عمر بن الخطاب رضي الله عنه
22 أبريل 2014 , 12:00ص
أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- أفضل هذه الأمة وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، قوم اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه وإقامة دينه، فقد كانوا على الهدي المستقيم، قال صلى الله عليه وسلم: «لقد كان فيكم فيمن قبلكم من الأمم محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر» [ رواه: البخاري ومسلم]، وقد قال عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: قلت: يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة»، فقلت: يا رسول الله، من الرجال؟ قال: «أبوها»، قلت: ثم من؟ قال: «عمر بن الخطاب» ثم عد رجالاً.
إذا ذكر المجد والإخلاص والجهاد، ذكر عمر بن الخطاب، وإذا ذكرت الدعوة والشرف وتواريخ الأمم المشرقة، ذكر عمر بن الخطاب، وإذا ذكر العلماء والدعاة والخطباء والساسة وقادة الجيوش ورجال الفكر ذكر عمر ففاقهم شرفاً ومجداً، إنه الفاروق، إنها الشخصية الإسلامية العظيمة، قاعدة النظام الحق وأساس الشورى والعدل والمساواة بين الناس، احترمَ الحريات، واهتمَ بالنساء، ورعى ضعافهن، وحمل رعيته وحفظهم، وقضى حوائج الناس، فأنكر التصرفات المنحرفة، وحقق مقاصد الشريعة، واهتم بالعلم، وجعل المدينة مركزاً للعلم والفقه ينبع منه العلماء والولاة والقضاء، تلك مواقف عظماء الرجال، وهذا موقف لا يصدر إلا من العظماء، فعندما حج الفاروق مر بمنطقة في مكة اسمها «بضجنان» فتذكر أيام رعيه الإبل واحتطابه أحياناً، وتلك الأيام القاسية، فقال: لا إله إلا الله العلي العظيم، المعطي ما شاء لمن شاء، كنت أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي، في مدرعة صوف، وكان فظاً، يتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت ليس بيني وبين الله أحد، ثم قال:
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته يبقى الإله ويردى المال والولدُ
لم تُغن عن هرمز يوماً خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
أين الملوك التي كانت نواهلها من كل أوب إليها راكب يفد
حوضٌ هنالك مورود بلا كذب لا بد من ورده يوماً كما وردوا
وهو الذي قال للناس حين ناداهم من على المنبر «لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم، فيقبضن لي قبضة من التمر أو الزبيب» فلم يقل هنا عمر إنني أصبحت أمير المؤمنين، فمن ذا الذي أفضل مني ويعلوني شأناً، مع أن عمر ركب الخيل وتناول الأدب والشعر، واشتغل بالتجارة فأصبح من أغنياء مكة، وظل بعد إسلامه في خدمة دينه وعقيدته، لا يخشى في الله لومة لائم، وهو الذي صاحب رسول الله وتتلمذ على يديه في مدرسة النبوة، فلازمه في مكة ولازمه في المدينة المنورة، فعرف علوم القرآن والحديث، فحفظ جميع آيات القرآن وسوره والمربي له محمد -صلى الله عليه وسلم- وقد شهد له رسول الله بالعلم فقال: «بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت منه حتى إني لأرى الري يخرج من أظافري، ثم أعطيت فضلي» يعني عمر. واستأذن عمر يوماً إلى عمرة فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تنسنا يا أخي من دعائك»، فقال عمر: ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس لقوله «يا أخي».
إن هذا الحب الشريف الذي جمع بين سيد الخلق وعمر حب سام جعل عمر يلازم النبي في جميع غزواته وميادين الجهاد، فشهد بدراً وأحداً وجميع المشاهد مع رسول الله، ولم يغب عن أي غزوة غزاها النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد روى عن النبي 537 حديثاً، منها ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، وفي كتب الأحاديث الأخرى، وقد دعا النبي لعمر بن الخطاب عندما رأى عمر يلبس ثوباً فقال «أجديد ثوبك أم غسيل؟ فقال: بل غسيل، فقال: البس جديداً، وعش حميداً، ومت شهيداً» وقد تزوج النبي من حفصة بنت عمر بن الخطاب، وما العجب في ذلك وأمير المؤمنين أفضل الناس على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين وأبي بكر، وهذا الحق وهذا هو معتقد «الفرقة الناجية» أهل السنة والجماعة، حتى إذا كثر التزام عمر وصوابه لم يجد الشيطان إليه مدخلاً، فقال صلى الله عليه وسلم: «إيهاً يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً قط إلا سلك فجاً آخر»، وقال صلى الله عليه وسلم: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طليحة، وسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك».
وعدَل عمر وساوى بين الناس، وهو الذي كان يقول حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيؤوا للعرض الأكبر. وقد قال عن نفسه: يا ابن الخطاب كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً فهداك الله، وكنت ذليلاً فأعزك الله. ولم تقر عين عمر حين بسطت الدنيا بين يديه وتحت قدميه، وفتحت بلاد الدنيا في عهده، فقد كان أزهد الناس حتى وصل به الحال أن صعد يوماً على المنبر واستأذن الناس أن يأكل عسلاً يتداوى به، فبكى الناس إشفاقاً عليه وأذنوا له جميعاً، وكان يجلس على الموضع الخشن ويترك من كان معه على المكان اللين، وذلك خوفاً من الله تعالى، فقد كان زاهداً متواضعاً ورعاً يبذل النصيحة للولاة والمسلمين، ويحثهم على نشر الدين والصلاة، فنظم فريضة الزكاة، وحث الناس على الحج، والتجار بالحلال في البيوع، وكان رؤوفاً بالبهائم، وأمن للناس أرزاقهم جميعاً، حتى أنشئ في عهده 4000 مسجد في بلاد العرب، ومن الفتوحات في عهده وقعة النمارق والسقاطية بكسكر وباروسما، والتي قضى فيها على جيوش الفرس، وأفنى المسلمون المشركين المجوس الفرس حتى بلغ قتلاهم 100 ألف، وموقعة البويب وجلولاء، وفتح رامهرمز وتستر وجندي سابور ونهاوند، وفتح همذان والري وقوميس وجرجان وأذربيجان وإصطخر وفساودار، وفتح كرمان وسجستان ومكران، ثم فتح دمشق والقدس، ثم صلى عمر في المسجد الأقصى، ثم فتح مصر والإسكندرية وطرابلس، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: «اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني غير مضيع ولا مفرط»، ثم قال: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد نبيك» حتى جاء موعد الشهادة وعمر يصلي بالناس بالمسجد والناس قد استووا، مر بين الصفين المجوسي أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة، غضب الله عليه وأعد له عذاباً عظيماً، فتحين العلج حتى قام وراء عمر فلما كبّر عمر طعنه في خاصرته بسكين ذات طرفين، وطعن 13 رجلاً مات منهم 7، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وقبل موته -رضي الله عنه- أوصى بوصية مؤثرة تعد وثيقة نفسية ودينية وسياسية وعسكرية واقتصادية ومالية واجتماعية، ودفن رضي الله عنه وأرضاه بين صاحبيه.