ساعي بريد..
30 سبتمبر 2012 , 12:00ص
عاد إلى بيته محملاً بالتعب والإرهاق وجهد السنين, عاد إلى عشه بعد رحلة طويلة في الميدان, حيث كان يعرف أن لرحلته محطة توقف قادمة بعد طول طيران وتحليق في سماء الحياة, وكانت تلك اللحظة حاضرة في ذلك اليوم.
دخل إلى بيته وفي يده خطاب كتب فيه «نشكر لك صنيعك طوال السنوات الماضية. ونتمنى لك حياة سعيدة» كان ذلك الخطاب هو خطاب التقاعد لساعي البريد المخلص عبدالودود، حيث قضى حياته يجوب البيوت والشركات ومناطق التجمعات البشرية, داخل الناس وتعمق في عالمهم. ولم يكن ساعي بريد تقليديا بل متأملا في أحوال العباد, ومتفكراً في ممارساتهم وأنماط عيشهم.
قرر عبدالودود أن يحيا حياة أخرى جديدة بعد التقاعد بعد أن عاش في مهنة يحبها ويعشقها لأكثر من 40 عاما.
قرر أن يعيش حياة جديدة بعد أن توقف عن الركض، حيث يتذوق ذكريات تلك التجربة الثرية التي قابل فيها آلاف الناس باختلاف طبقاتهم وعقلياتهم ورؤاهم وتوجهاتهم.
قابل عبدالودود العالم والجاهل، الغني والفقير، الحكيم والأحمق، الطموح والمستسلم، المتوازن والمضطرب، الخبيث والطيب، الخلوق والوقح.
كان عبدالودود في بيته من هواة الأدب, وفي ذات الوقت كان ينفر من قلة الأدب, ولهذا قرر عبدالودود أن يكتب رواية تلخص حياته الثرية تكون نثار تجاربه العميقة وتواصله الإنساني مع أخيه الإنسان.
كان عبدالودود يحمل الكثير من الرسائل والأفكار التي يريد أن يوصلها إلى المجتمع, وكان يعتقد أن تجارب الإنسان الثرية تشرى بالذهب والزمرد لأن الإنسان بطبعة يحب النماذج ويعمل على محاكاتها ويقوم بالتعلم منها الكثير والكثير.
قرر ساعي البريد المخضرم ذو التجارب والصولات والجولات أن يكتب تلك الرسائل ويلخص ذلك المشوار عبر رواية أسماها «ضيف النهار» وهي التسمية التي جاءت من دخوله منازل الناس وأماكن أعمالهم في نهار كل يوم, وكان الناس يحسنون وفادته وضيافته ويتعاطون معه كالضيف وإن قل مكوثه.
انطلق عبدالودود في تجربته الأدبية السردية الجديدة من الكثير من المفارقات التي كان يشاهدها في حياته, حيث كانت حياته محطات, وكل محطة لها لون وطابع مختلف. وكان من أبرز من قابل أناس يعتقدون أن الثري هو السعيد وهي القاعدة التي نفاها ساعي البريد الخبير بالناس عبر تجربته, فهو يرى أن السعادة عقيدة داخلية تحتاج إلى توازن بين جناحي الطموح والرضا, فهي ذلك الجسد القابع بينهما.
آمن ساعي البريد أن البعد المادي في حياتنا مهم ولكنه ليس كل شيء كما يعتقد البعض, ولذلك فهؤلاء بنظر عبدالودود ينظرون لشطر من اللوحة فقط.
اقترب عبدالودود من حياة الكثير من الناس فوجد السعادة عند من عاشوا حياتهم بتوازن بين أبعادها الستة: الروحي وهو متصل بالله, والعقلي وهو متصل بالعلم والمعرفة, والعملي وهو متصل بطلب الرزق, والجسدي وهو متصل بالرياضة والغذاء الصحي والنوم المبكر, والعاطفي وهو متصل بأسرة متحابة ومتجانسة, والاجتماعي وهو متصل بدفء العلاقات وعمق التواصل.
عرج عبدالودود في روايته على أخطاء شائعة منتشرة في إدراك الناس ووعيهم مثل بعض النماذج التي قابلها في رحلته الطويلة, والتي تطلب الحياة الهانئة والكريمة ورغد العيش, ولكنها لا تسعى لذلك, وتعتقد أن القدر هو الذي أراد ذلك وأنهم مجبورون على ذلك وهم يعولون على الحظ والصدفة أكثر من فعل الأسباب وطرق الأبواب والضرب في الأرض.
استطاع عبدالودود أن يدون تجربته مع النموذج المناقض أيضاً. وهو المؤمن أن كلما زادت ساعات العمل وكلما كان الجدول مليئا بالمواعيد كانوا أقرب للنجاح, وهو نموذج حوّل الإنسان إلى آلة بكل أسف, مفرغة من أية احتياجات نفسية أو عاطفية أو روحية أو جسدية أو ترفيهية.
قابل عبدالودود الفقراء الذي لا يستطيعون شراء اللحم لطعامهم وكانت أسنانهن تطحن الحصى المخلوط بالقمح. وقابل على النقيض من يرمي أكثر من نصف طعامه للقطط والحيوانات في سلال القمامة.
فالقطط هنا شبعى، والإنسان هناك جائع!
قابل محدود الدخل الذي يتلهف على دفع الصدقة والبذل والعطاء, وشاهد الغني الذي لا يخرج حتى زكاة أمواله, داخل البخلاء الذين يجمعون أموالهم للورثة حيث حرموا أنفسهم منها في مشهد يجعل الحليم حيران, شاهد من يستمتعون بالبساطة ويعيشون حياتهم في كنفها, حيث يفرحون بأي شيء ويستمتعون بكل الأوقات, وعاشر من حولوا الحياة الطبيعية إلى سلسلة من البرتوكولات والتشريعات والأوامر والنواهي والتعقيدات, وتأمل حال قوم رغم كل النعيم فهم ممن قال «ما رأينا خيرا قط»!!
كانت رحلة عبدالودود حافلة بالمفاجأة والمواقف، الأفكار والدروس، تعلم عبدالودود كنز الحكمة العظيم, من تجربته العميقة في الحياة حينما أعمل عقله وأيقظ روحه. وكان يتأمل النماذج الإيجابية فيستفيد منها ويرى النماذج السلبية فيهرب منها هروب الشاة من الذئب.
كان عبدالودود رغم بساطة عمله سعيداً مطمئناً, وكل ذلك جلب له الصحة النفسية والجسدية وطول العمر, فهو محب للحياة عاشق للعائلة ومخلص في عمله وتقي في علاقته مع ربه متصالح مع نفسه ويحب الإحسان والعطاء مهما قل.
قرر ساعي البريد الحكيم بعد أن أنهى الرواية والحكاية أن يرسلها لأصدقائه الكثر. والذين توطدت العلاقة بهم عبر تواصل السنوات الماضية.
وفكر ودبر ولم يجد وسيلة لكي يقدم لهم تلك الهدية إلا أن يلبس بذلة ساعي البريد من جديد ويطوف عليهم كما كان. ولكن ليس بالرسائل والخطابات, بل ليقدم لهم روايته «ضيف النهار» كهدية غالية كتبت بماء الذهب تحكي التجارب والقصص, وتروي كيف أن الإنسان هو من يسعد نفسه وهو من يشقيها.
قال الله تعالى: «لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ».
* محبرة الحكيم
السعادة عند من عاشوا حياتهم بتوازن بين أبعادها الستة:
الروحي: متصل بالله. العقلي: العلم والمعرفة. العملي: طلب الرزق. الجسدي: الرياضة والغذاء الصحي والنوم المبكر. العاطفي: اسرة متحابة متجانسة.
الاجتماعي: دفء العلاقات وعمق التواصل
• مدرب ومستشار معتمد في التنمية البشرية وتطوير الذات CCT
وعضو الجمعية الأميركية للتدريب والتطوير ASTD.