أسلمة الثورات العربية.. حقيقة أم وهم؟
03 نوفمبر 2011 , 12:00ص
يتساءل المرء منذ أن بدأت حركة الاحتجاجات في العالم العربي: هل تفتح هذه الحركة الأبواب على مصراعيها أمام الانخراط الإسلامي السياسي في الحالة السياسيّة للدولة؟ مع أنه لم يكن للإسلام السياسي أي دور في انطلاقها منذ البداية حتى إن دعمها كان محدودا بدءا من تونس حيث وقف حزب «النهضة» الذي حصل على %40 من الأصوات في الانتخابات الأخيرة بعد نجاح الثورة، والآن يحضّر نفسه لترشيح أحد قياديه لتولي منصب رئيس الوزراء مع أن هذا الحزب حتى اللحظات الأخيرة من الثورة كان مترددا ولم يكن له حضور يُحكى عنه في المشهد الحراكي الشعبي، ومرورا بمصر حيث الإخوان، فرغم نشاطهم المكثف قبل الثورة في معارضتها لنظام مبارك فقد وقفوا بهيئة متفرج وأبعدوا أنفسهم عن الحالة الثورية، وفي بعض الجوانب كانت مواقفهم معيقة للثورة، ولا سيما في السجال الذي دار حول الحوار مع النظام، ولا نستغرب أنه في بعض الأحيان كان الإخوان يتبعون سياسة التخندق سبيلا للفعل السياسي السلبي غير مكترثين بهذه الثورة وبآمالها المتوخاة. وبعد النجاح الجزئي للثورة في مصر علا صوت الإخوان إلى درجة أساؤوا فيها للثورة، خصوصا بعد أن ظهر على السطح عدد من التيارات في حاضنة الإسلام السياسي المصري. وانتهاء بليبيا حيث كانت الصبغة الإسلامية للثوار ظاهرة للعيان إلا أنه لم يكن متوقعا أسلمة ليبيا إلى هذا الحد.
في الحالة المصرية لم يكن السجال الذي جرى ويجري بين الأطياف المصرية خادما للثورات في بلدان العالم العربي حيث كان لظهور تلك التيارات الإسلامية -سواء أكانوا سلفيين أم إخوانا أم متطرفين- تأثير سلبي على الثورة في سوريا حيث أبدى العديد من الجهات تخوفهم من التغيير ولا سيما الأقليات الدينية حتى العرقية، فمثلا الأكراد يتخوفون من الطروحات الإسلامية، إلى درجة لم يعد يصدقون فيها بدرجة كبيرة ما يقال من قبل الإخوان إن الدولة المرتقبة هي دولة مدنية ديمقراطية تعددية. في ظل السيادة الضبابية لمفهوم الدولة المدنية وكذلك التعددية.
ويبدو أن الوثيقة التي طرحها الإخوان في بداية العقد الحالي والذي كانت مفادها أن الإخوان اليوم ليسوا كالإخوان في حقبة ثمانينيات القرن المنصرم حيث يؤمنون اليوم بالديمقراطية وبالدولة الإسلامية، ولكن كيف يمكن تصديق هذا المفهوم المتقدم في الوقت الذي نسمع فيه من زاوية أخرى كلام زهير سالم (ناطق باسم الإخوان) على إحدى القنوات التلفزيونية حينما قال: إن سوريا دولة إسلامية حيث إن غالبية سكانها مسلمون، لذلك يجب ألا نختلف على أن يكون المصدر الأساسي للدستور هو الإسلام.
في الحقيقة إن التمسك من قبل الإسلاميين بأن يكون المصدر الأساسي للدستور هو الإسلام يخوّف غيرهم، ويخوّف أكثر الذين يقفون على الحياد حتى الآن من الثورة، حيث استطاعت السلطة أن تعمم هذه الفكرة في ذهنيات بعض الاتجاهات والفعاليات الاقتصادية، خصوصا أن الكثير من الأطراف المعارضة السورية ذهبت إلى تركيا وعقدت أكثر من اجتماع لها وأسست لهيئاتِها، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أمرين:
أولا: فرض وصاية تركية على سوريا نتيجة لهذا التلاحم والتعاون الحميم بين الإخوان في سوريا وحزب العدالة والتنمية في تركيا، حيث يرى هذا الحزب أنه جزء من حركة الإخوان في المنطقة، وبالإضافة إلى ذلك فإن ثقة المعارضة العميقة بأردوغان خلقت حساسية طائفية، وأخافت الأقليات بشكل كبير من تحويل الحقبة القادمة إلى حقبة إخوانية بامتياز.
ثانيا: إن تفعيل المعارضة في ظل «الخيمة» الإسلامية والترويج لها أسهم (شئنا أم أبينا) في إحداث شرخ واسع في جسد المعارضة السورية!
استطرادا.. إن عقد مؤتمرين للمعارضة السورية في التوقيت نفسه شغل الأذهان: أحدهما في تركيا، ولقاء آخر في باريس. وكان واضحا (بل أعلنوا صراحة) أن المؤتمر الذي انعقد في باريس كان مؤتمرا علمانيا ولعل نتائجه كانت أفضل من النتائج التي تمخضت عن مؤتمرات اسطنبول. في باريس لم يحدث تباين كبير بين المجتمعين. أما في تركيا فما أن انقضى المؤتمر إلا وكان الخلاف سيد الموقف، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مؤشر سلبي في سجال المعارضة السورية، إذ إن الصراع المؤجل بين التيارات الفكرية في سوريا هو الصراع بين علمانية الدولة وإسلاميتها، وربما تأتي عروبية الدولة في المرتبة الثانية من الخلاف الذي سيحدث حينما تتجاهل الأطراف المعارضة تطلعات الأكراد أو الآشوريين حينها، ربما سيكون الحديث عن هوية الدولة وعروبيتها متعبا.
ولا نستغرب أن الذي أسهم في افتعال التخوفات التي كانت مخفية في البواطن حدثان:
الحدث الأول: رفض المصريين أن يكون القبطي محافظا لمحافظة قنا حيث سمعنا كيف أن التنظيمات الإسلامية استغلت الحيز الإسلامي هناك وحرضت على رفض هذا القبطي، وللأمانة إنه من بين 20 محافظا مسلما يوجد محافظ قبطي واحد، وأريد من القراء أن يراجعوا الكتاب الذي ألفه المرحوم محمد كرد علي عن مصر إذ يقول: «إن الطبقة الحاكمة قديما في مصر كانت بيد الأقباط إلا أنهم لم يمنعوا المسلمين من التوظيف في الدواوين الحكومية»، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإن النقاش ما زال سيد الموقف بين العلمانيين والليبراليين ومعهم القوميون، وبين الإسلاميين (السلفيين والمعتدلين) إذ يرفض الإسلاميون مفهوم الدولة العلمانية، بل يريدون دولة إسلامية. وربما مرد طلب أردوغان لعلمانية الدولة المصرية هو خوفه من مستقبل غير مبشر للمصريين، حيث ينذر بالصراع التناحري القاتل في حواضن الفكر والسياسة المصرية.
الحدث الثاني: الخطاب الذي ألقاه عبدالجليل رئيس المجلس الانتقالي الليبي، حيث أكد بشكل قاطع إسلامية الدولة. وكان تبشيره بإزالة القانون الذي كان سائدا في الحقبة القذافية بمنع تعدد الزوجات واعتباره أول إنجاز للثورة - محل عدم رضا لدى بعض المراقبين، خاصة وقد أتى هذا الإعلان في لحظة الإعلان عن تحرير ليبيا. وهذا كله مؤشر على أن الإسلام اليوم ليس بعيدا بمسافة كبيرة عن الإسلام القديم! ومَن يدري ربما كان إخفاق الجزائريين في تفعيل ثورتهم رغم وجود قوة كبيرة كامنة للثورة، كان بسبب تخوف الدول وكذلك الجزائريون أنفسهم، من بلوغ الإسلاميين للحكم! حيث كانت للجزائريين تجربة مُرة مع الإسلاميين، ولا يخفى على أحد أنه ما زالت تداعيات تلك الحقبة حاضرة بقوة في الجزائر حتى في أذهاننا.. وهل نسينا أن أحد أسباب «إخفاق» «ربيع دمشق» كان بسبب تنويه عبدالحليم خدام (على مدرج جامعة دمشق) لـ»من يروج لفكرة التغيير يريد جزأرة سوريا»؟!
بقي القول: إن تحقيق الشرط الإسلامي في الثورة خصوصا في منطقتنا لا يعني فتح آفاق تغيرية جديدة أمام الأبناء لمواكبة التطورات على الأصعدة كافة، وإنما يحقق تطلعات الشريحة الكبيرة، كما أنه يحقق الطمأنينة في النفوس، لكن ما نريده اليوم هو الانفتاح على الجميع وكذلك تحقيق تطلعاتنا الحياتية والروحية!!
ينشر بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية»
www.minbaralhurriyya.org