


عدد المقالات 122
الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله الإنسان لعقله المجرد، ولا لشهواته المتقلبة، وإنما بعث إليه الأنبياء ليهدوه إلى الطريق الذي يجمع صلاح القلب واستقامة السلوك وعمارة الأرض. فدعوة الأنبياء لم تكن منفصلة عن حياة الناس، ولكنها جاءت لتبني الإنسان، وتحفظ الأسرة، وتقيم العدل، وتصون المال والدماء، وتضبط القوة، وتمنع العمران من التحول إلى أداة للاستعلاء والفساد.
وقد جمع الله مقصد الرسالات في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. فالبينات تهدي العقول، والكتاب يبين الطريق، والميزان يحفظ الحقوق، والقسط يقيم حياة الناس على العدل. ومن هنا ارتبطت الحضارة في القرآن بالنبوة؛ لأن الإنسان قد يعرف كيف يبني، لكنه يحتاج إلى الوحي ليعرف لماذا يبني، ولمن يسخّر قوته، وبأي ميزان يدير ما بين يديه من علم ومال وسلطان.
بدأت هذه المسيرة مع آدم عليه السلام حين أعلن الله مهمته قبل خلقه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. فالاستخلاف ليس تشريفاً مجرداً، وإنما عهد يقوم على عبادة الله، وعمارة الأرض، وحفظ الحياة، وإقامة العدل، واستثمار النعم من غير فساد ولا طغيان. والإنسان مستخلف فيما يملك، فلا تتحول قدرته إلى حق مطلق، ولا يصبح العمران غاية منفصلة عن مرضاة الله ومصلحة خلقه.
وهيأ الله آدم لحمل هذه الأمانة، فعلّمه الأسماء كلها، ومنحه القدرة على المعرفة والتعبير ونقل الخبرة، فكان العلم أول أساس للعمران. وخلق جسده من طين، وسوّاه، ونفخ فيه من الروح التي خلقها وأضافها إلى نفسه إضافة تشريف، فاجتمع فيه العقل الذي يتعلم، والروح التي تهتدي، والبدن الذي يعمل. ثم جاء الابتلاء بالشجرة ليبين أن الحرية مقرونة بالمسؤولية. فلما وقعت الزلة لم يصر آدم عليها، وإنما رجع إلى ربه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37].
وبذلك دخلت التوبة في صميم التجربة الإنسانية؛ فالخطأ لا يهدم المستقبل إذا أعقبه اعتراف ومراجعة وإصلاح. والأمة الحية ليست التي تدعي العصمة، وإنما التي تملك شجاعة تصحيح مسارها، وتسمع للناصحين، وتمنع الانحراف من أن يتحول إلى عادة يحميها النفوذ والمصلحة.
وبعد أجيال من ذرية آدم ظهر الشرك في قوم نوح عليه السلام، ولم يبدأ فجأة؛ فقد نشأ من الغلو في الصالحين، ثم تحولت ذكراهم مع مرور الزمن إلى أصنام تعبد من دون الله. بعث الله نوحاً فدعا قومه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، وبقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، لا ييأس من بطء الاستجابة ولا يساوم على حقيقة التوحيد. وقد واجه ملأً متكبرين احتقروا المؤمنين الفقراء، فقالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111]، فرفض نوح أن يطردهم إرضاء لأصحاب النفوذ، لأن قيمة الإنسان في ميزان النبوة تقوم على الإيمان والعمل، لا على المال والمكانة.
ولما استنفد نوح وسائل البلاغ، أمره الله بصناعة السفينة: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37]. وفي السفينة التقى التوكل بالعمل؛ فالنجاة من الله، لكنها احتاجت إلى إعداد وصبر وإتقان. وحين جاء الطوفان لم تنفع القرابة من اختار الكفر، ثم بدأت بعده مرحلة جديدة حملها المؤمنون على أساس التوحيد وحفظ الخبرة والعمل المشترك.
وجاءت عاد من بعد قوم نوح، وأوتيت قوة في الأجساد وقدرة على البناء، لكنها جعلت النعمة سبباً للغرور، وقالت: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، فأجابها القرآن: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]. لم تكن القوة موضع الذم، وإنما كان الخلل في انفصالها عن الشكر والعدل؛ فقد بطشوا جبارين، وظنوا أن قدرتهم تحميهم من عاقبة الظلم، حتى جاءهم العذاب من حيث انتظروا الغيث.
ثم ظهرت ثمود بما بلغته من مهارة في نحت الجبال وبناء البيوت الآمنة. وذكّرهم صالح عليه السلام بأن عمارة الأرض تكليف قبل أن تكون امتيازاً: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: 61]. وجعل الله الناقة آية واختباراً لاحترام العهد والحق العام، لكن تسعة رهط أفسدوا في المدينة، فعقروا الناقة وتآمروا على قتل صالح وأهله، وسكت المجتمع عن فسادهم حتى نزل به العذاب. ولم تحمهم بيوتهم المنحوتة؛ لأن الحصون لا تحفظ مجتمعاً استباح الحقوق وترك المفسدين يقودون مصيره.
وهكذا تبين قصص آدم ونوح وهود وصالح عليهم السلام أن قيام الحضارة يبدأ من الإنسان، وأن سقوطها يبدأ من داخله أيضاً. فالعلم يحتاج إلى هداية، والقوة إلى شكر، والعمران إلى عدل، والحرية إلى مسؤولية. فإذا انفصلت الوسائل عن غاياتها الأخلاقية، تحولت النعم إلى أسباب للهلاك. ويبقى الإصلاح باب النجاة وهذه سنن لا تخص أمماً مضت، وإنما يخاطب الله بها كل جيل حتى يراجع نفسه، ويحفظ أمانة الاستخلاف، ويقيم عمرانه على الإيمان والعدل والرحمة.
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...