الإسلاميون.. والتحولات السياسية
27 يونيو 2011 , 12:00ص
ليست الأنظمة العربية وحدها التي تشهد تحولات في مساراتها وأفكارها، بل امتدت هذه التحولات إلى التوجهات السياسية الشعبية، سواء كانت ليبرالية أم إسلامية أم قومية أم يسارية، ولعل التيارات الإسلامية أكثر هذه التوجهات تحولا في رؤاها السياسية، فإلى عهد قريب لم يكن على الساحة في العالم العربي إلا اتجاهات محددة تصارع الواقع السياسي في بلدانها تارة وتتعايش معه تارة أخرى، وقد ساعدت التحولات التي تمت في بعض البلدان العربية على ظهور هذه التيارات بصورة رسمية أو بغير ذلك على الرغم من حضورها على الساحة الشعبية، ولعل أبرز هذه التيارات حركة الإخوان المسلمين وبعض التيارات السلفية، إذ شهدت دول كالكويت والبحرين الأردن واليمن ومصر والمغرب والجزائر وموريتانيا ولبنان حضوراً لهذه التيارات ممثلا بالمشاركة في الحكومة أو البرلمان أو بالوقوف على رصيف المعارضة الشعبية، ويعتبر السودان هو الاستثناء الوحيد الذي تقوده حكومة توصف بأنها إسلامية منذ سيطرة جبهة الإنقاذ على الحكم هناك.
وإذا كان هذا الجانب يمثل التيارات الإسلامية السنية فإن التيارات الشيعية مثلت هي الأخرى حضورا في بعض الدول العربية كالعراق حيث تسيطر هذه التيارات على الحكم، أما في البحرين فقد دخلت التيارات الشيعية لعبة المشاركة، إلا أنها في الفترة الأخيرة اختار أغلبها المواجهة، كما رأينا في الأحداث الأخيرة، وفي الكويت اختارت التيارات الشيعية التحالف مع الحكومة ومساندتها، وفي لبنان تتفاوت الحالة بين المشاركة والحضور بقوة كما هي في الحكومة الحالية أو اتخاذ موقف المعارضة كما مر في فترات سابقة، ومن هنا فإن المشهد السياسي العربي لم يخلُ من التيارات الإسلامية التي لا يمكن الحكم على أدوارها بمعزل عن الأوضاع السائدة في الدول العربية بصفة عامة وعن طبيعة مشاركتها بصفة خاصة، لكن التغيرات الأخيرة التي شهدتها وتمر بها بعض البلاد العربية تشير إلى أن التيارات الإسلامية تعتبر من أكثر الرابحين من هذه التحولات، فبعد معاناتها لعقود طويلة من المواجهات مع الأنظمة السابقة، استطاعت -أخيراً- أن تضفي الشرعية -الرسمية- على وجودها كتيار سياسي شعبي له ما له وعليه ما عليه، بل إن هذه الأحداث فتحت الباب أمام «وافدين» جدد من هذه التيارات، كالتيار السلفي الذي كان إلى عهد قريب بعيدا عن المشاركة السياسية، فباستثناء الكويت والبحرين، فإن التيارات السلفية العربية كانت ترفض المشاركة في العمل السياسي من خلال رؤيتها القائمة على التعامل مع الواقع السياسي بإيجابياته وسلبياته، انطلاقا من مبدأ «طاعة المتغلب» أي وجوب طاعة من يتغلب ويتولى السلطة بأية طريقة كانت، «درءاً للفتنة، وحفظا لدماء المسلمين»، ولذا اعتزلت معظم التيارات السلفية العمل السياسي، ودعت إلى وجوب الطاعة وعدم جواز الخروج على الحاكم لأي سبب من الأسباب، وكان هذا موقفها أثناء الثورات العربية، لكن انتصار هذه الثورات فتح الباب أمام هذه التيارات لتدخل ميدان الصراع السياسي مستثمرةً الحرية التي سادت بعد نجاح الثورات ومنطلقة إلى وجوب المشاركة حتى يكون لها دور في «أسلمة» المجتمع من خلال المشاركة السياسية، وحتى يقفوا أمام أعدائهم التقليديين من «الليبراليين والعلمانيين» كما قال أحد المشايخ في تبريره للمشاركة السياسية، أما الوافد «الإسلامي» الجديد إلى ساحة العمل السياسي فهو الجماعة الإسلامية في مصر التي تجد لها ولفكرها أنصارا في بعض البلاد العربية، فهذه الجماعة التي تبنت هي وجماعة الجهاد العنف في مواجهة الدولة -مصر- لسنوات عدة قامت منذ سنتين بمراجعات فكرية لقادتها داخل السجون وخارجها، وأفضت هذه المراجعات إلى نبذ العنف والتحول إلى العمل الدعوي، لكنها مع الأحداث الأخيرة وخروج قادتها التاريخيين من السجون أضفت على تحولها الفكري تحولا سياسيا إذ اندفعت لتكون على ساحة العمل السياسي من خلال عزمها إنشاء حزب سياسي يمثل رؤيتها في تطبيق الشريعة.
وعلى الرغم من بعض المواقف المحدودة إلا أن هذه التحولات تشير إلى أننا أمام مشهد جديد للتيارات السياسية الإسلامية التي طورت بعضها أفكارها من خلال العمل السياسي الطويل كحركة الإخوان المسلمين التي وصفتها مجلة التايم الأميركية بأنها «أكثر فهما وممارسة للديمقراطية من الليبراليين في مصر!!» كما جاء في موقع العربية. نت، أو من خلال التيارات الجديدة التي تخلت عن أفكارها القديمة المنغلقة أو العنيفة، ولا شك أن هذا التحول لا يكفي فيه تغيير الشعارات أو «الاجتهادات» القديمة، أو رفع شعارات فضفاضة مثل «الإسلام هو الحل»، بل لا بد من رؤية نقدية أولا لتلك الأفكار والاجتهادات، خاصة أن الفكر السياسي الإسلامي ليس فكرا «نصيا» يقوم على النصوص القطعية كما في العقيدة أو بعض أبواب الفقه، ولا تنفع معه كثير من الاجتهادات الفقهية القديمة التي تمت عبر التاريخ الإسلامي، وما حملته تلك الاجتهادات من تقرير أو «تبرير» للواقع السياسي القائم في ذلك الوقت على «الملك العضوض» أكثر مما هو قائم على المبادئ السياسية الإسلامية والتي جاءت بها النصوص كالعدل والحرية والمساواة والشورى وحفظ حقوق الإنسان وغيرها، دون الدخول في تفاصيلها وتركت ذلك لاجتهادات المسلمين في كل عصر بما يتوافق مع المبادئ العامة ومتطلبات العصر، ولذا لا يكفي أن يقول «سياسيو» اليوم من الإسلاميين: قال الماوردي في «الأحكام السلطانية» أو قال إمام الحرمين في «غياث الأمم» أو ابن تيمية في «السياسية الشرعية»، فقد اجتهد أولئك لزمانهم وعلى المعاصرين أن يجتهدوا لزمانهم، وأن يعرفوا ما يدور في مجتمعاتهم من تحديات ومشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية، وأن يتعاملوا مع التحولات العالمية والصراع الدولي، وذلك لن يتم إلا بمشاركة فاعلة في العمل السياسي وفهم قواعد اللعبة واحترام حق الآخرين في عرض أنفسهم دون تخوين أو تكفير أو اتهام أو عزل لغيرهم لمخالفة في الرأي أو طبيعة العمل، ولا شك أن الأجيال الجديدة من الإسلاميين يمكن أن تمثل صورة لما يصلح أن يقوم بدور في العمل السياسي بالاشتراك مع القوى السياسية الأخرى، وأن تعطي نموذجا جديدا لمفهوم العمل السياسي في التيارات الإسلامية حتى لا تكون صورة من التجارب التاريخية الإسلامية القديمة، أو صورة مكررة من تجربة «طالبان» المعاصرة!!
drhareb@gmail.com