alsharq

ماجد محمد الأنصاري

عدد المقالات 269

القدس.. معركة الحقائق

27 أكتوبر 2015 , 01:31ص
كشفت الأحداث الأخيرة المرتبطة بانتفاضة القدس حالة المدينة المقدسة وسكانها الذين يعانون بشكل يومي من ويلات الاحتلال الصهيوني، وليس الأمر مقتصرا على تحرشات المستوطنين أو اقتحاماتهم للأقصى، ولكن الأمر تعدى ذلك إلى حالة من اللامبالاة بحياة المقدسيين، بيوتهم تحرق وهم فيها تحت أنظار الشرطة الصهيونية، أطفال يقطعون ويحرقون دون أن تحرك دولة الكيان ساكنا، ونساء عزل تخترق أجسادهم عشرات الرصاصات دون سبب على حواجز الاحتلال، كل ذلك بالنسبة للمقدسيين أصبح أحداثا يومية يعيشونها والعالم يرى ويسمع ويتجاهل، كل ذلك يحدث ونحن كعرب منشغلون بمعاركنا الداخلية، ولا شك أن حجم المأساة العربية والإسلامية يتضخم كل يوم وأنه إذا نظرنا إلى الأعداد فقط فإن الضحايا في سوريا والعراق واليمن وليبيا أكثر بكثير، ولكن لقضية القدس وأهلها خصوصية ومركزية لا يمكن معها مقارنة ما يحدث هناك بأي قضية عربية إسلامية أخرى.
على الصعيد الديني فإن القبلة الأولى وثالث أهم المساجد في الإسلام يقع تحت نير الاحتلال ويتعرض يوميا لانتهاكات شتى، ناهيك من أن القيود التي وضعها الاحتلال على الصلاة فيه جعلت الوصول إليه معركة يومية حتى لمن يسكن في جواره، وما يتحدث به الصهاينة اليوم عن السماح لليهود بزيارته دون قيود ما هو إلا مقدمة للتقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وهو أمر لا يستحي الصهاينة من إدراجه في خططهم الرسمية للمدينة مثل أورشليم أولا المخطط الذي يهدف إلى تهويد جبل الزيتون ومخطط زانوش الذي ينفذ في المدينة القديمة بهدف الوصول إلى بناء الهيكل المزعوم في المساحة بين المسجد القبلي وقبة الصخرة.
وعلى الصعيد الإنساني فإن سلطات الكيان تعمل بشكل منهجي على تهجير المقدسيين من خلال ضريبة المسكن «الأرنونة» التعجيزية التي تهدف للاستيلاء على مساكن المقدسيين وتشجيع المستوطنين على تكرار اعتداءاتهم الهمجية على المقدسيين في الطرقات وفي المسجد الأقصى، كما وصل الأمر بهم أخيرا إلى إطلاق الشرطة النار على العزل في وضح النهار في رسالة تخويفية أخرى، كل ذلك لدفع المقدسيين الذين يتشبثون بأرضهم وهويتهم إلى تركها.
ولكن المؤلم في قصة المدينة هو ما وصل إليه تفاعلنا كعرب ومسلمين مع مأساة القدس، لن أخوض في واقع إهمال الكثير من الحكومات العربية للقضية بل وتآمر بعضها مع الكيان، ما يهمني هو معركة القلوب والعقول التي يبدو أن الصهاينة يحققون فيها انتصارات غير منطقية، اليوم تجد وسائل إعلام عربية تصف ردة فعل المقدسيين على الانتهاك اليومي لكل حقوقهم على أنه «إرهاب فلسطيني» وكتاب عرب في صحف رسمية يصفون انتفاضة القدس بالجهد العبثي والهمجية الفلسطينية، المؤلم هو أن غياب الحقائق عنا وسطوة العرب «المتعاطفين» مع الصهاينة على بعض الأجهزة الإعلامية العربية حوّلنا إلى حالة من الانقسام حول القضية التي لا تقبل القسمة.
هناك مجموعة من الحقائق الواجب علينا جميعا أن نعرفها، أولا لا بد أن نعرف أننا حين نتكلم عن العلميات الفلسطينية بالسكاكين وغيرها فنحن نتكلم عن ردة فعل على قتل الأبرياء وحرق الرضع وليست مبادرات عبثية، هي وبكل بساطة رد فلسطيني على عقود من الظلم والطغيان والقتل والتدمير الذي لم يحترم حقا إنسانيا ولا طفلا رضيعا ولا امرأة بريئة، قبل اندلاع هذه الانتفاضة بأيام قتلت 3 نساء فلسطينيات في حوادث منفصلة على حواجز صهيونية كانت إحداهن حاملا، كما كان إحراق عائلة فلسطينية من قبل مستوطنين سابقا لذلك بفترة قليلة هذا غير التزايد المتسارع في الاعتداءات الصهيونية على المقدسيين في المسجد الأقصى التي وصلت لأول مرة إلى داخل المسجد القبلي، فلا يقولن أحد بعد ذلك أن ما يحدث هو «همجية» فلسطينية لأنه من الواضح أين بدأ العنف.
الحقيقة الثانية التي يجب علينا معرفتها هي أن العمليات الفلسطينية استهدفت جنودا أو مجندين صهاينة، المستوطنون من باب الضرورة مجندون في الجيش الصهيوني وبالتالي لا يمكن أن نقول إن من يقتل منهم هو مدني، والكثير منهم مسلحون ولذلك نسمع أنه في كثير من الأحيان يطلق مستوطن «مدني» النار على الفلسطيني الذي قام بالعملية فهؤلاء ليسوا أبرياء لا من حيث كونهم مجندين ولا من حيث كونهم مستوطنين من الأصل، ونذكر هنا أن العمليات الفلسطينية لم يسقط خلالها أطفال، بل إن بعض العمليات كان واضحا فيها أن القائم بالعملية كان بإمكانه إسقاط ضحايا من الأطفال، ولكنه أحجم عن ذلك مثل العملية التي استهدف فيها مستوطنا ومستوطنة في سيارتهم قرب رام الله ولم يصب فيها الأطفال الأربعة الذين كانوا في السيارة بأي أذى، وبغض النظر عن تقييمك لتلك العمليات إلا أنه من الواضح من الذي يعتدي دون اعتبار لقيم أو مبادئ ومن يتوقف عند مبادئه.
أخيرا من المهم أن نعرف أن المسجد الأقصى ليس هو المبنى الواقع في قبلة المسجد فقط، المسجد على مساحة 144 ألف متر مربع ويضم الساحات والمسجد القبلي وقبة الصخرة، وهذه المساحة بأبعادها رسمها عمر رضي الله عنه بعد فتح المدينة بنفسه بناء على ما سمعه من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عن وصف المسجد الدقيق بعد أن أسرى إليه، فكل ما حواه السور يدخل في قدسية المسجد بمكانته العظيمة في الإسلام، وعليه فالكلام عن دخول الصهاينة إلى الساحات هو تخفيف لواقع أنهم دخلوا المسجد وأقاموا فيه صلواتهم وليست الساحات إلا جزء من المسجد، الحقائق تبني المواقف لذلك علينا أن نتعلم حقيقة المسجد الأقصى والقدس حتى تبقى مواقفنا راسخة.

• majedalansari@hotmail.com
 @majedalansari
تجربة التحليل السياسي

منذ عام 2006 بدأت في مجال التحليل السياسي، من خلال صفحات الجرائد المحلية المختلفة، ومنذ ذلك الحين التزمت بمقال أسبوعي يركز غالباً على التعليق على الأحداث الراهنة، أو مناقشة موضوع سياسي عام، مرت هذه التجربة...

تركيا.. الخطوة القادمة

بنجاح أكبر من الذي توقعته استطلاعات الرأي، عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، ليقطع الطريق على من أراد أن يشكك في استمرار شعبيته في بلاده. وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة والتلاعب...

في القدس.. مَن في القدس؟

مذ عرّفني أحد الأصدقاء على قصيدة تميم البرغوثي عن القدس، دأبت على الاستماع إليها بين الفينة والأخرى، لا شك لجمالها أولاً، ولكن كذلك لأنها تنقلني إلى حالة شعورية مختلفة حول المدينة القديمة، أشعر وكأنني أمشي...

أطفال بألعاب

في الإنجليزية، إذا أردت أن تصف أشخاصاً يتقاتلون بطريقة صبيانية، فبإمكانك استخدام مصطلح «أطفال بألعاب»، في إشارة إلى أن أولئك الذين تتحدث عنهم يتصرفون كأطفال يتنازعون ألعاباً لا كأشخاص ناضجين.. العالم اليوم يكثر فيه من...

بين الخامس من يونيو والثامن عشر من ديسمبر

ستة أشهر كانت كفيلة ببث روح جديدة في الجسد القطري بعثها التحدي الأكبر الذي واجه البلاد في تاريخها، في هذه الأشهر الستة انطلقت قطر نحو المستقبل بخطى ثابتة والتحم الشعبي مع الرسمي لرسم لوحة مشرقة...

سيناريوهات واشنطن

آلة السياسة في واشنطن شديدة التعقيد، من حيث التركيب والأنظمة، فنظام التوازن والرقابة الذي يعطي كل سلطة صلاحية رقابية على الأخرى، ويجعل الصلاحيات متوازنة بينها، أورث نظاماً معقداً، ولكنه يعمل بكفاءة عالية، هذا النظام تعرّض...

حمقى بأسلحة نووية

أثارت كوريا الشمالية الرعب في محيطها الإقليمي والعالم أجمع بتصعيد تجاربها النووية والصاروخية، وحسب الخبراء العسكريين يمكن أن تصبح قريباً «الدولة المارقة»، كما يسميها ترمب، قادرة على تركيب رأس نووي على صاروخ متجه إلى الساحل...

مبادرات الرحمة

الأنشطة الثقافية للمؤسسات الخيرية هنا في قطر كانت وما زالت أكثر قدرة على جذب الجماهير من مثيلاتها الرسمية، ويعود ذلك لمجموعة من الأسباب، أهمها الطبيعة التطوعية لهذه الأنشطة، وما يحققه ذلك من إبداع ومرونة وحماس،...

ثالوث ترمب المقدس

حطت طائرة الرئيس الأميركي على أرض فلسطين ليكون أول مؤتمر صحافي له بجوار طائرته مناسبة جديدة يذكر فيها بالتزامه التام بأمن الكيان الصهيوني، بعد أن أمضى الأيام الماضية في التأكيد على رؤيته حيال «الإرهاب الإسلامي»...

الطريق والحزام والطموح الصيني

الثورة الاقتصادية الصينية التي دفعت بالصين من دولة مقسمة محتلة إلى أحد أقوى اقتصادات العالم استفادت بشكل كبير من المبدأ الذي وضعه باني نهضة الصين الاقتصادية الحديثة شياوبنج وهو رئيس الصين الثاني بعد ماو تسي...

مهب الرياح الغربية

احتفل قطاع كبير من الفرنسيين، ومعهم المعتدلون في أوروبا، والعالم الغربي بخسارة لوبين، وفوز ماكرون خلال الأيام الماضية، متجاوزين تهديداً آخر من اليمين المتطرف الأوروبي، وبذلك تتبدد أحلام اليمين المتطرف في القارة العجوز في أن...

المنطقة بين تركيا وإيران

خلال الشهور القليلة الماضية تغيرت الأوضاع في قطبين من أهم الأقطاب السياسية في المنطقة بشكل كامل، خلال الأعوام الماضية بدا أن النظام الإيراني يحكم قبضته على محيطه الداخلي والخارجي، وفي مقابل ذلك بدا أن الإدارة...