


عدد المقالات 129
لم تتمكن النخب السياسية العربية التي استلمت الحكم بعد عهود الاستقلال الشكلي، وكونت دولاً تحديثية قامت على منطق الغلبة وعقلية الهيمنة والاستئثار من ولوج طريق الحداثة بمعناه الحقيقي المرتكز على بنى مفاهيمية ثقافية بعد، رغم كثرة ما اشتغلت وما قامت به تلك النخب، ومعظمها ذات طابع أمني أو ذات خلفية وامتداد عسكري بحث، من محاولات التحديث القسري القشري الفارغ التي أدخلوا فيها مجتمعاتهم وشعوبهم منذ أكثر من ستين سنة، ولم تنجح إلا بتكوين دولاً متشظية الانتماءات المذهبية والطائفية والجهوية، مغطاة بحجاب بسيط من علمنة مستبدة فارغة من مضمونها ومعناها الحقيقي القائم على الحرية والديمقراطية والتعددية...إلخ، سرعان ما تلقي (تلك المجتمعات المقموعة ذات الانتماءات القبلية المتناحرة) حمولتها العفنة، وتتقيأ موروثاتها الفكرية الصراعية، كما ظهرت لنا في المثل العراقي الذي قامت أميركا -كبلد محتل- بكشف الغطاء (قسرياً لا طوعياً) عن المعالم والمواصفات والطبائع الحقيقة التي يتقوم بها وعليها المجتمع العراقي التي انفجرت إلى السطح، وتمظهرت في خلافات مذهبية وتناحرات وصدامات طائفية وحالة الحرب الأهلية شبه الدائمة المتنقلة من مدينة إلى مدينة، ومن حي إلى آخر، ومن مسجد ومعبد وكنيس إلى آخر. ويبدو لي أن من أهم أسباب تعثر الحداثة العربية، هو عدم توفير بنية تحتية ثقافية لها، واقتصار الموضوع برمته على محاولات استهلاكية من هنا وهناك لنقل وشراء منتجات ومظاهر الحداثة الغربية فقط، دون الذهاب بعيداً إلى فهم وإدراك المعطى والمناخ الثقافي وجدلية الأفكار التي رافقت التطور الغربي منذ بداياته الأولى، وكذلك دون حدوث أية مساجلات معرفية وشعورية وحفريات نقدية حقيقية جريئة في مجمل التراث الهائل من الأفكار التراثية والآداب والفنون والنصوص والوقائع والأحداث والتواريخ التي لا تزال تتحكم بمصائرنا ووجودنا، ومن دون أن يكون لنا أية مسؤولية أو دور في صنعها وإنتاجها. طبعاً لا بد من التنويه هنا بأن التراث الغربي كان بمثابة الوقود الحقيقي لقطار الحداثة الغربية الذي انطلق بقوة بعد صدام معرفي وعملي واسع حدث مع الثقافة التقليدية السائدة آنذاك، وانتهى الأمر إلى انتصار قيم الإنسان والعقل، وتحقيق حضارة زاهية مشدودة إلى قيمة الإنسان كفرد مقدس له وحده من خلال عقله -وليس من خلال النص الديني- الحق الكامل، وعليه المسؤولية في التنظيم والبناء والإعمار وإنتاج الحضارة المادية بكل أبعادها وتجلياتها. فعلى المستوى الفكري إذاً كان العقل هو محك الفكر والعمل، وكانت التجربة هي مقياس الصدق والنجاح في المستوى العملي، وأما على المستوى السياسي فقد كانت الفكرة الديمقراطية إحدى أهم الأفكار التي أنتجتها مخيلة الإنسان كآلية سياسية لإدارة الشأن العام وتسيير مختلف شؤون المجتمع بصورة سلمية بعيدة عن العنف المادي والرمزي، وإقامة نظم سياسية على أساس تداول السلطة وليس تأبيدها لصالح هذا أو ذاك.. وأما على المستوى العملي فقد ركزت الحداثة على الليبرالية من حيث كونها إطلاقاً لحريات الناس بصورة كاملة على مستوى التعبير عن الرأي وعلى مستوى حقهم في التنظيم السياسي وعلى مستوى إفساح المجال للحافز الفردي لكي ينطلق في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية. ولكن الملاحظ عندنا نحن في داخل اجتماعنا السياسي العربي أن العرب لم ينفتحوا على الحداثة بمعناها الحقيقي كما ظهر في الغربي تحت حجج وذرائع وتبريرات واهية لا أساس لها من الصحة العقلية أو العلمية أو الواقعية.. بينما ساروا كما ذكرنا في طريق التحديث أي محاولتهم تطوير المجتمعات العربية بشيء من مظاهر الحداثة، كما سلف القول. ومن دون الدخول المباشر إلى جوهر الحقيقة الحداثوية وهو العقل والحرية.. بل بقي عنصر الاستبداد حاضراً بقوة في كل مظاهر وأنماط وأشكال التحديث القسرية التي تبنتها وأقامتها الدولة العربية الحديثة منذ حوالي سبعة عقود.. ومن المعلوم أن الاستبداد كما قال عنه الكواكبي هو أصل كل فساد، إذ يضغط على العقل فيفسده، يلعب بالدين فيفسده، ويغالب المجد فيفسده، ويقيم مكانه «التمجد».. كيف لم ننتبه أن الاستبداد أس الفساد وهو الكلمة المفتاح لكل حياتنا العربية في هذه اللحظة؟! فمجتمعاتنا العربية محكومة بالفساد والاستبداد، ولا تزال تهيمن عليها ثلاث سلطات رئيسة هي: أ- السلطة الرسمية (الحاكمة): التي تعمل على تطويع وقسر الفرد (وبخاصة الفرد المثقف)، واعتقال فكره وعقله لصالح مقولاتها القبلية بمختلف الوسائل الترغيبية والترهيبية (معنوياً ومادياً)، كمحاولة شراء ضميره وقلمه، أو محاربته بلقمة الخبز أو بالعزل والاتهام والسجن أو بالنفي والاستبعاد من خلال إتباع سياسة «القمع البوليسي الأمني والفكري الأيديولوجي». ب- سلطة العادات والتقاليد الاجتماعية: التي أضحت مع مرور الزمن ديناً قائماً لوحده. أصبح له دعاته ومناصروه في كل حدب وصوب. ج- السلطة الدينية المزيفة (وعاظ السلاطين): المتحالفة مع مراكز السلطة السياسية والأمنية من أجل الوصول إلى المصالح الذاتية المشتركة التي لا يمكن أن تتسع دوائرها إلا من خلال الإبقاء على حالة التخلف الفكري والنفسي، وتكريس واقع التبعية والاستلحاق التي يرزح تحته أبناء المجتمع كلهم. وحتى نتمكن في داخل مجتمعاتنا المأزومة بهيمنة العصائب الثلاث المذكورة، من تفكيك عراها وتحطيم مكوناتها، وضخ الأمل في نفوس الناس بحدوث تقدم عملي وصناعي مستقبلي لاحق، وليس مجرد قشور حداثية لا تغني ولا تسمن من جوع، فإن الأمر مرهون -ليس فقط بمدى قدرتنا الفكرية والعملية على الاستجابة الفاعلة لتطورات الحياة والزمن- وإنما مرهون أيضاً -وبشكل أساسي- إلى ضرورة إحداث تغييرات هائلة على صعيد الحكم والسلطة والمشاركة والحرية ...إلخ، لأننا لن نستفيد من أي تطور عملي يمكن أن توفره الحضارة الحديثة إلا إذا أسهمنا وشاركنا في إنتاجه وإبداعه، ومن باب أولى فهمه ووعيه. ونحن لا يمكن أن نطور العلم وننتج منجزاته الحديثة مع وجود واتساع قاعدة عقلية القبيلة المتحكمة بوجودنا التي يعمل أصحابها على تدمير أي فرصة لربط -مجرد ربط- البلاد العربية بتيارات التقدم العلمي والتقني. إننا نتصور أن غياب السياسة الصحيحة وغياب الإدارة السياسية الملتزمة هما تعبيران عن غياب المصلحة في الإصلاح لا غياب القدرة أو الإمكانية عليه. ومصدر ذلك هو أن المنطق المحرك لهذه النظم ليس النفع العام، ولكن الحفاظ على النظام، وعلى المصالح الخاصة التي تقف وراءه. إننا نعتقد أنه عندما تفشل الدولة في كسب ثقة (ورضا وود) أفرادها ومواطنيها، ومد جسور التعاون معهم، والعمل المستمر على تحقيق مصالحهم وطموحاتهم وتطلعاتهم من خلال اعتماد مشروع استنهاض سياسي واجتماعي يعبر عن آمالهم وعن نسيجهم الحضاري، بما يحفزهم للمشاركة الشاملة في عملية التنمية الفردية والجماعية.. أقول: إن عدم تحقيق كل تلك الآمال التي تتناقض مع مصالح النخبة السياسية الحاكمة العامة على أهداف ذاتية معاكسة تماماً لأهداف الجماهير سيحول الدولة (وقد تحولت فعلياً) -عندما تعمل على ترسيخ شعاراتها ووجودها- إلى مجموعة إقطاعات ومزارع خاصة لها أفرادها وأزلامها الدائرون في فلكها، وعندئذ تطفو على السطح ظاهرة جديدة التشبيح السياسي والاجتماعي التي لها دعائمها ورموزها الذين يعملون على تحويل الدولة إلى مجموعة ارتهانات واستثمارات ربحية نفعية خاصة. كاتب سوري ينشربالتعاون مع مشروع «منبر الحرية» www.minbaralhurriyya.org
مر على النكبة 66 عاماً، اختلطت فيها آلام اللجوء مع الكفاح والثورات وأحلام العودة. فالنكبة بصفتها عملية اقتلاع شملت مصادرة الأراضي والمنازل واحتلال المدن وتدمير مئات القرى وسط مجازر وتهجير جماعي ومنع السكان المواطنين من...
كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ...
درج النظام السوري على تأخير وتأجيل (بهدف إلغاء) استحقاقات الإصلاح السياسي، وكل ما يتصل به ويترتب عليه من متعلقات ومتطلبات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية إدارية، وما يترتب عليه من تنمية إنسانية حقيقية تتحقق من خلالها تجسيد...
لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف...
بعد أحداث طهران 2009 الدامية على إثر الانتخابات الإيرانية التي اتهم فيها المحافظون بالتزوير، وصعد الإصلاحيون -بقيادة حسين موسوي وكروبي- احتجاجاتهم مطالبين بإعادة الانتخابات التي قوبلت بالرفض القاطع من المحافظين الأمر الذي أثار شكوك الإصلاحيين...
قدم أحفاد كمال أتاتورك – مرة أخرى – درسا جديدا من دروسهم للعرب، فبعد أن نجحوا في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وبناء المؤسسات التي أهلت دولة تركيا للالتحاق بنادي الديمقراطيات ( معدل دخل الفرد...
.. شعب سوريا كما قلنا حضاري منفتح على الحياة والعصر، وعرف عنه تاريخياً وحضارياً، عشقه للعمل والإنتاج والتجارة والصناعة وغيرها من الأعمال.. وحضارة هذا البلد العريقة -وعمرها أكثر من7000 سنة- ضاربة الجذور في العمق التاريخي...
باعتقادي أن التسوية السياسية الكبرى المتوازنة المنتظرة على طريق المؤتمرات والتفاوضات المرتقبة عاجلاً أم آجلاً (مع الأمل أن يكون للسوريين أنفسهم الدور الرئيسي في بنائها والوصول إليها) التي تحفظ حياة وكرامة المواطن-الفرد السوري، وتعيد أمن...
لاشك بأن التغيير البناء والهادف هو من سمات وخصائص الأمم الناهضة التي تريد أن تتقدم وتتطور حياتها العمرانية البشرية والمجتمعية..وفي مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية عموماً المحمّلة بحمولات فكرية ومعرفية تاريخية شديدة الحضور والتأثير في الحاضر...
في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول إن صوت المثقف العربي خافت من جوانب عدة فبعد مرور حوالي سنتين على بدء هذا الربيع يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات...
يسهل نسبياً الانتقال من حكومة ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بواسطة الانتخاب، كما يسهل الانتقال من حكم ديكتاتوري إلى آخر مثله من خلال الانقلاب، إلا أن الثورات الشعبية التي لا تتضمن سيطرة جناح محدد على بقية...
هبت رياح التغيير على بعض الأقطار العربية منذ ما يربو عن سنتين من الآن، فصار مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون يتردد على أكثر من لسان، وأضحى الالتحاق بنادي الديمقراطيات حلم الشعوب المنعتقة من نير النظم...