


عدد المقالات 117
شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، فيه من الخيرات والبركات ما تتطلع إليه القلوب المؤمنة، فهذا الشهر المبارك ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية تربي القلب على دوام الصلة بالله تعالى، وأعظم ما يحيي هذه الصلة ويقويها هو ذكر الله عز وجل. فالذكر روح العبادات وسر الطاعات، وبه تطمئن القلوب وتزكو النفوس (الصلابي، 2024). قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (سورة الأحزاب: 41-42). فهذه الآية تأمر بالإكثار من الذكر، لا بالقليل منه، وجاء التعبير بـ»ذكرًا كثيرًا» ليشمل كل أحوال العبد وأوقاته، في ليله ونهاره، في سره وعلانيته. وفي رمضان يتضاعف الأجر والثواب، وتفتح أبواب الجنة وتقيد الشياطين، كما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» (رواه البخاري، رقم 3277. مسلم، رقم 1079). فإذا كانت الشياطين مصفدة، والقلوب مهيأة، كان الذكر أيسر على اللسان، وأقرب إلى القبول، وأعظم أثرًا في تزكية النفس. ومن أعظم ثمرات الذكر أنه سبب لطمأنينة القلب وسكونه، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد 13: 28). وذلك أحوج ما يكون القلب إليه في هذا الموسم الإيماني، فيحتاج القلب إلى ما يثبته ويملؤه نورًا، وليس شيء أنفع له من ذكر الله تعالى. والذكر يشمل أنواعًا كثيرة: التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والاستغفار، وقراءة القرآن، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. بل إن الصيام نفسه يربي على دوام الذكر؛ لأن الصائم يراقب ربه في السر والعلن. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم عظيم أجر الذكر في كل وقت، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (البخاري، رقم 6405. مسلم، رقم 2691). فكيف إذا كان هذا الذكر في شهر تضاعف فيه الحسنات أضعافًا كثيرة؟. ومن فضائل الذكر أنه سبب لذكر الله للعبد، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (سورة البقرة 2: 152). وأي فضل أعظم من أن يذكرك الله في الملأ الأعلى؟! وقد جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (البخاري، رقم 7405. مسلم، رقم 2675). وإن ثمرات الذكر وفوائده، تحصل بكثرته، وباستحضار ما يقال فيه، وبالمداومة على الأذكار المطلقة والمقيدة، وبالحذر من الابتداع فيه (الحمد، ص 148)، ورمضان فرصة عظيمة لتعاهد اللسان بالذكر، وتدريب النفس على ملازمته، حتى يصير عادة دائمة بعد انقضاء الشهر. فالذكر لا يحتاج إلى جهد بدني كبير، ولا إلى مال، بل هو عبادة يسيرة، عظيمة الأجر، ثقيلة في الميزان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» (البخاري، رقم 6406. مسلم، رقم 2694). ولأن رمضان موسم الخيرات، وميدان التنافس في القربات، ولأن ذكر الله عز وجل من أعظم ما يتقرب العبد إلى ربه، فينبغي للمسلم وهو يتقرب إلى مولاه في هذا الشهر المبارك أن يرتبط بذكر الله تعالى قائماً وقاعداً، ماشياً وراكباً، يحفظ الأذكار المأثورة، ويحفظها أسرته وأولاده، فتقترب منه الملائكة، وتبتعد عنه الشياطين، فالذكر تجارة رابحة عظيمة الأجر، تزكي نفوسنا وتطهرنا من الذنوب والخطايا (الصغير، 1997، ص 68). فلنغتنم أيام رمضان ولياليه بالإكثار من ذكر الله، ولنملأ أوقاتنا بالتسبيح والاستغفار وتلاوة القرآن، رجاء أن نكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، الذين أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا. نسأل الله أن يجعل ألسنتنا رطبة بذكره، وقلوبنا عامرة بطاعته، وأن يتقبل منا صيامنا وقيامنا وذكرنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...
تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...
ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...