الجمعة 12 ربيع الثاني / 27 نوفمبر 2020
 / 
10:56 ص بتوقيت الدوحة

اللابدّية!!

د. سعيد حارب
كانت الإذاعة تنقل خطبة الجمعة من إحدى الدول، وبين كل جملة وأخرى كان الخطيب يردد كلمة «لا بدّ»، ولو قام أحد المختصين بدراسة تحليلية لخطبته لوجد أن كلمة «لا بدّ» قد سيطرت على موضوع الخطبة، علما بأن موضوعها كان عن أهمية المحافظة على الأطعمة الصحية!!، فهل «لا بدّ» من تكرار هذه الكلمة لإقناع الناس بالأكل الصحي وحض المسؤولين عن المطاعم والفنادق ومحلات بيع الأطعمة على اختيار الأطعمة الصحية لزبائنهم، أم هو الإصرار على حمل الناس وتوجيه الأوامر لهم في مسألة أصبحت معروفة لديهم بسبب الوعي العام ومنه الوعي الصحي، وهل المطلوب إقناعهم بالتغذية الصحية أم أن ذلك تعبير عن حالة عامة تشير إلى أن الناس لا يمكن إقناعهم إلا بالأوامر والنواهي! أم هي العقلية « الحتمية « التي تفرض صورة واحدة لأي رأي، أم هي روح «اللابدية» التي تفرض نفسها في أي حديث يدور بيننا حين يردد كثير منا هذه الكلمة لحمل الآخرين للاستجابة أو الاقتناع بما يقول: إن المراقب لاستخدامنا لكلمة «لا بدّ» يجد أنها تمثل صورة من الحالة التي يفكر بها كثير من العرب والمسلمين حين يختارون القطع أو الحتم في المسائل التي يجب أن يكون للفكر دور فيها، فالحتمية التي نمارسها تغلق باب التفكير والإبداع والاجتهاد في كثير من أمور الدين والدنيا، كما أنها تمثل صورة من أحادية الفكر التي تسود بين قطاع واسع من العرب والمسلمين، وتعبر عن حالة اجتماعية عامة تسود معظم المجتمعات العربية والإسلامية حين تصبح «اللابدية» سمة الحياة، أي أنهم يعيشون حياة الأوامر والنواهي، ولا يتحركون إلا إذا قيل لهم «لابد» أن تفعلوا أو تتركوا!! دون أن يكون لهم الخيار في البحث عن بديل لحياتهم، فيعطلون إمكاناتهم وقدراتهم وإبداعاتهم انتظاراً لما يأتيهم من أوامر ونواه، إن «اللا بدّية» صورة من صور الحتمية التي تبناها كثير من الفلاسفة والمفكرين والقائمة على أن تسلسل مسألة معينة يؤدي حتماً إلى نتيجة معينة، وهي الفكرة التي قامت عليها بعض النظريات الفلسفية ومنها النظريات الإلحادية، كما أن الفكرة ذاتها نجدها عند المؤمنين حين يقطعون بحتمية بعض المسائل، وإذا كان من المتصور فهم هذه الحتمية عند المؤمنين خاصة ما يتعلق منها بالغيبيات باعتبار الإيمان المطلق بها انطلاقا من الإيمان بمصدرها، فإن الحتمية أو «اللابدية» في شؤون الحياة تبقى إحدى المعوقات لتطور الفكر الإنساني، بل هي نوع من تغييب العقل والفكر عن القيام بدورهما في الإبداع، فالفكر لا يمكن أن يقوم بدوره في الإبداع إلا إذا وجد البيئة المناسبة التي يعمل من خلالها، وأول مدخل لذلك أن يتحرر من الحتمية أو «اللابدية» التي يضعها الناس لحياتهم الإنسانية مع الاحتفاظ بحقهم اليقيني فيما يؤمنون به من قيم دينية، لكنهم في الحياة يحتاجون إلى أن يستبدلوا «اللابدية» بـ «البدائلية» أي أن يضعوا بدائل للقطعيات التي ينادون بها أو يدعون لها، وقد تكون هذه البدائل من جنس ما استبدلوه منه أو من غيره، كما أن بإمكانهم أن يستبدلوا «الحتمية» بـ «الاحتمالية» أي احتمال أن يقع كذا أو تكون النتيجة كذا!! وهذا يسهم في تنوع الآراء واختلافها وإثرائها، كما يسهم في الإضافة للفكر الإنساني، أما البقاء على الحتمية أو «اللابدية» فإنه يؤذن بجمود الفكر وتعطله، فالأفكار كالماء تفسد بثباتها واستقرارها، وقديما قال الشافعي «إني رأيت وقوف الماء يفسده... إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب»، وقد شهد التراث العربي حالة قريبة من هذه الحتميات وقد سميت هذه الحالة بـ «الجبرية» التي جعلت الإنسان مسلوب الإرادة، ونفت عنه القدرة على الفعل وأضافت الفعل إلى الرب، ورغم أن هذه المسألة خلافية في علم الكلام إلا أنها ألقت بضلالها على التراث العربي والإسلامي، فكثر من الناس يعيش حالة « الجبرية الاختيارية « أي أنه اختار أن يكون مجبرا!! وعطلت مداركه عن التفكرير أو النقد فأصبح مستسلماً لما حوله، وهذه الحالة تهيئ بيئة مناسبة لـ «اللابدّية» أي أن المتلقي يكون مهيئاً للأوامر والنواهي لأنه قد عطل إرادته الفكرية أو أصبح كالإسفسنجة الماصة للماء!! وبهذا تنشأ العقلية المخدرة في المجتمعات، وهي حالة مرت بها بعض الشعوب وكان من نتائجها تخلفها وعزلتها بل وانقراض رغم أن بعضها أسهم في الحضارة الإنسانية لكنه استسلم في النهاية إلى فكرة الحتميات واللابدية والجبرية فتراجعت عن مكانتها المتقدمة وأصبحت أثراً بعد عين، ولم يبق منها إلا آثار يقوم الباحثون بدراستها. فهل يمر العرب والمسلمون بتلك الحالة، أم أن «اللابدية» مرحلة طارئة على حياتهم سيتجاوزونها متى ما شعروا بخطورتها إن تشكل هذه الحالة في الذهنية والعقلية العربية هو أحد حالة الجمود الفكري التي يمر بها العرب، إذ لا يمكن للإبداع والتطور أن ينشأ في بيئة تقوم على «الحتميات» و «اللابدّيات».

اقرأ ايضا

القشرة!!

22 أكتوبر 2012

ماذا سنرسل لهم؟

14 مايو 2012

تركيا.. عقد من التحولات

12 يونيو 2011