحدًا طلبه منا، ولا لأننا سنحصل بسببه على شهادة أو ترقية، بل لأن أرواحنا تحتاج إليه.
ولعل كثيرًا من الناس لا يدركون أن الهوايات كانت سببًا في تجاوزهم أصعب مراحل حياتهم. فكم من شخص وجد في الكتابة طريقة لترتيب أفكاره، أو في الرسم وسيلة للتعبير عن مشاعره، أو في الرياضة فرصة للتخلص من التوتر، أو في العزف لغةً يقول بها ما عجزت عنه الكلمات. لم تكن الهواية هي الحل لكل مشكلة، لكنها كانت الجسر الذي عبروا عليه حتى هدأت العاصفة.
ومع ذلك، فإن أخطر ما نفعله بأنفسنا هو أن نحول حتى هواياتنا إلى سباق. نبدأ بممارستها حبًا فيها، ثم ننشغل بعدد المتابعين، أو الإعجابات، أو المقارنات مع الآخرين، فنفقد السبب الذي جعلنا نحبها منذ البداية. وما كان مصدرًا للراحة، يتحول إلى مصدر جديد للضغط.
الهواية الحقيقية لا تحتاج إلى جمهور. قد تكتب صفحة لا يقرأها أحد، أو تلتقط صورة لا تنشرها، أو تعزف لحنًا لا يسمعه غيرك، ومع ذلك تشعر بأنك ربحت شيئًا لا يُقاس بالأرقام. لأن القيمة لم تكن في تصفيق الآخرين، بل في الأثر الذي تركته تلك اللحظة داخلك.
وليس من الضروري أن تكون موهوبًا حتى تمتلك هواية. فكثير من الناس يحرمون أنفسهم من تجربة شيء يحبونه لأنهم يظنون أنهم لن يكونوا الأفضل فيه. لكن الهواية لم تُخلق لننافس بها الآخرين، بل لنتصالح بها مع أنفسنا. يكفي أن تمنحك شعورًا بالراحة، حتى تكون قد أدت رسالتها.
ومهما ازدحمت الحياة، يبقى الإنسان بحاجة إلى نافذة صغيرة يطل منها على نفسه. نافذة تذكره أن الحياة ليست قائمة من الواجبات فقط، وأن القلب يحتاج أحيانًا إلى ما يغذيه كما يحتاج الجسد إلى الطعام.
وفي النهاية، قد لا تنقذ الهوايات العالم، لكنها كثيرًا ما تنقذ الإنسان من نفسه؛ من إرهاقه، ومن قلقه، ومن شعوره بأن الأيام أصبحت متشابهة. إنها لا توقف الزمن، لكنها تمنحنا لحظات نشعر فيها أن للحياة طعمًا آخر، وأننا ما زلنا قادرين على الفرح بالأشياء البسيطة.
ولهذا، لا تؤجل هوايتك حتى تجد وقتًا مناسبًا، فربما تكون هي التي تمنح أيامك المعنى الذي تبحث عنه. فبعض الناس يعيشون أعمارهم كلها وهم ينجزون الكثير، لكنهم ينسون أن يفعلوا شيئًا واحدًا يحبونه حقًا. وربما كانت أجمل الهدايا التي يقدمها الإنسان لنفسه، أن يحتفظ بجزء صغير من يومه، لا يعمل فيه من أجل الحياة، بل يعيش الحياة نفسها.