مطلوب عسكري خليجي متقاعد
26 ديسمبر 2012 , 12:00ص
تصر النواة الصلبة من المستشارين حول صانع القرار الخليجي على القول بحرصها في تلمس معاناة المواطن ونقلها مع حلولها الناجعة لمن في يده الأمر. لكن الحقيقة أن تلك النواة مستمرة في إنتاج القوانين والمقترحات التي تحتل فيها الموقع المركزي دائما، ولأن التعميم هو أبسط آلية يداري بها العقل البدائي فشله، فلن نقول إن جميع مستشاري السلطة من ذوي الأعماق الأخلاقية المقفرة. لكن جلهم ينتج مقترحات قابليتها للتطبيق تقترب من الصفر بدليل العجز عن حل مشاكل التعليم والصحة والإسكان والبطالة. ففي الكويت مثلا لدينا ما يصل إلى 22 ألف مواطن ينتظرون فرصة العمل، في الوقت الذي هناك فيه من يتغنى بنجاحه في خلق فائض ميزانية بلغ 45 مليار دولار وصندوق سيادي بقيمة 400 مليار دولار في بلد يبلغ تعداد سكانه من الكويتيين 1.2 مليون نسمة فقط. فكيف لا يجد المواطن عملا أو سكنا في الوقت المناسب من عمره مع كل هذه الأموال. وإذا لم يكن هذا ساخرا فأين تكمن الكاريكاتورية؟
ويبدو أن «المقترحات الصفرية» قد انتقلت من المستوى القطري إلى المستوى الإقليمي. فعلى موقع الأمانة العامة لمجلس التعاون نشر الدليل ا?رشادي ل?ستفادة من العسكر??ن المتقاعد?ن بدول المجلس. وأعتذر مقدما إن كنت قد أعدت صياغة أفكار الموقع بطريقة قريبة من الأصل أكثر مما ينبغي، حيث أتت المقدمة معزية ومحاولة أن تجبر خواطرنا إلى إن التقاعد للعسكري ليس نهاية المطاف بل هو تجدد في البذل والعطاء والانتماء والولاء . ثم تحاول تسويقنا –معشر العسكر المتقاعدين -من إن لنا دوراً ر?اد?اً في تعز?ز القوات المسلحة لدول مجلس التعاون وليس في أوطاننا فقط. وتحرص على أن تضع حكمة (الخبرات لا تتقاعد) بين قوسين مكملة التعزية بأن هناك الكثير من العسكريين المتقاعدين ?تمتعون بالحزم وا?نضباط والتزام النظم والقواعد، والذي من شأنه أن ?عزز منظومة العمل العسكري في مناحي الح?اة في جم?ع دول المجلس من أصحاب التخصصات الفن?ة الذ?ن تحتاجهم المؤسسات العسكر?ة ل?ستفادة من خبراتهم العمل?ة والفن?ة خاصة وأن ا?ج?ال الجد?دة غالبا ما تفتقر إلى هذه الخبرات. ويذهب الدليل الاسترشادي إلى أنه يمكن ا?ستفادة من خبرات وكفاءات العسكر??ن المتقاعد?ن للمساهمة في تقل?ل ا?عتماد على العامل?ن من غ?ر أبناء دول المجلس. ولا أعلم كيف سيتم ذلك إذا كانت شركات صيانة الأسلحة والتغذية والطبابة توظف من شرق آسيا من تشاء ولا وجود لشرط توظيف المتقاعدين الخليجيين إلا في أضيق الظروف لعدد لا يتجاوز الخمسة ولمدة لا تتجاوز العامين فقط في الشركة الواحدة.
كما يشير الدليل إلى دور المتقاعدين في المساهمة بنقل الخبرات والمعارف التراكم?ة ل?ج?ال الشابة من أبناء القوات المسلحة في الدول ا?عضاء. وهو كما نعرف أمر يتناقض مع واقع الاتفاقيات الأمنية التي يشمل العديد منها توقيع بروتوكولات تعاون تعليمي وتدريبي بين وحدات التعليم العسكري الخليجية مع وحدات أميركية وأوروبية وبالكاد يجد العسكري العامل فرصة ممارسة التعليم في المعاهد التي تخرج منها، فما بالكم بالعسكري المتقاعد! لقد كان أكثر ما أغاظني عند قراءة الدليل الاسترشادي فقرة الشروط الواجب توافرها في المتقاعد؛ والتي انحصرت في أن يكون خليجيا، ?ئقاً طب?ا، من ذوي ا?ختصاص، و?تم التعاقد وفقاً لنظام الدولة المستف?دة، وخاضعا لنظام التقاعد العسكري في دولته، وأن توافق دولته. ومرد الغضب هو سهولة الشروط لدرجة تصوري لاصطفاف ثلاثة ألوية من المتقاعدين أمام مكتب التوظيف. بمعنى أن هناك من يبيع الحلم مغلفا بالسهولة واليسر، مما يدل على بعده عن الواقع أو لرفع العتب من أبناء للخليج أمضوا فترة شبابهم في الذود عن حياض الوطن.
ثم يعرض الدليل المجا?ت التي ?مكن ا?ستفادة فيها من العسكر??ن المتقاعد?ن، وتشمل وظائف مرموقة كمستشارين في مختلف المؤسسات والقطاعات العسكر?ة والمدن?ة. بل وفي المؤسسات الحقوق?ة والقانون?ة والمال?ة وفي مراكز الدراسات الاسترات?ج?ة وفي المؤسسات التعل?م?ة والتدر?ب?ة، وأيضاً في مجا?ت العمل في تخصصات الهندسة بجم?ع فروعها وفي الط?ران وأجهزة المشبهات والطب والتمر?ض والوظائف الطب?ة المساعدة. بل إن الأمانة العامة قد تجاسرت لتقترح توظيفهم كمستشارين أو مديرين في المنظمات أو الهيئات الدبلوماس?ة بدول المجلس. وهنا نقر بأن المهنة الوحيدة التي ذكرت في الدليل ومفتوحة للمتقاعدين العسكريين هي الحراسة في الشركات ا?من?ة الخاصة. ومما يحزن أن يفرح بالعمل فيها جنود لديهم الخبرة لفك وتركيب محرك طائرة مقاتلة من الجيل الرابع في سويعات. بينما يفرح ضباط بالعمل في لجنة في البلدية تهدم أسوار المنازل المعتدية على الطريق، وفي الوقت نفسه يترحمون على أيام كانوا فيها قادة لمراكز توجيه المقاتلات، ووضع خطط تحرك وحدات المناورة.
ولا نجد حين ننهي التعليق على الدل?ل ا?رشادي ل?ستفادة من ذوي الخبرات والكفاءات من العسكر??ن المتقاعد?ن بـدول المجلس سوى الكلمات الأكثر تقليديّة وتكرارا في وسائل أعلامنا تجاه عمل الأمانة العامة لمجلس التعاون وهو أنها تنتج الكثير من المواد الاسترشادية لا إلزامية، فكيف تتوقع الأمانة أن تلزم أحدا بتوظيف المتقاعدين! وكيف يتم توظيف العسكري المتقاعد في غياب نقابات وجمعيات المحاربين القدماء في الخليج وهي التي تحولت لمناصب شرفية اقتسمها البعض للوجاهة! كما لا يخفى على أحد أن جل منتسبي القوات المسلحة في العالم يأتون من الشرائح الاجتماعية الأقل ثراء. ولا شك أن أخذهم بالحسبان بعد التقاعد يعد لفتة شاعرية حالمة من مجلس التعاون الذي حرص منذ سنوات عدة على إنجاز المواطنة الخليجية للتجار عبر المواطنة الاقتصادية قبل غيرهم، حيث أرى أنه لن يتم توظيف عسكري متقاعد من دولة خليجية في دولة خليجية أخرى بالصورة التي زخرفها الدليل الاسترشادي. ولا أعرف عسكريا خليجيا متقاعدا واحدا تم توظيفه في دولة خليجية أخرى حتى الآن إلا أمين عام مجلس التعاون الفريق الركن الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني.
http://tinyurl.com/3vr3j4a •
http://gulfsecurity.blogspot.com/