مبادرة أردوغان.. ومحاكمة أوباما
29 أغسطس 2013 , 12:00ص
أعلن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في أكثر من محفل ومناسبة ومنصة «الحاجة لهيئة أمم متحدة جديدة، ذلك لأن الحالية لا تمثل جميع الدول في المجتمع الدولي، وعجزت عن حل الأزمات الدولية، وخمسة دول تتحكم في قرارات العالم ومصيره، وبلا تمثيل إسلامي، وأن هذا ليس عدلاً».
وتبنى كثير من المثقفين والكتاب المؤثرين ونشطاء سياسيين واجتماعيين، وحقوقيون بل والشارع الإسلامي الفكرة عبر التسويق لها في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل غير مسبوق، ما يعكس أكثر من حقيقة.
أولاً: الحاجة التي لم تعد تحتمل مجاملات في إخفائها، لقائد مسلم للأمة، بعيداً عن العنصريات القومية والطبقية والنخبوية، تمتلك بلاده قوة عسكرية واقتصادية واستقرار اجتماعي، أي مقومات الدولة الحديثة المتمكنة، وله كاريزما وقبول عام، وهو من رحم الأمة لا من المفروضين عليها باتفاقية سايكس-بيكو سيئة الذكر والنتائج.
ثانياً: أن الشارع الإسلامي يعي أنه مستغل ومظلوم ومنهك من كل الماضي البئيس المحمل بشظايا الأحداث والمغروسة في خاصرة كل شعب وآن انتزاعها ولو كان الثمن أنهار من الدم.
ثالثاً: الاتفاق على مبدأ «عدم جدوى هيئة الأمم المتحدة للعالم الإسلامي» وبمراجعة لميثاقها وظروف نشأتها، تكتشف حقيقة وأسباب تواجدها وأي فئة تستهدف بالظلم وأي فئة تخدم، بالطبع هي في خدمة العلمانية الدولية، ومعادية الإسلام، انظر لسرعتها في تصنيف كل كفاح مسلح إسلامي تحت بند استحدثته لإلغاء فريضة الجهاد الأصيلة في الإسلام وأسمته الإرهاب، وما كان هذا ليكون لو كانت هناك أصوات إسلامية تذب عن الأمة وثوابتها.
رابعاً: الاستعداد النفسي للنفير ضد الاستعباد العالمي صار حالة عامة عند المسلمين، وسيل استحالة صده.
خامساً: أنه حان الوقت، إن لم يكن متأخراً، لأن تقف قيادات العالم الإسلامي وتعترف بفشلها بحماية الأمة ومستحقاتها ومقدراتها، وأهمها الشعوب، وترك هيئة الأمم المتحدة تعيث بشبابها قتلاً وسجناً وتهجير، وتستولي على أموالها بشرعية المعاهدات والاشتراكات التي يفترض أن يكون مقابلها حماية للأمة الإسلامية كاملة لا استغلالها والتنكيل بها بخيراتها لصالح بقاء أنظمة!
وأخيراً: هل سيستمع أحد من الأنظمة التي شاهدنا على الهواء مباشرة عمالتها واستئصالها للمعارض وإبادتها لشعبها لتلك المبادرة؟!
بالطبع لا، لأنها ضد كل ما يؤمنون به، ومع كل ما يقاومونه منذ عقود بل لقرن مضى وهم يكرسون عبودية المسلم للنظام الدولي الجائر عليه العادل مع من يطابق مزاجيته ويتبع سلطته السادية.
الدمار الشامل في كل دولة مسلمة لم يعد خافياً على أحد، والتطور في وسائل الإعلام والاتصال رغم أنه سلاح ذو حدين، إلا أنه مكن من يستخدمه إيجابياً، من اكتشاف مستنقع العمالة والانهيار القيمي لمنظومة الحكم في الأمة، انظر للعراق، تونس، ليبيا، مصر، سوريا، وقبلهم البوسنة والهرسك، الشيشان، ألبانيا، الصومال، تشاد.. ماذا نعد وكيف نحصي؟!
لماذا الفوضى والجوع والفقر في العالم الإسلامي؟! صار المسلمون حتى الملتزمون يفضلون المواطنة الأميركية والأوروبية رغم عنصريتها، على جواز سفر بلادهم؟! لأن دولهم المسلمة شكلاً لا تحترم إنسانيتهم، والاحتماء ليس بالدول غير المسلمة بل بقوانينها التي تحترم حقوق الإنسان جبرياً، ذلك لأن نظام الحكم الشعبي يوفر حداً من الاعتبار لرأي الناخب الذي يحدد الحاكم. وكذلك الدول تلك علمانية، القانون يجرم العنصرية الدينية، وللأسف أن المسلم يتمترس بقانون علماني، لأن دولته لا تطبق القانون القرآني الأعدل على الإطلاق، ولكننا نصف واقعاً مؤلماً ومحيراً يقتضي ضرورة طرح سؤال إلى متى؟!
إلى متى يعتقل المسلم في دياره من بيته باقتحام غرفة نومه بلا إذن نيابة ولا اتهام ولا محاكمة وبلا حق مشروع للدفاع عن نفسه؟!
إلى متى يعتقل مسلم في دولة أخرى ولا تطالب به دولته ولا تحميه بل هي من تتآمر عليه وتتفق مع الأنظمة الأمنية على اعتقاله والتخلص منه وكأن المسلمين دمى ولا قيمة لهم؟!
سنتنا السيئة تلك والدالة على احتقارنا للإنسان المسلم، طبقتها أميركا تقليداً لنا، ولكن ليس على أرضها، بل في معتقل جونتانامو لم تقدر على تطبيق كل الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان على أرضها لاحترامها وخوفها من القانون والشعب والأحزاب المعارضة المتربصة لأي خطأ لانتزاع السلطة في انتخابات مقبلة، وأيضاً لا يحدثون فوضى، كما في أحزاب معارضة الدول العربية ولا ينقلب الجيش ليستولي على السلطة، هم لا يحدثون الفوضى إلا فوق أراضينا، ولا يستخدمون أسلحتهم إلا في باحات لعب أطفالنا، فإلى متى نحن ساحات تصفيات حسابات كل من يختلف على أي شيء؟!
حتى كتابة هذا المقال صباح أمس، لم يحدد تاريخ الهجوم العسكري التأديبي على سوريا لتلقين العميل المارق عن أسياده درساً في الالتزام بالذبح ما شاء ولكن بلا سلاح كيميائي يضر البيئة، وقد يصل لأشجار وحجر حدود إسرائيل!
عبث في دمائنا لم يجرؤ عليه أحد إلا بسبب قيادات السوء لأوطان المسلمين، رئيس جاء وراثة رغماً عن الشعب لتحكم أقلية الأكثرية، وتتحكم بمفاصل الدولة وتوجه الأموال لشراء الولاءات وبأسلوب فرق تسد القميء، وتقتل الشعب منذ عامين وأكثر، لم تحرك هيئة الأمم ساكناً، اقتل بل اقتل واقتل لأننا نحتاج وقتا نرتب بديلاً عنك؟!
اقتل ولكن لا تستخدم السلاح الكيميائي، كما حذر أوباما بكلمة له «السلاح الكيميائي خط أحمر» وهو تصريح ضمني بقبول القتل بأي وسيلة أخرى، وضوء أخضر بإطلاق مصطلحات بشفرة متفق عليها ويجب أن يحاكم عليه دولياً كمجرم حرب، مثلما قرأ البعض وأول خطاب الرئيس المصري محمد مرسي بقوله «أهلي وعشيرتي» أنه يستنهض جماعة الإخوان المسلمين، أم أن قانون ازدواجية المعايير سيحكمنا حتى الموت مرغمين؟!
لا أظن أن ذلك سيحدث فقد نفضت الشعوب عنها لحاف القعود والركون، ولن تعود للنوم والراحة والاسترخاء إلا وهي مطمئنة على حريتها وحقوقها ودينها، إن ماتت دون ذلك فستضمنه للأجيال المسلمة المقبلة.
العراق دمرت، سوريا هدمت، والمشهد المصري دخل على خط الفوضى مؤخراً، ولا نعلم إلى أي متى سيلتزم جماعة الإخوان المسلمين في رفع شعار الحق السلمي بالاعتراض والتظاهر مع الهجمة الشرسة الهمجية على كل منتسبيها. و «الهولاكية» التي تجتاح مصر بسبب الانقلاب وأعوانه.
الشعوب تفترش الشوارع والميادين من القهر والظلم البواح في كل بلاد المسلمين قشة قصمت الأنظمة القائمة، فهل ما زال من يدعي الفوضى الخلاقة؟ أم هو تراكم الصبر وبلوغ الانفجار؟
الجميع ينتظر خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي، والموتى لا يبعثون، لذلك هم يتأملون بقائد مثل أردوغان حدث فصدق، وعاهد على الاهتمام بشأن الأمة ووفى، فهل سيتركه الضباع والذئاب؟!
هناك حلقات متكاملة غير مفقودة ولا مفرغة ومتصلة وواضحة للعيان وحتى العامة من الشارع الذي يقود حراكاً تغييراً شمولياً لشكل الأنظمة الحاكمة أدركها.
إذاً أين الضبابية؟ وما سبب تكرار الخطأ ذاته في أكثر من دولة في الأقاليم التي تتشابه في الدين وتختلف في القوميات وتضم أقليات؟ لماذا دائماً دماء الفقراء مستباحة وتعمد منظمة الأمم المتحدة على التباطؤ والتلكع في إصدار قرار وقف العنف وحقن الدماء وبإلزام الأطراف المتنازعة، وتبدأ بالدولة التي تمتلك القوة عبر الجيش النظامي؟ لماذا بقيت ملفات العنف في الشرق الأوسط وكل مناطق المسلمين بلا حل عادل؟!
الجميع يعرف الإجابة، وفضل السلامة على الكرامة، وعاش تحت الأحذية مدنية كانت أو عسكرية، منتظراً الموت واللقاء في أرض المظالم ليأخذ حقه من الظالم!
الفكر الإرجائي الضال هو سبب تخلف المسلمين، وتأخير قيام دولة الخلافة، وهو يخالف صحيح السنة بحب الله للمؤمن القوي، وامتداح فطنته وحنطته، وضد أمر الله جل جلاله للمظلوم بأن ينتصر لحقه إن ظلم لا تمثيل دور الضحية واللطم والبكائيات الركون!
التفقه في دستور الأمة القرآن الكريم يؤكد أن ما يدلس عليه علماء البلاط على العامة، ليس من الدين شيء، وهناك انقلاب على هؤلاء، وكل ما هو آت سيبين لكم ما أقول.