alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 122

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 09 أغسطس 2026
اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج
السفير رشاد فراج الطيب - دبلوماسي وباحث سوداني 10 أغسطس 2026
جامعة حمد بن خليفة تحتفي بإرث البروفيسور مالك بدري

أهمية وفضل الإكثار من ذكر الله تعالى في شهر رمضان المبارك

01 مارس 2026 , 11:47م

شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، فيه من الخيرات والبركات ما تتطلع إليه القلوب المؤمنة، فهذا الشهر المبارك ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية تربي القلب على دوام الصلة بالله تعالى، وأعظم ما يحيي هذه الصلة ويقويها هو ذكر الله عز وجل. فالذكر روح العبادات وسر الطاعات، وبه تطمئن القلوب وتزكو النفوس (الصلابي، 2024). قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (سورة الأحزاب: 41-42).
فهذه الآية تأمر بالإكثار من الذكر، لا بالقليل منه، وجاء التعبير بـ»ذكرًا كثيرًا» ليشمل كل أحوال العبد وأوقاته، في ليله ونهاره، في سره وعلانيته. وفي رمضان يتضاعف الأجر والثواب، وتفتح أبواب الجنة وتقيد الشياطين، كما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» (رواه البخاري، رقم 3277. مسلم، رقم 1079). فإذا كانت الشياطين مصفدة، والقلوب مهيأة، كان الذكر أيسر على اللسان، وأقرب إلى القبول، وأعظم أثرًا في تزكية النفس. ومن أعظم ثمرات الذكر أنه سبب لطمأنينة القلب وسكونه، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد 13: 28). وذلك أحوج ما يكون القلب إليه في هذا الموسم الإيماني، فيحتاج القلب إلى ما يثبته ويملؤه نورًا، وليس شيء أنفع له من ذكر الله تعالى.
والذكر يشمل أنواعًا كثيرة: التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والاستغفار، وقراءة القرآن، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. بل إن الصيام نفسه يربي على دوام الذكر؛ لأن الصائم يراقب ربه في السر والعلن. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم عظيم أجر الذكر في كل وقت، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (البخاري، رقم 6405. مسلم، رقم 2691). فكيف إذا كان هذا الذكر في شهر تضاعف فيه الحسنات أضعافًا كثيرة؟.
ومن فضائل الذكر أنه سبب لذكر الله للعبد، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (سورة البقرة 2: 152). وأي فضل أعظم من أن يذكرك الله في الملأ الأعلى؟! وقد جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (البخاري، رقم 7405. مسلم، رقم 2675).
وإن ثمرات الذكر وفوائده، تحصل بكثرته، وباستحضار ما يقال فيه، وبالمداومة على الأذكار المطلقة والمقيدة، وبالحذر من الابتداع فيه (الحمد، ص 148)، ورمضان فرصة عظيمة لتعاهد اللسان بالذكر، وتدريب النفس على ملازمته، حتى يصير عادة دائمة بعد انقضاء الشهر. فالذكر لا يحتاج إلى جهد بدني كبير، ولا إلى مال، بل هو عبادة يسيرة، عظيمة الأجر، ثقيلة في الميزان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» (البخاري، رقم 6406. مسلم، رقم 2694).
ولأن رمضان موسم الخيرات، وميدان التنافس في القربات، ولأن ذكر الله عز وجل من أعظم ما يتقرب العبد إلى ربه، فينبغي للمسلم وهو يتقرب إلى مولاه في هذا الشهر المبارك أن يرتبط بذكر الله تعالى قائماً وقاعداً، ماشياً وراكباً، يحفظ الأذكار المأثورة، ويحفظها أسرته وأولاده، فتقترب منه الملائكة، وتبتعد عنه الشياطين، فالذكر تجارة رابحة عظيمة الأجر، تزكي نفوسنا وتطهرنا من الذنوب والخطايا (الصغير، 1997، ص 68).
فلنغتنم أيام رمضان ولياليه بالإكثار من ذكر الله، ولنملأ أوقاتنا بالتسبيح والاستغفار وتلاوة القرآن، رجاء أن نكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، الذين أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا. نسأل الله أن يجعل ألسنتنا رطبة بذكره، وقلوبنا عامرة بطاعته، وأن يتقبل منا صيامنا وقيامنا وذكرنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

من أمانة الاستخلاف في الأرض إلى سنن السقوط.. الحضارة الإنسانية في دعوة الأنبياء والمرسلين

الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «4-4».. شهادة شخصية عن علاقة الشيخ حمد بالعلم والعلماء وأهل الفكر

لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «3-4».. السياسة الخارجية القَطرية بين الوساطة.. ودعم قضايا الشعوب

مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «2-4».. اهتمام فقيد الوطن الكبير بتاريخ الأمة العربية والإسلامية وسير القادة والمصلحين

لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «1-4».. دراسة سيرة القادة.. قراءة في تجارب الأوطان

حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...

دعوة إبراهيم عليه السلام إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...

الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلح

يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (6-6).. الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله).. صفاته ومرضه ورحيله

تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (5-6).. الشيخ مصطفى السباعي وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (4-6).. الشيخ مصطفى السباعي.. وجهوده في الدفاع عن السُّنَّة النبوية

كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (3-6).. الشيخ مصطفى السباعي وفلسطين: بين الجهاد الميداني وبناء الوعي الدعوي

لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (2-6).. الشيخ مصطفى السباعي في الأزهر وميلاد مشروعه الإصلاحي

ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...