alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 116

رفعة المنزلة وعلو القدر.. تكريم القرآن الكريم لإدريس عليه السلام

26 فبراير 2026 , 12:34ص

ورد ذكر إدريس عليه السلام في القرآن الكريم في سورة الأنبياء وفي سورة مريم، وقد جاء ذكر إدريس عليه السلام في سورة مريم بعد قصة عيسى وإبراهيم وموسى وهارون عليهم السلام، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)﴾ [سورة مريم: 56-58]. فبعدما أثنى الله على إدريس بأنه صديقٌ نبي، أخبرنا بأنه رفعه عنده إلى مكان عليِّ، والمكان العلي هو عالي القدر والمنزلة، وكل الأنبياء مكرّمون عند الله، وكلهم رفعهم الله إلى مقامٍ ومكان عليٍّ عنده سبحانه (الخالدي، 4/88). 1-قال السعدي رحمه الله: أي: رفع الله ذكره في العالمين ومنزلته بين المقرّبين، فكان عالي الذكر وعالي المنزلة (السعدي، 646). 2- وقال أبو زهرة رحمه الله: والرفعة هنا معنوية، والمكان المراد به منزلةٌ عليا، وقد زعم بعض المفسرين أن ذكر المكان يدل على أنها رفعة مادية، ولا نرى وجهاً لتخصيص ذكر المكان بالرفعة الحسّية، فإن ذلك تخصيص من غير مخصّص قام الدليل عليه، وإنما نقول: إنها نعمةٌ من الله تعالى على عبده ونبيه الصدّيق الأمين، لأمر اقتضى ذلك في علمه المكنون ولم يبيّنه لنا، فحقَّ علينا أن نقول ما نعلمه، ونسلم بصدق ما لم نعلمه، والله هو العليم المحيط بكل شيء علماً (أبو زهرة، 9/4662). 3- قال الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: مكاناً عالياً في السماء، رفعةٌ معنوية أو رفعة حسية، خذها كما شئت، لكن إياك أن تجادل: كيف رفعه (الشعراوي، 15/9128)، لأن الرفعة من الله تعالى، والذي خلقه هو الذي رفعه، وقد رفع الله إدريس عليه السلام إلى السماء، بدليل إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رؤيته له في السماء الرابعة ليلةَ المعراج (الخالدي، 4/88). روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّث، أنه لما عُرج به إلى السماء قال: أتيتُ على إدريس عليه السلام في السماء الرابعة (البخاري، رقم: 7517. مسلم، رقم: 162). وهذه رواية مجملة، نصّ فيها على أنه قابل إدريس عليه السلام في السماء الرابعة، وهناك رواية تذكر بعض ما جرى في السماء الرابعة، حيث روى البخاري ومسلم عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث المعراج الطويل:.... ثم صَعِدَ بي حتى السماء الرابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك. قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: أَوقد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء. ففُتح، فلما خلصتُ فإذا إدريس، قال: هذا إدريس، فسلّمْ عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح (البخاري، رقم: 3207. مسلم، رقم: 164). هذا ولم يبيّن القرآن كيفية رفع إدريس إلى المكان العليّ، وإنزاله في السماء الرابعة، فلا نعرف تفصيل وكيفية ذلك الرفع، ولا نخوض فيه، علماً أن الإسرائيليات قد أوردت تفاصيل غريبةً منكرة باطلة عن ذلك، ونقل عنها بعض المفسرين سامحهم الله (الخالدي، 4/81). 4-الراجح أن رفع إدريس عليه السلام ليس كرفع عيسى عليهما السلام: قال الدكتور صلاح الدين الخالدي رحمه الله: وعندما ننظر في آيات القرآن فسوف نرى أنها أخبرت عن رفع نبيّين كريمين، هما إدريس وعيسى عليهما السلام، قال الله تعالى عن عيسى عليه السلام: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)﴾ [النساء: 157-158]، وخاطب الله تعالى عيسى عليه السلام بقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 55]. وجمهور المسلمين أن الله رفع عيسى عليه السلام إلى السماء بروحه وجسمه، وذلك لما أراد اليهود والرومان صلبه، فحماه الله منهم ورفعه إلى السماء الثانية، وهو هناك حيٌّ بروحه وجسمه، وسينزل قبيل قيام الساعة، فهل كان رفع إدريس عليه السلام إلى السماء الرابعة هكذا؟ قال بهذا القول بعض المفسرين من التابعين، كمجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم، بل قال بهذا ابن عباس رضي الله عنهما، وقد أورد ابن كثير في التفسير، قال مجاهد: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: رفعه الله إلى السماء الرابعة فإدريس رُفع ولم يمت، كما رُفع عيسى عليهما السلام. والله أعلم كيف كان رفع إدريس عليه السلام، وما المُراد بالمكان العليّ الذي رفعه الله إليه.

الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلح

يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (6-6).. الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله).. صفاته ومرضه ورحيله

تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (5-6).. الشيخ مصطفى السباعي وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (4-6).. الشيخ مصطفى السباعي.. وجهوده في الدفاع عن السُّنَّة النبوية

كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (3-6).. الشيخ مصطفى السباعي وفلسطين: بين الجهاد الميداني وبناء الوعي الدعوي

لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (2-6).. الشيخ مصطفى السباعي في الأزهر وميلاد مشروعه الإصلاحي

ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة.. التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي رحمه الله (1-6)

شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...

فقه التوكل في سورة يوسف.. قراءة تفسيرية في وصية يعقوب عليه السلام لأبنائه

تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...

غزوة تبوك .. مدرسة في الإعداد النفسي والتربية القيادية

تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...

غزوة حنين .. درسٌ رباني في أسباب النصر وسننه

تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...

«ملّة إبراهيم».. طريق التوحيد الخالص وأساس دعوة الأنبياء

ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...

تأملات تفسيرية في سورة البقرة.. الرسالات السماوية ووحدة المصدر والعقيدة

يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...