السبت 13 ربيع الثاني / 28 نوفمبر 2020
 / 
02:37 م بتوقيت الدوحة

لماذا تكتب؟

د. هلا السعيد
سؤال يوجه دائما لكل كاتب 
لماذا تكتب؟؟؟
وحقيقة هذا السؤال أدهشني وأخذني على حين غرة وأنا غارقة بكتابة كتابي الجديد «التعليم التفاعلي للأشخاص ذوي الإعاقة»  
وتساءلت ما الذي يدفع المرء فعلاً للكتابة؟ أهي غواية القلم؟ أم لذة الكتابة وصناعة الأفكار وترجمتها؟ أم هي تنفيس عما تجيش بها نفسي؟ أم هي كل هذه الأشياء مجتمعة؟ 
لو سئلت بشكل مباشر لماذا أكتب؟ 
لأجبت دون أن أفكر ملياً أنني أكتب من أجل إرضاء نفسي وطموحي وهدف ما في داخلي، أكتب من أجل فكرة أو من أجل الدفاع عن مبدأ أو عن قضية، أمارس حقي مثل الآخرين الذين يزاولون حرفاً ومهناً أخرى رغم أنني لا أقتات على مهنة الكتابة بشكل مباشر. 
أكتب ربما لأن هناك ما يستهويني لنقطة أنني مطالب بأن أثبت لنفسي، ربما قبل الآخرين، أكتب لأنني مقتنع حق اقتناع بأنه ليس كالكتابة متنفس، ليس مثلها صدقاً مع الآخرين ومع النفس خاصة إذا كانت هذه الكتابة بمداد الحس. 
وكل ما يراودني هذا السؤال لماذا تكتب ؟؟فأصر على القول بأن الكتابة متنفسي أحيي بها الأشياء، أبث فيها روح الوجود التي أهملها الكثيرون.
أشتاق كثيرا للورقة وقلم الرصاص بعد أن أصبحت ورقتي شاشة "اللاب توب"، أشتاق لورقة ترق وتقسو وتجعلني في حالة توتر، أشتاق لأتصارع مع قلمي على ساحة الورق الأبيض وتحتلني وقتها ملائكة النثر والخواطر.
يعتريني أحيانا الإحساس بالعجز عن التعبير عما يجول في خاطري، وأحيانا اليأس عندما انتهي من تدوين فكرتي وأكون سعيدا بها وأرسلها للصحافة ولا ينشروها.
 وتأتي لحظات تبتلعني دوامة الإحباطات  فيأتيني إحباط بأن الاخرين وجدوا كتاباتي لن تقدم ولن تؤخر في قضية أردت إثارتها أو أن الآخرين لم يفهمو فكرتي أو أن موضوعاتي عن ذوي الإعاقة لا تعنيهم بشيئ.
أعترف أن رغبتي الحقيقية في الكتابة غالبا ما تنتصر أمام سطوة الذات، التي تذوب في النهاية تحت وطأة فعل الكتابه ذاته.
فالرغبة في الكتابة تسمو فوق كل الرغبات، لأنها قفز إلى المجهول، وتجاوز للمحسوب، وخلط للأوراق، وفي كثير من الأحيان مزيج من العقل والجنون. نعم من العقل والجنون! 
وأعاود وأكرر السؤال لماذا أكتب؟؟؟
فأقول الكتابة صوت من لا صوت له. 
أكتب لكي أثبت للعالم أن لي صوتا الآن وغدا. أنت تسمعه، الوجود يسمعه.
أكتب لأقول للعالم ها أنا موجود! أكتب لأني  جزء من هذه المنظومة.. من هذا الوجود. 
أكتب لأدون معلوماتي وأفكاري وخبرتي بالعمل مع ذوي الإعاقة وأوصلها لكل العالم وحتى لا تضيع أفكاري ومعلوماتي  وتتلاشى خواطري.
أكتب لأني أجد أن فئة ذوي الإعاقة لم يهتم بهم كثير من الكتاب 
أكتب لكي أترك عمل نافع ينتفع به بعد مماتي ولا يُنسى اسمي  
أكتب ليبقى أثري الطيب في هذه الدنيا، ولو بعد عشرات أو مئات السنين يراها أهل المستقبل.
لن يروني ولن يسمعوني، ومع ذلك سأكون موجودة، الكتابة فيها نوع من الخلود، تخليد لاسمي لينتقل من جيل إلى جيل.
أكتب أحيانا للتنفيس عن انفعالاتي السلبية ولكي أحافظ على توازني النفسي أمام التحديات التي تصادفني بحياتي.
من هنا يمكن القول إننا نمتع أنفسنا أولاً حين نكتب، نهديها أول حروفنا، نناقشها ونشتبك معها حول المسموح به وغير المسموح، نستأذنها في إطلاق جنوننا، وقد نخادعها، نتحايل عليها أحياناً ونستغفلها أحايين أخرى!
هناك من يتسلح بقلمه ليهرب من هموم الدنيا ونكدها، أو لأنه يريد أن يسمع لحظات السعادة التي ننتشي بها، فبين الفرح والترح خيط رفيع تقتات عليه الكلمات وتحاوره الحروف.
أبرز الأدباء عندما سئلوا لماذا يكتبون فكانت إجاباتهم كالاتي: 
الأديب البرازيلي جورج أمادو، قال "أكتب لكي يقرؤني الآخرون، ولكي أؤثر فيهم، ومن ثمة أستطيع المشاركة في تغيير واقع بلادي وحمل راية الأمل والكفاح." 
أما الأديب الصيني باجين، فقال "أمارس الأدب لكي أغير حياتي وبيئتي وعالمي الفكري." 
وقال الأديب الكولومبي جابريل ماركيز "أكتب لكي أنال المزيد من حب أصدقائي."
وقال توفيق الحكيم "أكتب لهدف واحد هو إثارة القارئ لكي يفكر." 
أما محمود درويش فأجاب "أكتب .. لأني بلا هوية ولا حب ولا وطن ولا حرية." 
وقال الأديب التشيكي ياروسلاف سايفرت "أكتب .. ربما تعبيرا عن الرغبة الكامنة في كل إنسان في أن يخلف وراءه أثرا."
لماذا نكتب؟
هو سؤال سيظل أرقا يجري في نفس الكاتب والقارئ على حد سواء، فالكتابة عالما نشكله وحدنا نحن "الكّتاب"، نطبق فيه أبجديات خلافتنا التائهة، ففي دواخلنا بحث دؤوب عن حقيقة قلقة نحاول أن ترخي هدوء اليقين عليها في ضمائرنا! 
وأخيرا أقول بأذن الله ساستمر بكتاباتي ما دام بي نفس أتنفسه.