ألا نستحق نحن أيضاً مشروع نهضة؟
31 أكتوبر 2013 , 12:00ص
يوم أمس الأول. احتفل الشعب التركي بمناسبتين. الذكرى التسعين لتأسيس الجمهورية الحديثة. ومشروع القرن «مرمراي» النفق تحت الماء يربط بين شطري اسطنبول الآسيوي والأوروبي. الحلم الذي راود السلطانين عبدالمجيد عبدالحميد وبقي حبيس واقع عاجز ما يزيد على قرن ونصف. أنجزته حكومة تحقيق المستحيلات بقيادة رجب طيب أردوغان وصحبه في حزب العدالة والتنمية. وذلك بفضل الله عليهم ثم شعب كان ظهيراً لهم. آمن برؤيتهم ومنحهم ثقته لتنفيذها ووقف معهم رغم كل المؤامرات والصعوبات.
لقد كانت فرحة النصر مدوية. أجمل احتفال وأبهاه ذلك الذي تلتف فيه الشعوب حول قيادتها ويلتحمون بلا أن تخاف القيادة غدراً. ولا ينغص على الشعوب دفعهم بعيداً عن القيادة ريبة.
ولأول مرة منذ سقوط الدولة العثمانية وإعلان جمهورية تركيا العلمانية. يفتتح مشروعاً حكومياً بدعاء رئيس الشؤون الدينية. فمنذ فرضت العلمانية بقوة السلاح والحكم العسكري الذي يضع قناعاً مدنياً أحياناً. وهي لم تفصل بين الدين والدولة فحسب بل طمست الدين لتحصر الدولة في حاكمية القوانين الوضعية حتى في أحوال تطبيق القانون المدني عليها يعتبر كفراً كالزواج والطلاق والنفقة والميراث وغيرهم.
افتتح «مرمراي» بتصدر المحجبات للصف الأول لكبار الحضور. وأغلبهن زوجات الوزراء والنواب اللواتي كان يحرمهن القانون الظهور الرسمي بالحجاب. أمّن الجميع خلف «الشيخ» وهو يدعو. والدعاء عند النصر والفتح. سنة معروفة عن العثمانيين بقراءة الفاتحة وشكر الله على نعمه ولجلب البركة والخير بالافتتاح بالقرآن.
ما سبق قد لا يعتبره البعض شيئاً يستحق القراءة. ومثيراً للاهتمام. ولكن المحلل يعلم أنه مؤشر يعكس عمل دؤوب. نضال بدأه نجم الدين أربكان ولهذا مبحث آخر. وتسلمه الجناح الراديكالي لفكر «أربكان» بعد تأسيس حزب العدالة والتنمية. وخلال عقد من تسلم المحافظين الحكم في تركيا. وصلوا إلى رفع حظر ارتداء الحجاب عن النساء في الوظائف العامة للدولة.
نحن في الخليج لا نفهم معنى منع ارتداء الحجاب واللجوء للقانون للسماح به. لأننا نعيش في بيئات محافظة متدينة إلى حد كبير. رغم محاولات العلمنة التي يقودها المثقفون الطارئون.
ومسألة الحجاب. رمزية وبشير لمستقبل يحمل كل خير للأمة. وتبين حجم العمل الذي كان منوطاً برجال حزب العدالة والتنمية ونسائه. وصمودهم في سبيل القيم التي يؤمنون بها. وعلى رأسها احترام حرية الإنسان ضمن منظومة القيم والقانون. والعدالة التي تقوم بها الدول وتستمر. وتنمية الإنسان لينهض المجتمع والاقتصاد. وكل ذلك يتطلب قيادة متواضعة تعمل بمبدأ السياسة الأخلاقية.
تجربة النهضة في تركيا سبقها تطهير النوايا. حتى صَفتْ وأخلصت لله فنفخت في روح الفطرة المحبة لدينها. الفطرة التي خنقها أتاتورك وأعوانه ومردته في نفس هذا التاريخ بإعلان موت الخلافة رغم أنها كانت تحتضر ولم تمت. وبقيت الفكرة تنازع حتى جاء من أنعشها. شباب العدالة والتنمية وخلفهم إرادة السواد الأكبر من الشعب التركي. أعادوا الأمل ليس للشعب التركي فحسب. بل للأمة الإسلامية بأن لابد لليل أن ينجلي. وإن طال.
دروس كبيرة نتعلمها من انطلاق مشروع «مرمراي» أولها أن الأحلام تتأجل ولا تتلاشى.
وثانيها أن الصبر والإخلاص والتواضع والمداومة كلمات سر كل إنجاز. وثالثها أن التخطيط الذي يعتمد على الخبرات الفنية المخلصة للأمة هو الذي يؤتي أُكله.
ورابعها أن الشعب هو صمام أمان أي حكم وفي خدمته والقيام عل مصالحه ضمان رضا الله وعباده.
وخامسها أن العبودية للكرسي تعمي البصيرة عن حقيقة أنه مطية وسبب. لا نتيجة وغاية ونهاية.
وسادسها أن المصدر الوحيد للسلطات هو قانون وضعه الله في كتابه. ومن يأتي بما يناقضه هو أول من سيدفع الثمن. وفي النهاية سيفعل الله ما يريد.
ونشاهد اليوم حزب الشعب الجمهوري المتطرف كيف أضحى عبئاً على نفسه. وعبئاً أكبر على العلمانيين المعتدلين الذين لا يرفضون أو يتنكرون لإنجازات إدارة حزب العدالة والتنمية لتحقيقه ما يصب في مصلحة الشعب التركي. وهم جزء من هذا الشعب. ولكنهم يختلفون مع الحزب بالأفكار والقيم السياسية. ويفضلون النزال الشريف في ساحة الصناديق لا في ميدان «تقسيم» وغيره. وهؤلاء عرفوا اللعبة. وانحازوا لوطنهم قبل أن ينجرف لهاوية الدمار التي تريدها من تظن نفسها نخبة وغيرها حشرات. خسرت الكراسي فرفعت شعار «علي وعلى أعدائي»!
هكذا يحدث عندما تتقزم أهداف السياسي. تتراجع شعبيته لأنها رهينة اختيار قاعدته والمرتبط بمراعاته مصالحهم الحياتية (الإصلاحات الداخلية) وحفظ هيبة ومكانة الدولة الخارجية.
ففي الوقت الذي كان الأتراك يحتفلون بإنجاز عظيم سيدر على الخزينة العامة 2.4 مليون ليرة تركية يومياً (مليون و200 ألف دولار) كانت بقايا العلمانية التي تكره الدين ومن يمثلونه. تجتمع لمنع النائبات المحجبات من دخول البرلمان بحجابهن. يا له من هدف سيفيد الشعب وسيضيف لرفاهيتهم ومعيشتهم!
معارضة سياسية تحارب بشخصانية قيماً أخلاقية ودينية تدخل ضمن الحقوق والحدود الشخصية وأقرها القانون. تناهض كعصابة. حزباً فاز بأغلبية شعبية وشكل حكومة أنجزت مشروعاً يُتوقع بناء على الجدوى الاقتصادية أن تسترد كلفته التي تجاوزت ثلاث مليارات دولار خلال تسع سنوات ونصف. وهذه مدة غير مسبوقة لاستعادة رأس المال لمشاريع بهذه الضخامة. وكل هذا لأنهم مؤمنون بالقيم التي تقول: «إن الحكم للنخبة التي يمثلونها هم بينما الأغلبية من عامة الشعب عبيدهم. فقط يصوتون ويجلسون في البيوت ينتظرون الفتات حتى موعد الانتخابات المقبلة!
هذا الفكر البائد انتهى للأبد
وأخيراً حق علينا أن نطرح بعض التساؤلات: أين نحن في الخليج من مشروع النهضة الذي يحلم به أي شعب ليعيش كريماً مكتفياً مرفوع الرأس؟
أين نحن في الاستقرار الداخلي. وما هي حقيقة العلاقة بيننا وبين الحكام؟
أين نحن في المشهد الدولي والسياسة الخارجية التي دفعنا مقابلها أموال الشعب وما زالت الآبار النفطية موعودة بمزيد من الهدر ليزيد الداخل فقراً والخارج طغياناً؟
في أي كفة وضعنا ثقلنا في معارك تحرير الشعوب ضد الاستبداد؟
أين دعوتنا لتكون كلمة الله هي العليا. لا المصالح السياسية ولعبة الكراسي؟
هل نصرنا المظلوم في سوريا. والمضطهد في مصر. وفككنا العاني في جوانتانامو. وأطعمنا الجائع وكسونا العاري وسترنا الأعراض؟
السؤال الأهم: لماذا نحن في الخليج لاعب سياسي يراهن على «الحصان» الخاسر؟!