


عدد المقالات 269
حلب، ليست المجزرة الأولى ولا الأخيرة في سوريا، تتنافس في فظاعتها مع مثيلاتها، وربما يكون توقيتها أكثر مرارة في إطار المفاوضات التي لم تسمن ولم تغن جوع من بقي على قيد الحياة في سوريا، ولكن هذه المجزرة والصور المروعة منها أطلقت حملة تعاطف شعبي واسعة في العالم العربي، حاولت بعض وسائل الإعلام المأجور أن تصورها بغير حقيقتها من خلال بث أخبار كاذبة حول دور للمعارضة في المجزرة، لم ينجح ذلك، فالشمس لا تغطى بغربال، وارتفع سقف التفاعل الشعبي، الجمعيات الخيرية والفعاليات الثقافية سارعت إلى نجدة المدينة المنكوبة مسلحة بهذا الزخم الشعبي الهائل، رسميا خرجت التصريحات المعتادة، شجب هنا واستنكار هناك، بيانات معبأة بعبارات مثل «يجب على» و»لا بد أن» و»نفد الصبر»، ولكن الواقع على الأرض وتوازنات القوى العالمية تفرض على هذه البيانات حالة من الفراغ في المضمون، روسيا والولايات المتحدة لا تريدان لصرخات الأطفال من تحت الأنقاض أن تؤثر على جهودهم لتحقيق توازن بين القوتين، وفي إطار ذلك فليحترق السوريون، فهم ليسوا إلا أوراق ضغط يستخدمها الطرفان في المعادلة. الآلاف الذين قضوا في حلب لم يسمع لهم صوت في العواصم الغربية، الإنسانية الغربية إنسانية انتقائية على المستويين الشعبي والرسمي، شعبيا جريح في بروكسل يساوي عند الغربيين آلاف القتلى خارج أسوار العالم الغربي، وليس ذلك تجنيا، انظر إلى التضافر الشعبي والرسمي في الولايات المتحدة مثلا مع ضحايا تفجيرات باريس، على الرغم من أن الولايات المتحدة تبعد محيطا كاملا عن فرنسا إلا أنها كانت قضية الساعة وتكلم حولها المشاهير وقادة الرأي، وخرجت من أجلها المسيرات والمظاهرات، لكن القتيل إن لم يكن متوافقا مع شروط التفاعل الغربية فهو لا يحرك الشارع الغربي بهذه الطريقة، وسيأتيك أحدهم يحدثك عن تفاعل غربي مع القضية السورية على المستوى الشعبي، وهذا صحيح ستجده في محطات معينة، ولكن أبطاله هم الأقلية اليسارية الساخطة على الحياة السياسية الغربية، وتفاعلهم وإن كان محمودا فهو يمثل قطاعا محدودا من المثقفين، أما في العموم فلا مقارنة بين التفاعل مع باريس وبلجيكا والتفاعل مع سوريا. هناك جزء طبيعي من ذلك، وهو أن الإنسان بطبيعته يجنح إلى التفاعل مع أبناء جنسه والأقرب له، ونرى ذلك في مجتمعنا بشكل يومي، حادث يصاب فيه قطري يأتي بمزيد من التفاعل إذا ما قارناه بحادث يصاب فيه مقيم، وهي بلا شك حقيقة مؤسفة، ولكنها حقيقة، ولكن النقمة هنا ليست على الغربي لتفاعله مع ما يحدث لابن جنسه، بل طبيعة الخطاب الذي يتصدر الإعلام الغربي ويتحدث به الأكاديميون الغربيون والمثقفون هناك، الخطاب المثالي المنافق، هذا الخطاب يجرّم النظام والمعارضة ويدعم التوجه الرسمي الغربي في حجب السلاح عن المعارضة، لا شك أن هناك خطابا مقابلا أكثر قربا من الواقع ولكنه محدود إذا ما قورن بهذا الأول، غربيا حسب مشاهداتي وقراءاتي على الأقل التفاعل مع مثل هذه القضايا يحمل حيادا مخلا يساوي بين القاتل وضحيته في الجرم، ولا يوفر بديلا لمن يقف في وجه الظلم والطغيان، هذا الخطاب المثالي الذي يقول إن التغيير يجب أن يكون سلميا، وإن أي حمل للسلاح مجرم هو من مسببات البرود الغربي تجاه قضايا المنطقة. الأكثر مرارة من إنسانية الغرب الانتقائية هو العرب الذي يدينون بهذه الإنسانية، ذلك العربي الذي غيّر معرفه في وسائل التواصل الاجتماعي إلى علم فرنسا بعد أحداثها ولا يكاد يتحكم في غضبه وهو يحدثك عن الإرهاب الذي يستهدف الآمنين في أوروبا، أما إذا صار الحديث عن سوريا حافظ على رباطة جأشه وأخذ ينظر لك حول مساوئ الربيع العربي وكيف أن المعارضة المسلحة مسؤولة عما يحدث، ويأخذك في رحلة لجلد الذات، الفصائل المسلحة مذنبة، علماء الدين محرضون، الجمعيات الخيرية مشكوك في نواياها، حتى الذين يعملون في إطار الحل السياسي عنده مصلحيون، ماذا نفعل إذاً لصالح الشعب الذي يذبح في اليوم ثلاث مرات؟ لا حل عنده، هذا العربي سواء اعترف أو لم يعترف هو نتاج مدرسة غربية في التفكير، مليئة بالمثاليات ولكنها انتقائية في التقييم، قتل كلب في شوارع باريس جريمة نكراء، وموت الآلاف عبر البحار مسألة ثانوية. هذه الحقيقة عميقة بعمق التاريخ، فهكذا كان الرومان واليونان، جيوشهم تقتل الأبرياء بدم بارد خارج أسوار مدنهم وهم ينظرون في المدينة الفاضلة والعدالة الاجتماعية، ثم الحملات الصليبية تنطلق لتحرق الناس في منازلهم وتصبغ الشوارع بالحمرة وأوروبا تتحدث عن عصور التنوير، وأخيرا طائرات بلا طيار تقصف المدارس والأعراس والمظاهرات الأميركية تنطلق لقضايا ثانوية مثل الاعتداء على عيادة للإجهاض ولا تهتم لصور الضحايا حول العالم. الإنسانية الغربية هي حالة يتسم بها المنتصر، لا يريد أن يعترف بتكلفة هذا الانتصار، فالقوة العظمى غالبا لا تكون قوة عظمى دون مجازر، ولكن المستفيد من هذه القوة المواطن العادي، يفضل أن يغمض عينيه عن هذه التكلفة ويتصنع التحضر والتمدن داخل أسوار مدنه المزدهرة، حلب نموذج ولكن المأساة مستمرة والقتلى في تزايد، ولا سبيل إلا بنهضة أمة، ونحن اليوم محرومون كأفراد من دور حقيقي فيما يحدث لذلك يبقى أمامنا سلاحان، الدعاء، وبذل الاستطاعة في التوعية والضغط الشعبي والإغاثة بما نستطيع.
منذ عام 2006 بدأت في مجال التحليل السياسي، من خلال صفحات الجرائد المحلية المختلفة، ومنذ ذلك الحين التزمت بمقال أسبوعي يركز غالباً على التعليق على الأحداث الراهنة، أو مناقشة موضوع سياسي عام، مرت هذه التجربة...
بنجاح أكبر من الذي توقعته استطلاعات الرأي، عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، ليقطع الطريق على من أراد أن يشكك في استمرار شعبيته في بلاده. وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة والتلاعب...
مذ عرّفني أحد الأصدقاء على قصيدة تميم البرغوثي عن القدس، دأبت على الاستماع إليها بين الفينة والأخرى، لا شك لجمالها أولاً، ولكن كذلك لأنها تنقلني إلى حالة شعورية مختلفة حول المدينة القديمة، أشعر وكأنني أمشي...
في الإنجليزية، إذا أردت أن تصف أشخاصاً يتقاتلون بطريقة صبيانية، فبإمكانك استخدام مصطلح «أطفال بألعاب»، في إشارة إلى أن أولئك الذين تتحدث عنهم يتصرفون كأطفال يتنازعون ألعاباً لا كأشخاص ناضجين.. العالم اليوم يكثر فيه من...
ستة أشهر كانت كفيلة ببث روح جديدة في الجسد القطري بعثها التحدي الأكبر الذي واجه البلاد في تاريخها، في هذه الأشهر الستة انطلقت قطر نحو المستقبل بخطى ثابتة والتحم الشعبي مع الرسمي لرسم لوحة مشرقة...
آلة السياسة في واشنطن شديدة التعقيد، من حيث التركيب والأنظمة، فنظام التوازن والرقابة الذي يعطي كل سلطة صلاحية رقابية على الأخرى، ويجعل الصلاحيات متوازنة بينها، أورث نظاماً معقداً، ولكنه يعمل بكفاءة عالية، هذا النظام تعرّض...
أثارت كوريا الشمالية الرعب في محيطها الإقليمي والعالم أجمع بتصعيد تجاربها النووية والصاروخية، وحسب الخبراء العسكريين يمكن أن تصبح قريباً «الدولة المارقة»، كما يسميها ترمب، قادرة على تركيب رأس نووي على صاروخ متجه إلى الساحل...
الأنشطة الثقافية للمؤسسات الخيرية هنا في قطر كانت وما زالت أكثر قدرة على جذب الجماهير من مثيلاتها الرسمية، ويعود ذلك لمجموعة من الأسباب، أهمها الطبيعة التطوعية لهذه الأنشطة، وما يحققه ذلك من إبداع ومرونة وحماس،...
حطت طائرة الرئيس الأميركي على أرض فلسطين ليكون أول مؤتمر صحافي له بجوار طائرته مناسبة جديدة يذكر فيها بالتزامه التام بأمن الكيان الصهيوني، بعد أن أمضى الأيام الماضية في التأكيد على رؤيته حيال «الإرهاب الإسلامي»...
الثورة الاقتصادية الصينية التي دفعت بالصين من دولة مقسمة محتلة إلى أحد أقوى اقتصادات العالم استفادت بشكل كبير من المبدأ الذي وضعه باني نهضة الصين الاقتصادية الحديثة شياوبنج وهو رئيس الصين الثاني بعد ماو تسي...
احتفل قطاع كبير من الفرنسيين، ومعهم المعتدلون في أوروبا، والعالم الغربي بخسارة لوبين، وفوز ماكرون خلال الأيام الماضية، متجاوزين تهديداً آخر من اليمين المتطرف الأوروبي، وبذلك تتبدد أحلام اليمين المتطرف في القارة العجوز في أن...
خلال الشهور القليلة الماضية تغيرت الأوضاع في قطبين من أهم الأقطاب السياسية في المنطقة بشكل كامل، خلال الأعوام الماضية بدا أن النظام الإيراني يحكم قبضته على محيطه الداخلي والخارجي، وفي مقابل ذلك بدا أن الإدارة...