alsharq

أحمد بن راشد بن سعيّد

عدد المقالات 189

إيران المغرورة إذ تعلّمنا الدرس!

07 يناير 2015 , 07:27ص
تسارعت في السنوات الثلاث الأخيرة، ومنذ تفجّر ثورات «الربيع العربي» وتيرة التغول الإيراني في المنطقة العربية، وكأن ساسة إيران أدركوا أن هذا رياح هذا «الربيع» لن تجري بما تشتهي سفنهم. قبل هذه الثورات كانت إيران تشعر بكثير من الأمن، فقد أحكمت قبضتها على العراق، وأسدت يداً بيضاء للمحتلين الأميركيين عندما أرسلت ميليشياتها لتقمع أهل السنة (المهمَّشين والمسلوبين) معبّدة بذلك الطريق لتثبيت أركان الاحتلال (وقد شاركت واشنطن من قبل في غزو أفغانستان فيما كان الغوغاء في طهران يصرخون: الموت لأميركا!). وعندما اشتعلت الثورة السورية دخلت إيران بقضها وقضيضها لتقمع أهل الشام بكل وحشية بمباركة أميركية وأوروبية وإسرائيلية. واستباح الحوثيون (حلفاء إيران) صنعاء في 21 أيلول/سبتمبر هاتفين: الموت لأميركا. وبعد ذلك بـ 48 ساعة (23 أيلول/سبتمبر) بدأ الأميركيون وحلفاؤهم حرباً على تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) بقصف مدينة الرقة السورية. ولما طال أمد الحرب، وشعرت إدارة أوباما أنها في مأزِق (لاسيما في ظل إصرار تركيا على رفض مساعدتها مشترطة أن يكون الهدف إسقاط بشار الأسد وعصابته المدعومة من إيران) لم تجد من مغيث سوى عمائم طهران؛ صديقها الأفضل على الدوام، فشنّت المقاتلات الإيرانية غارات على مواقع تنظيم الدولة من الفضاء الجوي ذاته الذي تتحرك فيه طائرات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، بحسب ما أدلى به مسؤول في البنتاغون لصحيفة الهفنغتِن بوست الذي قال إن بلاده «على علم» بالغارات الإيرانية مضيفاً أنها لن تتوقف على الأرجح «مادامت الأمة التي يسيطر عليها الشيعة تشعر بتهديد الجماعة السنية المتطرفة...(داعش)» (1 كانون الأول/ديسمبر 2014). بعد ذلك بأيام، أعلن جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، أن أي عمل إيراني ضد داعش سيكون «إيجابياً» (بي بي سي 3 كانون الأول/ديسمبر 2014). وهكذا، لا يحتاج «نهار» العلاقات الحميمية بين واشنطن وطهران إلى دليل.
منذ هجمات 9/11 أدركت القيادة الإيرانية حاجة واشنطن إليها، فانخرطت، من أجل تحقيق مصالحها بالمنطقة، في مجهود تعاوني مع واشنطن مشوب بالابتزاز والضغط، منتزعة منها في نهاية المطاف ما كانت تطمح إليه عبر السنين: الاعتراف بدورها الإقليمي. أميركا، من جانبها، وجدت أن السياسة الإيرانية تلتقي معها حد التماهي في ملفات ذات أهمية إستراتيجية كثورات «الربيع العربي». انتفخت إيران كثيراً وهي تتمدد في عواصم عربية عدة، الأمر الذي منحها قدرة أكبر على التفاوض في برنامجها النووي، لكنه أيضاً أصابها بالغرور. صمد الأسد في وجه الثورة الشعبية، واستمرت الحكومة الشيعية في العراق في قمع السنّة، وسيطر ما يُسمى «حزب الله» على الدولة اللبنانية، ونجحت التدخلات الإيرانية في زعزعة أمن دول خليجية، ثم تهاوت مدن اليمن (مهد الأمة العربية) الواحدة تلو الأخرى بيد «أنصار الله»، فثمل حكام طهران بخمرة النصر. لكن هذا الغرور قد يكون السلاح الأمضى الذي يصيب الدب الإيراني في مقتل.
في 18 أيلول (سبتمبر) 2014 (قبل سقوط صنعاء بثلاثة أيام) ألقى النائب في البرلمان الإيراني، علي رضا كازاني، خطاباً أمام حشد من طلاب قوات الباسيج في مدينة مشهد شمال شرق إيران، قال فيه: «ثلاث عواصم عربية أصبحت اليوم بيد إيران...وصنعاء أصبحت في طريقها للالتحاق بالثورة الإيرانية الإسلامية، وحتماً لن تقتصر الثورة اليمنية على اليمن وحدها، إذ ستمتد بعد نجاحها إلى داخل السعودية». بعد ثلاثة أيام من هذا الخطاب (في 21 أيلول/سبتمبر) سقطت صنعاء بيد الحوثيين. كان لافتاً لقاء قناة الميادين الشيعية (في 25 أيلول/سبتمبر 2014) بالمحلل الإيراني، محمد صادق الحسيني، الذي كان شديد الزهو بدخول الحوثيين صنعاء، وابتعد، على غير عادته، عن اللغة السياسية. قال الحسيني إن ما حدث في اليمن كان نتيجة «التحقير الوهابي للشخصية اليمنية»، والذي صنع «يمنياً جديداً»، مضيفاً بعنجهية لا يخطئها المشاهد: «اليمن كلها أصبحت في دمشق وطهران والضاحية الجنوبية وبغداد...باب المندب أصبح إلى جانب مضيق هرمز يضيّق الخناق على البحر الأحمر وعلى الإسرائيلي في قناة السويس...نحن سلاطين البحر الأبيض المتوسط الجدد، نحن سلاطين الخليج الجدد...نحن سلاطين البحر الأحمر.. نحن سنصنع خرائط المنطقة». ينقل الحسيني عن كيري قوله إن حكومته لا ترى أن تفويض الكونغرس بالحرب على داعش «ينبغي أن يتضمن تحديداً جغرافياً» معلقاً بالقول: «من حقنا نحن أيضاً ألا نستأذن أحداً في دعم العراق الذي يهمنا من زاويتين: الأماكن المقدسة، وهذا حق ديني شرعي، تكليف إلهي لن نتوقف عنه...الأمر الثاني أنه جزء من المجال الحيوي الإيراني».
الحسيني ليس مجرد «محلل». هو مقرّب من دوائر صنع القرار في طهران. وما قاله في «الميادين» ردّد صداه علي أكبر ولايتي، أحد أبرز مستشاري الزعيم الشيعي خامنئي، في 15 كانون الأول (ديسمبر)2014 : «إن مجال نفوذ إيران يمتد من اليمن إلى لبنان...قوتنا الحالية لم يتخيلها أحد في العالم لأن اليمن ولبنان واقعتان تحت نفوذنا» (طهران تايمز، 16 كانون الأول/ديسمبر 2014). كان ولايتي يتحدث هو الآخر بغطرسة رافعاً يديه إلى السماء بطريقة توحي بالثقة المفرطة. سكرة النصر لا بد أن تدير الرؤوس. في 31 كانون الأول/ديسمبر نقلت وكالة أنباء فارس عن حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري ، قوله إن في العراق وسوريا واليمن جيوشاً شعبية مرتبطة بإيران؛ يبلغ حجمها أضعاف «حزب الله» في لبنان.
لماذا تفعل إيران كل هذا؟ منذ نشأة الإمبراطوية الفارسية اتسمّت سياساتها الجغسياسية (الجيوبوليتكية) بنزعة إلى الهيمنة مدفوعة بالشعور بالتفوق على الشعوب الأخرى. ويخبرنا التاريخ عن شغف الفرس بالتدخلات والاغتيالات، كما يخبرنا عن كراهية كثير منهم للعرب الذين، بحسب اعتقادهم، سلبوا الإمبراطورية الساسانية عزها بالفتح الإسلامي. ومنذ مجيء الدولة الخمينية/الصفوية عام 1979 عملت (من خلال إرثها القومي والمذهبي) على تطويق العرب رافعة شعارات دعائية عن مقاومة أميركا وإسرائيل، مروّجة أساطير شيعية قائمة على تخوين أهل السنة (النواصب)، وناظرة إلى المشرق العربي كله بوصفه فضاءً حيوياً لها سيشهد ذات يوم وقائع معركة المهدي المنتظر مع أعدائه (العرب).
كنت في مؤتمر نصرة الأحواز والذي احتضنته مصر (إبان عهد الرئيس مرسي)، في 11 كانون الثاني (يناير) 2013، عندما شاهدت عبد الله النفيسي، الأكاديمي والخبير بالشؤون الإيرانية، وهو يستعرض الموقف الفارسي من العرب والإسلام قائلاً: «زرت إيران مرات خلال ربع قرن، فوجدت القوم يحتقرون العرب، ويكرهونهم، ويرون في ثورتهم (الخمينية) فرصة للانتقام من الفتح الإسلامي. ولهذا، من السذاجة القول: «دعوها فإنها طائفية»؛ لأن الفرس يضمرون الشر للعرب، ويريدون هدم الإسلام». تحدث النفيسي عن كتاب (الشاهنامة) الذي ألّفه أبو قاسم الفردوسي (935-1020) بوصفه إنجيل الصفويين، ونقل عنه قوله: «كيف سمحنا للعربي آكل الجراد أن يحتل بلاد فارس ويسميها فتحاً؟...لقد أتانا العربي وهو يشرب أبوال الإبل، بينما كان الكلب في أصفهان يشرب الماء البارد من النهر العذب». إيران، بحسب النفيسي، خططت لالتهام اليمن من خلال إقامتها معسكرات تدريب للحوثيين في جزر دهلك بالبحر الأحمر، في الوقت الذي استأجرت إسرائيل مزارع في هذه الجزر وحوّلتها إلى مراعي أبقار تنتج لها اللحم.
هل يتسم خطاب إيران بالحماقة؟ نعم، وينبىء أيضاً بمزيج من غطرسة وبارانويا. هل يتعرض مشروعها للفشل؟ نعم. وهو يتعثر بقوة في سوريا والعراق واليمن، وحتى في لبنان. لكن إيران تعطينا درساً تعلمناه وما وعيناه: من يزرع يحصد!

• @LoveLiberty
رسالة اعتذار من صهاينة الخليج

نحن الموقّعين أدناه نعتذر إلى الإنسانيّة عن تاريخنا؛ عن ثقافتنا المفخّخة بالعنف؛ عن سيرة أجدادنا الملّطخة بالدماء. نعتذر عن ما كانوا يسمّونه «الفتوح الإسلامية»، وما كانت سوى عمليات غزو واسترقاق، وإجبار للسكان الأصليين على دفع...

السكوت علامة العار

في البدء كانوا مجاهدين، ثم صاروا فدائيين، ثم مقاومين، وتدريجاً أصبحوا مسلّحين، فكان طبيعياً أن يصبحوا في نهاية اليوم، «إرهابيين»، ثم يُسدل الستار على الفاجعة، ولمّا تنته. يصبح الإسرائيلي ضحية، وتصبح أفعاله دفاعاً عن النفس...

اليمن: الانفصال انقلاب آخر

اليمن تاريخياً بلد واحد غير مقسّم، والتقسيم إضعاف لهذا البلد، وتشتيت لشعبه، وفتح أبوابه لتدخّلات عسكرية وقواعد أجنبية واضطرابات وحروب قد تكون أسوأ من وضعه إبّان الانفصال القديم في الستينيات والسبعينيات. وبينما يتّجه العالم إلى...

ابن الغلامي والكرتون!

حدّث سهم بن كنانة، قال: كان في القرن الخامس عشر بجزيرة العرب، رجل يزعم أنّه واحد دهره في الأدب، وأنّه أدرك من أسرار البيان، ما لم يدركه إنسٌ ولا جان، وقد اشتُهر بابن الغلامي، أو...

لن أتوقّف عن الصّمت!

علّمونا ونحن صغار أنّ «الصمت من ذهب»، وكان جدّي لأمّي يكرّر لي البيت: يموت الفتى من عثرةٍ من لسانِهِ/وليس يموت المرءُ من عثرة الرّجْلِ، وقديماً قال جدّنا أكثم بن صيفي: «الصمت حُكمٌ وقليلٌ فاعله». كبرنا،...

إذا كان الاستفتاء انقلاباً فالحياة هي الموت!

قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا، وأثناءه وبعده، لم تتوقف جريدة الحياة اللندنية عن الهجوم على الحكومة التركية. كانت هذه الصحيفة معروفة إلى عهد قريب بحرصها على عدم إبراز أيديولوجيتها، وباستقطابها كتّاب رأي ليسوا...

تركيا: الرجل لم يعد مريضاً!

كان يا ما كان، في آخر الزّمان، أنّ رجلاً كان مريضاً فتعافى، فغضبت عجوزٌ كانت ذات يوم سبباً في إمراضه حتى مزّقته إرباً إرباً، وطفقت تولول وتشقّ جيبها، وتدعو بالثبور، وعظائم الأمور، فلم تكن تتوقّع...

كوني حرّة: كم من باطل أزهقته كلمة!

حدّث سهم بن كنانة، قال: في أواخر القرن الرابع عشر، قبل أن تُولد الفضائيات وتنتشر، ظهرت في جريدة اسمها «اليوم»، قصيدة أثارت كثيراً من اللوم، وكانت متحرّرة القوافي، واسم كاتبها حميد غريافي، وقد جاء في...

الأمير تميم: خطاب العقل في مواجهة الذين لا يعقلون

تسعى الخطابة السياسية عادةً إلى توحيد المواقف، وردم الفجوات، والتركيز على القواسم المشتركة. هذا هو لبّ الخطابة وفلسفتها عبر التاريخ: الدعوة إلى «التعاون»، وإحياء الروح الجماعيّة، وتغليب المصلحة العامة على الخلافات البينيّة. لكنّ ذلك لا...

الموصل: الموت على أيدي «المحرِّرين»!

كنّا نعرف أنّ «تحرير» الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، من قبضة تنظيم داعش سيكون دامياً، وكنّا نترقّب فقط مشاهد القتل الجماعي لأهل تلك المدينة بحجة تحريرهم من الإرهاب. لكن لم نكن نتوقع أنّ المجازرستثير في...

اليوم العالمي للنّوم!

حدّث سهم بن كنانة، قال: اعتراني ذات يوم السأم، وشعرت بأنواع الألم، وجفا عينيّ الكرى، وعادت صحّتي القهقرى، فراودتني الرغبة في الخروج، والاستئناس بين المروج، ودُللتُ على قرية تُسمّى «سراج»، شعارها «لدينا كلّ ما تحتاج»،...

أقوى من النسيان: التشنّج الأوروبي من الاستفتاء التركي

كان الرئيس التركي، أردوغان، محقّا في اتهامه عدداً من دول الاتحاد الأوروبي بالارتهان للفاشية والنازيّة إثر إلغاء ألمانيا عدداً من التجمّعات الانتخابيّة التي كان من المقرّر أن يحضرها وزراء أتراك في مدن ألمانيّة، ومنع هولندا...