


عدد المقالات 129
لا بد من التأكيد بدايةً على أن ما يحدث في منطقتنا العربية من موجات ثورات حقيقية متصاعدة ومتنقلة من بلد إلى آخر، عمادها وعنوانها الرئيسي طاقات الشباب العربي الراغب بالعيش الحر الكريم بعيداً عن التعصب والاستبداد والقهر والفساد، وعقليات الإقصاء والتهميش، هو تحول تاريخي عميق جداً جاء بعد عهود مظلمة طويلة من الإقصاء والتهميش والاستبعاد السياسي المنظم لإرادة الناس والمجتمعات العربية، وبالتالي فلا بد من الاستجابة الحقيقية الجدية لمفاعيله، لأنه لن يكون أحد –لا حاكماً ولا مجتمعاً– بمنأى عن تغيراته ونتائجه وآثاره مهما تكبّر وعاند وقاوم وتمنع. ورغم أن مجتمعاتنا العربية عموماً -مع وجود الفارق في الدرجة لا في النوع- لا تزال تعاني من أسوأ مظاهر وتطبيقات البنى الدولتية التقليدية الرعوية الرثة الموروثة منذ عقود طويلة، والظاهرة للعيان عبر هذه العقلية الـ «أوامرية» التي تقود البلدان من خلال هيمنة سلطات ونظم قمعية غير إنسانية تقوم بكل ما من شأنه أن يبقي ويديم السيطرة والاستئثار شبه المطلق على كافة مواقع القوة في تلك المجتمعات من قرار وسلطة وثروة وإعلام، أدت إلى تعزيز ثقافة الاستبداد والفساد والإفساد، وطغيان مواقع التخلف والفقر والتهميش والاستخفاف والاستعباد والاستغلال، وتقديم الولاء الشخصي الزبائني على حساب الولاء للوطن، وانعدام معايير الكفاءة والعلم والموضوعية، وشيوع مناخات البطالة والعطالة والكبت، وانتشار بذور الفتن الطائفية والعشائرية بما يجعلها عرضة لانفجار الحروب الأهلية الطائفية. رغم ذلك كله فإنه لم يعد بمقدورها ولا بمقدور النظم المهيمنة عليها أن تتجنب مجمل تلك الآثار والتداعيات الجذرية المترتبة على ذلك التحول والتغير التاريخي العميق الذي يضربها بانهداماته وفوالقه وتصدعاته. والأمر المطلوب -على هذا الصعيد- ليس حدوث نوع من ردة الفعل، أو الاستجابة الانفعالية الشكلية على تلك التغيرات والانعطافات من خلال التركيز على بعض العناوين الإصلاحية المفتقدة أصلاً لشرط الاستجابة التاريخية الفاعلة والمتمثلة في سن بعض القوانين وفرض بعض الإصلاحات الديكورية المظهرية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، مثل السعي فقط لتحسين معيشة وحياة الفرد على المستوى الاقتصادي التنموي، وادعاء وجود قوانين متينة لمكافحة الفساد، ولكن من دون إحداث أية تغييرات عميقة سياسية في البنية المؤسسة والمكونة، والاقتصار على إجراء بعض الإصلاحات المحددة الشكلية غير ذات معنى، مع الإبقاء الفج على مجمل البنى والتكوينات الذاتية المهيمنة المؤسسة للاستبداد والفساد والتخلف المجتمعي القائمة والمحروسة بقوة العسكر والأمن والجيوش الجرارة، ويعض عليها بالنواجذ.. (كان معاوية أول من حول الإسلام إلى إمبراطورية وراثية مستبدة، وملك عضوض مغلق، أي يعض عليه بالنواجذ وهي الأسنان القوية). وأمثال معاوية القابضون على مفاصل بلدانهم في عالمنا العربي والإسلامي، لا يزالون موجودين حالياً، وإن بدأت أعدادهم بالتناقص مع اتساع رقعة الثورات العربية الأخيرة، كما أن هؤلاء لا يزالون ممسكين بتلابيب الثروة والسلطة و «جنة» الحكم الأعلى منذ عقود طويلة بعد تحقيق ما سمي بالاستقلال عن المستعمر الخارجي، ولكنهم للأسف ورغم حالة الهناء والراحة والاستقرار الطويلة التي تمتعوا بها؛ حيث لم ينغص عليهم حياتهم وحكمهم أي حزب أو تيار أو فرد (سحقوهم ونفوهم وتخلصوا منهم سابقاً وحالياً) فقد فشلوا فشلاً ذريعاً في بناء دولة المواطنة الصالحة، دولة القانون والعدل والمساواة والمؤسسات، بل بنوا حكماً شخصانياً ودولةً مختزلة بالفرد الحاكم الأعلى الذي حوّل بلاده إلى مزرعة خاصة نفعية تكسبية، تهيمن فيها عائلته وزبانيته والمقربون منه على كافة مفردات السلطة والقوة في مجتمعه. وقد رأينا في كثير من الدول العربية صوراً ومعاني عديدة شتى تعبر أصدق تعبير عن ذلك، خاصةً تلك البلدان التي تحكمها نظم حديثة وأحزاب علمانية (طائفية المضمون والجوهر، علمانية الشكل والشعارات) لم تتمكن رغم مبادئها المدنية العلمانية الحديثة نسبياً -بقطع النظر عن مصداقيتها وأهميتها- وبعد مرور سنوات طويلة على وجودها وحكمها من بناء دول أو مجتمعات حديثة غير طائفية، بل لا تزال تتحدث عن وجود مشاريع الفتن الطائفية في داخل مجتمعاتها، وتستنفر طاقات المجتمع في سبيل ذلك. طبعاً لا خلاف في أن مجتمعاتنا العربية عموماً هي مجتمعات متدينة (وطائفية) بامتياز ومن الصعب جداً بل والمستحيل أن يقوم حكم عربي في تلك البلدان قادر على إحداث وتكوين دول مدنية كاملة من دون أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الغطاء واللباس الديني الخاص بتلك المجتمعات. وهذا في ظني ليس مشكلة بحد ذاته (التنوع الديني والحضاري هو من جمالية هذا الشرق العريق) ما لم يحدث توازن سياسي ومجتمعي لكي لا تنقلب الأمور ليطغى الديني على السياسي، أو السياسي على الديني، أو أن تقوم بعض السلطات الحاكمة في بعض المجتمعات المتنوعة والمتعددة الأقوام والإثنيات الطائفية والدينية بضرب أسس وحدتها المجتمعية القائمة منذ قرون وقرون من خلال توسيع وتدعيم ثقافة التعصب وبث الفتن الدينية والمذهبية بين أبناء الطوائف المختلفين دينياً في مجتمعاتها لتقدم نفسها على الدوام بمثابة القوة الحامية للأديان والمدافعة عن التنوع الديني والمذهبي والإثني. ولكن بعض الدول العربية الحديثة التي عملت على بناء وحدة وطنية مجتمعية متماسكة بالاستناد على منطق الضغط والقوة والإكراه لا بمنطق الإقناع والثقافة الحرة، في مواجهة مشاريع وتحديات الخارج -كما تقول- لم تستطع إقناع مجتمعها بصدقية توجهاتها على هذا الصعيد بعد سنوات طويلة جداً من حكمها الشمولي الفردي، كما لم تتمكن بشعاراتها وسياساتها التمييزية من تأمين الحد الأدنى من التوافق والتضامن المجتمعي الطوعي الطبيعي خاصة في زمن الأزمات وأوقات الشدائد والمحن والتهديدات الخارجية أو الداخلية، بل كان الناس وأبناء تلك المجتمعات أوعى ومتقدمة أكثر من حكوماتها ونخبتها الحاكمة على هذا الصعيد. وقد لاحظنا أن من أسباب ثوران الأرض العربية التي بدأ أهلها وشبانها وشاباتها على وجه الخصوص –ممن يشكلون النسبة الأكبر من عدد السكان- ينتفضون ويثورون في غير بلد عربي على تلك المناخات والقيم الرثة، هو وجود مثل هذه التربة الطائفية العفنة القديمة ومحاولة استبدالها بتربة صحية سليمة ترى نور الشمس وضياء الحياة. من هنا طرحنا أن نظم وحكومات عالمنا العربي الثابتة والأبدية –رغم تغيير أسمائها وأشكالها وألوانها- عجزت عن الاستجابة لمطالب وطموحات وآمال شبابنا العربي الواسع الواعد، فلا هي تمكنت من حل مشكلتهم مع البطالة التي يمكن القول بأنها من أهم دوافع وأسباب الاحتقان والعنف وحالة الإحباط واليأس التي تلف مجتمعاتنا ولا يزال يشهدها العالم العربي. وتشير كل التقارير الرسمية وغير الرسمية الصادرة عن جهات ومراكز أبحاث متخصصة عربية ودولية إلى أن البطالة تتركز في أوساط الشباب العربي، وأنها ترتبط بمشكلات تنموية أخرى تهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي مع وجود بيئة إعلامية تساعد على تهييجه. ففي عام 2009م بلغ سكان العالم العربي حوالي 340 مليون نسمة، شكل الجسم الشاب منها أكثر من %50 أي 175 مليون نسمة تقريباً، كما ذكرت الأرقام أن متوسط معدل البطالة في العالم العربي يصل إلى نحو %16، وهي في بعض دولنا العربية (الحديثة!) وصلت البطالة إلى أكثر من %50. إن خطورة تلك المعطيات والبيانات والأرقام المخيفة تبدو كبيرة جداً، وهي تقدم صورة كئيبة عن واقعنا الذي لم تحرك في مواجهته كثير من بلداننا العربية أي ساكن إلا في الشكل دون المضمون؛ حيث إنه إذا كان أكثر من نصف عدد سكان ما يسمى بالوطن العربي الكبير هم من العاطلين عن العمل، وأكثرهم من المتعلمين والدارسين وخريجي الجامعات والمعاهد المتوسطة وغيرها، فكم من المشكلات الاجتماعية والسياسية ستنتج عن ذلك، خاصة في حال وجود مشاكل سياسية أخرى مضافة في بعض تلك البلدان؛ حيث ستتفاقم حتماً مشكلة البطالة مع فشل السياسات الاقتصادية وانهيار مجمل الخطط واستراتيجيات التنمية البشرية والاقتصادية التي تبنتها واعتمدتها بعض تلك البلدان بسبب عدم اعتماد وإحداث تغيرات سياسية حقيقية فيها، والامتناع الكامل عن إجراء أي إصلاح سياسي ضروري ولازم لحسن سير بقية الإصلاحات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية، وضمان نجاحها وتحقيقها لأهدافها. يُنشر بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية» www.minbaralhurriyya.org كاتب سوري
مر على النكبة 66 عاماً، اختلطت فيها آلام اللجوء مع الكفاح والثورات وأحلام العودة. فالنكبة بصفتها عملية اقتلاع شملت مصادرة الأراضي والمنازل واحتلال المدن وتدمير مئات القرى وسط مجازر وتهجير جماعي ومنع السكان المواطنين من...
كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ...
درج النظام السوري على تأخير وتأجيل (بهدف إلغاء) استحقاقات الإصلاح السياسي، وكل ما يتصل به ويترتب عليه من متعلقات ومتطلبات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية إدارية، وما يترتب عليه من تنمية إنسانية حقيقية تتحقق من خلالها تجسيد...
لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف...
بعد أحداث طهران 2009 الدامية على إثر الانتخابات الإيرانية التي اتهم فيها المحافظون بالتزوير، وصعد الإصلاحيون -بقيادة حسين موسوي وكروبي- احتجاجاتهم مطالبين بإعادة الانتخابات التي قوبلت بالرفض القاطع من المحافظين الأمر الذي أثار شكوك الإصلاحيين...
قدم أحفاد كمال أتاتورك – مرة أخرى – درسا جديدا من دروسهم للعرب، فبعد أن نجحوا في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وبناء المؤسسات التي أهلت دولة تركيا للالتحاق بنادي الديمقراطيات ( معدل دخل الفرد...
.. شعب سوريا كما قلنا حضاري منفتح على الحياة والعصر، وعرف عنه تاريخياً وحضارياً، عشقه للعمل والإنتاج والتجارة والصناعة وغيرها من الأعمال.. وحضارة هذا البلد العريقة -وعمرها أكثر من7000 سنة- ضاربة الجذور في العمق التاريخي...
باعتقادي أن التسوية السياسية الكبرى المتوازنة المنتظرة على طريق المؤتمرات والتفاوضات المرتقبة عاجلاً أم آجلاً (مع الأمل أن يكون للسوريين أنفسهم الدور الرئيسي في بنائها والوصول إليها) التي تحفظ حياة وكرامة المواطن-الفرد السوري، وتعيد أمن...
لاشك بأن التغيير البناء والهادف هو من سمات وخصائص الأمم الناهضة التي تريد أن تتقدم وتتطور حياتها العمرانية البشرية والمجتمعية..وفي مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية عموماً المحمّلة بحمولات فكرية ومعرفية تاريخية شديدة الحضور والتأثير في الحاضر...
في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول إن صوت المثقف العربي خافت من جوانب عدة فبعد مرور حوالي سنتين على بدء هذا الربيع يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات...
يسهل نسبياً الانتقال من حكومة ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بواسطة الانتخاب، كما يسهل الانتقال من حكم ديكتاتوري إلى آخر مثله من خلال الانقلاب، إلا أن الثورات الشعبية التي لا تتضمن سيطرة جناح محدد على بقية...
هبت رياح التغيير على بعض الأقطار العربية منذ ما يربو عن سنتين من الآن، فصار مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون يتردد على أكثر من لسان، وأضحى الالتحاق بنادي الديمقراطيات حلم الشعوب المنعتقة من نير النظم...