


عدد المقالات 111
إن من نعم الله تعالى أن جعل بيوته في الأرض منارات لنور الهدى، ومهابطَ للسكينة والرحمة، ومواطنَ لذكره وشكره، وإن سيدنا محمد ﷺ قد أرشد أمته إلى تعظيم المساجد وعمارتها بالبنيان وبالذكر والعبادة فيها. فالمساجد هي أحبُّ البقاع إلى الله، كما صحَّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أحبُّ البلاد إلى الله مساجدها» (مسلم، رقم 671). فهي بيوتٌ أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (سورة النور: 36). وفيها تتنزَّل الرحمات، وتُغفر الزلات، وتجتمع القلوب على الطاعة، في مشهدٍ تتلاشى فيه الفوارق، ويقف الغني والفقير، والصغير والكبير، صفًّا واحدًا بين يدي الله. وقد عظَّم الله شأن عمارة المساجد، فجعلها علامةً على صدق الإيمان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (سورة التوبة: 18). وعمارتها ليست بالبناء وحده، بل بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن وحلق العلم، وإحياء القلوب بالغفلة عن الدنيا والإقبال على الآخرة. وفي شهر رمضان المبارك، تتضاعف مكانة المساجد وتزداد أهميتها في حياة المسلم؛ إذ هو شهر القرآن والقيام، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (سورة البقرة: 185). ففيه تحيا المساجد بصلاة التراويح والتهجد، وتُعمر بالقرآن آناء الليل وأطراف النهار، فيشعر المؤمن بأنفاس الإيمان تتجدد في صدره، وأن روحه تُغسل بماء الآيات الكريمات من الذكر من الحكيم. ومن أجلِّ العبادات التي تختصُّ بالمساجد في رمضان عبادةُ الاعتكاف، وهي لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، انقطاعًا عن مشاغل الدنيا، وتفرغًا لمناجاة المولى. وقد دلَّ القرآن الكريم على مشروعيتها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (سورة البقرة: 187). فذكر الاعتكاف مقرونًا بأحكام الصيام، مما يدل على مكانته في هذا الشهر الفضيل. والاعتكاف سنة مؤكدة، ومحلها المساجد كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (سورة البقرة: 187)، والعكوف: اللبث والإقامة، عكف في المكان إذا أقام به، ومعنى الاعتكاف هو اللبث في المسجد بنية التعبد والتقرب إلى الله من ليل أو نهار، وليس له حد محدود، وهو مشروع في كل وقت وفي رمضان آكد، في العشر الأخيرة آكد، ومشروع في جميع الأوقات، ولا حد لأقله ولا حد لأكثره، والهدف منه التفرغ للعبادة من القراءة -قراءة القرآن- والذكر والصلاة والدعاء (الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ابن باز، باب فضل الاعتكاف). وكان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان طلبًا لليلة القدر، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِن رَمَضَانَ، حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِن بَعْدِهِ» (البخاري، رقم 2026. ومسلم، رقم 1172). وفي ذلك إشارة إلى أن الاعتكاف مدرسةٌ روحية، يتربى فيها القلب على الإخلاص والصبر، ومحاسبة النفس وتصفية السريرة، ففيه تقرب إلى الله تعالى بالمكث في بيت من بيوته، وحبس النفس على عبادته، وقطع للعلائق عن الخلق للاتصال بالخالق، وإخلاء للقلب من الشواغل عن ذكر الله، والتفرغ لعبادة الله بالتفكر والدعاء والذكر وقراءة القرآن والصلاة والتوبة والاستغفار (الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عبدالله بن محمد بن أحمد الطيار،حول فضل الاعتكاف وليلة القدر). ومن لزم المسجد بقلبٍ صادق، نال بشارة عظيمة، فقد جاء في الحديث قوله ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ورجلٌ قلبه معلق بالمساجد» (رواه البخاري، رقم 660. ومسلم، رقم 1031). فيا من أقبل عليك رمضان، اجعل للمسجد نصيبًا من وقتك، وللاعتكاف حظًّا من همتك، ولو ساعاتٍ تتفرغ فيها لربك. نسأل الله أن يعمر قلوبنا بذكره كما نعمر مساجده بطاعته، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يبلغنا ليلة القدر ونحن في بيوته ساجدون، معتزلون عن الدنيا، مقبلون عليه وحده سبحانه.
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...
تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...
ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...
يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...
عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...
وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...
يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...
يمثل مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض. وقد تجلى هذا المشهد في قوله...
كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...